قناة الإخبارية: الجامعة العربية تدين اعتداءات ميليشيا الحوثي على المملكة *** قناة الإخبارية: الحكومة اليمنية تطلب عقد جلسة خاصة لـ مجلس الأمن حول خزان النفط العائم صافر *** العربية: إيران تسجل 200 وفاة بكورونا في حصيلة قياسية خلال 24 ساعة *** العربية: البرلمان العربي يدين جريمة اغتيال هشام الهاشمي في العراق *** العربية: وكالة إيرانية تؤكد مقتل شخصين في انفجار وقع في مصنع بالعاصمة طهران
  • السبت 11 يوليو 2020م
  • السبت 20 ذو القعدة 1441هـ
المقالات مصطلحات إيرانيةالشخصية القومية والهوية الوطنية ( شخصيت ملي وهويت إيراني )

دورية مختارات إيرانية العدد 47- يونيو 2004م

قفز مصطلح الشخصية القومية والهوية الوطنية إلى الساحة السياسية في إيران مع احتدام الجدل الدائر بين المحافظين والإصلاحيين حول مفهوم الإصلاح وأبعاده، وكثرت الاجتهادات حول وضع تعريف محدد لهذا المصطلح، إلا أن الآراء التقت عند الشخصية التاريخية لإيران، مما يتوجب توضيح ما استقر عنده مفهوم هذا المصطلح، حيث يدرك الدارس لتاريخ إيران وحضارتها منذ العصر الأسطوري وحتى يومنا هذا أن الشخصية الإيرانية شخصية مركبة تكاتفت عوامل كثيرة لإنضاجها وبلورة خصائصها ومقوماتها خلال تاريخها الطويل، سواء ما كان حقيقياً منه أو ما نسبته إليها من عهود طويلة، لا تؤكد وجودها سوى الأساطير التي يؤمن بها شعب إيران، ويؤكد على وجودها كمرحلة من مراحل حياته، رغم عدم وجود أثار أو مستندات تدل عليها سوى روايات تناقلتها الأجيال، تكشف عن مكونات فكر هذا الشعب وعناصر شخصيته.

ويمكن للدارس من خلال قراءة علمية في تاريخ إيران أن يدرك أن مثلث الإنسان والبيئة والعقيدة هو الأساس القوي الذي بنيت عليه الشخصية الإيرانية وتكونت مقوماتها، إن الإنسان الإيراني بما له من صفات شخصية والبيئة بمكوناتها الطبيعية والعقيدة التي صاحبت هذا الإنسان منذ عصره الأسطوري هي المحاور الرئيسية التي تدور حولها الشخصية الإيرانية، وحتى يمكن فهم هذه الشخصية وتحديد ملامحها لابد من الرجوع إلى هذه المحاور ودراستها وبيان ما فيها من خصائص، على أنه ينبغي الانتباه إلى أن هذه المحاور لم تكن في يوم من الأيام متوازية ولا متباعدة ولكنها ملتقية متداخلة، فالإنسان أبن بيئته خرج منها وتفاعل معها وكيفها حسب قدراته ومزاجه كما شكلت هي كثيراً من صفاته وسجاياه، بل آلامه وعقده، ولم يكن عنصر العقيدة بعيداً عن روح هذا الإنسان وبيئته، بل كان في أعماقه قبل أن يصبح موجها له ودافعا إياه.

ويرى أساتذة الجغرافيا البشرية في جامعة طهران أن التركيبة السكانية الحالية لإيران يرجع عهدها إلى أواسط الألفية الثانية قبل الميلاد عندما استقرت هجرات القبائل الآرية في الشمال الشرقي لشبه الهضبة الإيرانية وامتزجت مع السكان الأصليين الذين كانوا أصحاب حضارة وثقافة خاصة. ويمكن استخلاص ذلك من تحليل الفصلين الأولين من كتاب الويندا - أحد أجزاء الأفستا الكتاب المقدس عند الزراداشتيين- أي " قصة جم" حيث كانت طبقات المجتمع تبدأ بالأسرة الحاكمة والزعماء الدينيين، ثم يأتي المحاربون وأخيراً الزراع، ويقول هيرودوت أنه كان يعيش في بلاد إيران تسع وأربعون قومية من البشر، إلا أن الإيرانيين لديهم الاستعداد الذي يمكنهم من احتواء العناصر المهاجرة التي تستقر على شبه الهضبة وهو ما ساعد على بقاء حضارة إيران القديمة واستمرار تأثيرها عبر العصور.

ومن المعروف أن بلاد إيران عبارة عن شبه هضبة تتوسطها صحراوان كبيرتان، ومن ثم فإن الحياة تتركز في وديان تحيط بها سلاسل جبلية أو واحات تحيطها صحراء ممتدة فضلاً عن مناطق السافانا والغابات المتناثرة في الجنوب والشمال. كذلك أدى موقع إيران الجغرافي إلى نتيجتين تاريخيتين، هما إن إيران صارت طريق التجارة بين شرق العالم القديم وغربه، وأنها صارت مطمع الغزاة منذ بدء الحياة السياسية مما جعل لها علاقات مع جميع الدول المعاصرة لها سلباً وإيجاباً بالصداقة أو الحرب، وجعلها تتبنى عدة قيم أهمها الصمود في مواجهة الغزو والمحافظة على وحدة البلاد واستقرارها، والمحافظة على اللغة والعادات والتقاليد والعقيدة، وحماية اللاجئين ومساعدة الضعفاء ونشر العدل.

