ÇŘČÚ ÇáŐÝÍÉ ÇáŃĚćÚ ááÎáÝ
المقالات حزب الله اللبناني"لواء زينبيون" وتهديد أمن باكستان
فريق تحرير البينة
 

 

لا شكّ في أنّ تضحيات باكستان البشريّة والماليّة الهائلة لاجتثاث جذور الإرهاب تحظى بتقديرٍ عالميﱟ كبير، ولطالما قامت قوات الأمن الباكستانية بحملاتٍ مُكثّفة لمكافحة الإرهاب في جميع أنحاء البلاد، وشملت تلك الحملات ما لا يقلّ عن 12 عمليةً لتطهير المناطق القبليّة على الحدود مع أفغانستان، وقد تحسّنت على إثر ذلك حالة القانون والنظام في المنطقة، على الرغم من أنّ بعض الجماعات المُسلحة لا تزال تعمل في مناطق كورام وزيرستان. فقد سافرتُ في العام الماضي مع الجيش الباكستاني إلى بعض تلك المناطق القبليّة وأخبروني بما ما قاموا به من جهودٍ عظيمةٍ لاقتلاع جذور الإرهاب والتطرّف هناك.

 

ومِمَّا يُثير القلق هنا أنّ عاشوراء هذا العام أبرزت التعصُّب الديني والطائفي في باكستان، إذ عُلّقَ ترخيص إحدى القنوات التليفزيونية بعد بثِّها خطابًا لمتحدثٍ طائفيﱟ أفرط في استخدام لغةٍ مسيئةٍ ومُهينةٍ ضد صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وعلى الفور، تلقى «فيسبوك» و«تويتر» فيضًا من رسائل الغضب والشكاوى حول هذا الموضوع وقد قامت «سلطة تنظيم وسائل الإعلام الإلكترونية الباكستانية» بالتصرف بشكلٍ حاسمٍ وسريع.

 

وتربط أصحاب التعصُّب الديني والطائفي في باكستان علاقةٌ مباشرةٌ بالثورة الإيرانية؛ فبعد أسابيعٍ قليلةٍ من الثورة الإيرانية عام 1979م، تأسّست جماعة «نفاذ فقه الجعفري» أو ما تُعرف حاليًّا باسم «تحريك الجعفرية» في مدينة بكهر الباكستانية. وفي الوقت نفسه، احتفلت قبيلة توري، مع بعض عشائر بنغش، بالثورة الإيرانية في باراتشينار وفي مديرية كورام. قاد تلميذُ الخميني عارف الحسيني الجهود الرامية  لتصدير أيديولوجية إيران التوسعيّة  إلى باكستان، إذ سافر إلى باكستان لتنظيم العناصر المُوالية لإيران وإزالة خلافاتهم الداخليّة وإنشاء الشبكات الموالية.

 

أرست شبكات الحسيني الأُسُس لتعبئة وإنشاء «لواء زينبيون» في باكستان و«لواء فاطميون» في أفغانستان بسرعةٍ كبيرة. وفي عام 2012م، أُرسل كلا اللواءين إلى سوريا للقتال ضد الثوّار السوريين إلى جانب حزبِ الله والمُرتزقة. أما الآن وبعدما استعاد بشار الأسد قبضته على أجزاءٍ كبيرةٍ من الأراضي السورية بقصفها بالأسلحة الكيماوية والبراميل المُتفجرة والأسلحة الفتاكة، عاد مقاتلو «لواء زينبيون» الموالون لإيران أدراجهم إلى باكستان.

 

ينتمي مقاتلو «زينبيون» إلى مناطق مختلفة في باكستان؛ وفور عودتهم ألقت المخابرات الباكستانية القبض على بعضٍ منهم، إلّا أنّ عددًا كبيرًا منهم قد تسلّل للبلاد عندما خُفِّفت الرقابة على المعابر الحدودية بين باكستان وإيران قبل عمليّات الإغلاق التي فرضتها جائحة كورونا. وعاد هؤلاء المقاتلون المُتمرّسون إلى مدنهم الأصلية وأصبحوا يثأرون ويُجنِّدون غيرهم من الشباب الباكستاني.

 

لم تحظُر إسلام أباد المنظمات المُتورطة في تجنيد الشباب الباكستانيين في «لواء زينبيون» ولم تتّخذ سياسةً واضحةً بشأن الثورة السورية. حتّى عندما رفع الجيش الإيراني علم زينبيون إلى جانب ميليشياته الأخرى بعد مقتل قاسم سليماني في العراق أوائل هذا العام، لم تُقدّم باكستان احتجاجًا عبر القنوات الدبلوماسية الرسميّة، على هذا التصرف.

 

وسائل الإعلام الباكستانية التي تُظهرُ ميلًا كبيرًا نحو إيران واليسار الأيديولوجي نادرًا ما انتقدت أو ناقشت حالة «لواء زينبيون». على الرغم