ويمكن الوقوف على عدد من النظريات التي تحكم الشخصية الإيرانية وتحدد ملامحها، وأصبحت ركائز لها عبر تاريخها الطويل. ومن أهم هذه النظريات نظرية التفويض الإلهي، فقد كان نظام الحكم في إيران شكلاً واحداً ومضمونا واحداً مهما اختلفت مسمياته، وهو يرتبط بأصالة الشعب الإيراني وما انطوت عليه شخصيته التاريخية بشكل لم يتوافر في كثير من الشعوب، وبصورة ينتفي معها إمكانية التفكير في تغيير هذا النظام بشكل أو بآخر، ولقد كان بقاء هذا النظام مرتبطا بقدرته على التفاعل مع توالى الأزمنة ووضوح الأحداث بنفس النسبة مع تطور وتفاعل العقلية الإنسانية.

لقد آمن الإيرانيون أن أول ملوكهم يومرث هو آدم عليه السلام أوهو جابر بن يافث بن نوح، وما ذلك إلا لرغبتهم في إضفاء صفة القداسة على ملوكهم بحيث يرتبط تاريخ الحاكم بالعقيدة الدينية، كذلك صورت الأساطير الإيرانية الملك فريدون سادس ملوكهم في صورة نوع عليه السلام عندما قسم ملكه بين أبنائه الثلاثة سلم ونور وإيرج، كما ذهبت الأساطير إلى أن زرداشت نبي الفرس رسول من قبل السماء وأنه من أهل فلسطين وأن أهوارامزدا هو الله المطلق وأن أهريمن هو الشيطان، وأن نظرية الإثنينية إنما هي تحريف قام به الكهنة من أجل مصالح دنيوية . وهكذا يرى الإيرانيون أن الحكم السياسي له جوانب سماوية تحددت من قبل الله لتحقيق الحضارة والمدنية بين الناس مما جعل فلسفة الحكم تختلط بالدين والأخلاق منذ قديم الزمان وحتى قبل ظهور زرداشت. وإذا تجاوزنا الأساطير إلى التاريخ الحقيقي نجد أن الآثار والنقوش والكتابات تشير إلى أن الحاكم لم يكن مجرد رئيس سياسي للبلاد، بل كان مرشدا لشعبه بالدرجة الأولى، ولم يكن همه بناء الجسور وشق القنوات بقدر ما كان يهمه قيادة روح الشعب وفكره.

على أن نظرية التفويض الإلهي لم تسقط بدخول إيران في الإسلام، بل ظلت موجهة للشخصية الإيرانية، وتجلت أثارها في الحركات الاستقلالية عن الخلافة الإسلامية وفي حركة الشعوبية وفي الدويلات الإيرانية التي حكمت أجزاء من العالم الإسلامي،كما تجلت في قيام الدولة الصفوية وإعلانها المذهب الشيعي الإثنى عشرى مذهباً رسمياً لإيران وسيلة لربط السياسة بالدين، ولقد ظلت هذه النظرية تحرك الأمور في إيران خلال العصور الحديثة، ويمكن الرجوع إلى أقوال حكام إيران لتأكيد هذا المعنى سواء قبل الثورة الإسلامية أو بعدها.

ومن النظريات التي تحكم الشخصية الإيرانية وتبلور ملامحها نظرية الإثينية لأنها تضبط التوازي القائم بين الناس وبين الأشياء، خاصة تلك التناقضات التي كثيراً ما تحكم هذه العلاقات، وهذه النظرية تضرب في عمق الشخصية الإيرانية منذ استطاع كهنة الدين والزراداشتي أن يجعلوا للديانة إلهين أحدهما للخير هو أهورامزادا والآخر للشر هو أهرمين يتقاسمان العالم ويدور بينهما وبين أنصارهما صراع دائم عبر التاريخ لا يحسم إلا مع ظهور مبعوث الزمان، وتبدو نظرية الإثنينية هذه واضحة في الحضارة الإيرانية وفكرها وأثارها، حيث سمحت للإيرانيين أن يقدسوا الماء والنار معاً وأن يقدروا الرسول عليه السلام وبن عمه علي بن أبي طالب بنفس القدر بعد الإسلام، ولقد انعكست هذه النظرية إلى حد كبير في سلوكيات الفرد والمجتمع، وسارت التقنية الفردية والسياسية والجماعية أقرب إلى العقيدة منها إلى السلوك.

كذلك من النظريات الهامة التي تحكم الشخصية الإيرانية نظرية الاغتراب، فالاغتراب ليس مجرد حالة نفسيه استشعرها الإيرانيون عبر العصور عندما كانت تلم بهم النكبات أو تدهمم الأحداث، بل هو صدى للتجارب الحزينة التي عاشوها طوال تاريخهم إلى حد التمزق، والتي كان قوامها ذلك الوعي الشقي بأن حياة كل منهم غريبة عنه وليست ملك يديه، ولعل مبحث ذلك الإدراك هو ظروف البيئة الإيرانية وضغوطها الهائلة مع تراكم المحن، فخرج الاغتراب من الإطار المجرد لأحاسيس إلى السلوك العملي للفرد والمجتمع، فسارت الغربة اتجاهات متوازية في الشخصية الإيرانية، حيث يستشعر كل إيراني الغربة كخاصية فيه فيسلك الاتجاه الذي يرضيه ويمارس الأسلوب الذي يوافقه فأصبح الاغتراب مذهب بين الواقع الروحي وأشكال الحياة، وليس ضعفاً ولا عجزاً، بل هي أشبه بالبكاء تحت شتات الحياة تدفع للإصلاح، فلم يكن الاغتراب فراراً بالدين أو من الدين وإنما كان مع الدين، كان اغتراباً عن النفس وعن الناس والمجتمع أو توقعاً داخل النفس أو ترك الوطن إلى بلاد أخرى أحياناً أو إلى الصحاري أحياناً أخرى، وقد أفرز الاغتراب حركة الشعوبية وعدم الثقة في الغيب ورفض الذوبان في الشعوب الأخرى أو التجنس في أجناس أخرى أو الاندماج في الحضارات الإسلامية أو حتى أهل السنة والجماعة تحت شعار غربة الإسلام وغربة القرآن الذي حول الاغتراب الذاتية إلى مفاهيم إسلامية لا تنسحب على الناحية النفسية بل على المفهوم الاجتماعي الإيراني.

ومن النظريات الهامة التي تحكم الشخصية الإيرانية نظرية المصالحة مع التاريخ والتي تقوم أساساً إخفاء الجانب السيئ أو الشرير في أحداث التاريخ الإيراني سواء بعدم التركيز عليه أو ذكره، أو بتبريره بحجج تدعوا إلى التعاطف والشفقة، وأحياناً بتحوير بعض الوقائع بشكل يغير مفهومها أو مضمونها، وبذلك يخلوا التاريخ الإيراني في المصادر الإيرانية من أية مخازى أو عيوب أو مهانة، ويعتمد الإيرانيون في كتابة التاريخ على منهج يقسم الفترات الزمنية على أحداث بعينها ويصاغ من خلال النظريات التي تحكم الشخصية الإيرانية، حيث يقسم الإيرانيون الكتابة التاريخية إلى قسمين:

قسم يسمونه بالتاريخ العام ويتناول الأحداث التاريخية منذ خلق العالم حتى العهد الذي يعيشه المؤرخ، وهو رغم عموميته يبدو خاصاً لأنه يربطون بداية العالم ببداية تاريخ إيران ويستمرون في الربط إلى التاريخ المعاصر، وهم خلال ذلك يركزون أحياناً على ذكر تفاصيل دقيقة حول بعض العهود التي ترضي نظرية المصالحة أو يهملون فترات لا تتوافق معها.

والقسم الثاني يسمونه بالتاريخ الخاص ويتناول أحداثاً تتعلق بدوله من الدول المحلية أو ظاهرة من الظواهر التاريخية أو فرقة من الفرق السياسية أو المذهبية، ومن الأشياء الجديرة بالملاحظة معالجة الإيرانيين لتاريخ الحركات الخارجة على الإسلام والخلافة بشكل يحسب لها ولا يدينها، وقد انعكست هذه النظرية في قوة الانتماء والوحدة الوطنية والاجتماعية.

ومن النظريات التي تحكم الشخصية الإيرانية أيضاً مبعوث آخر الزمان وتقوم على عقيدة إيرانية قديمة تعمقت عبر السنين والأجيال وغذتها الأساطير والروايات، تسيطر على وجدان الشعب وتحرك عقلة وتوجه فكرة وأمامه لتدرأ عنه الإحباط والضعف وتمنع عنه الظلم وتحجب الضياع، وملخص هذه العقيدة أن مبعوثاً من العناية الإلهية سوف يظهر على رأس كل ألف عام يقود الشعب الإيراني إلى التقدم بعد أن يدفع عنه الضيم، وقد امتدت هذه العقيدة عبر العصور إلى العصر الإسلامي متمثلة في إمام الزمان أو المهدي المنتظر، وهي إحدى ركايز العقائد الشيعية في إيران، وتبدو في محاولة ربط الحاضر والمستقبل بالماضي، ووضع الشخصية الإيرانية في بؤرة الحضارة، وتركز هذه النظرية على مفهوم انتظار مبعوث آخر الزمان وما يتعلق به من الصبر والكفاح والمثابرة وعدم اليأس، حيث أصبحت أمنية قيام ثورة المهدي فلسفة اجتماعية ملهم لدعم القيم الدينية وفاتحة طريق العمل للمستقبل ومرآة تنعكس عليها الأمان الشيعية.



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل -1.43 من 5التصويتات 14تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع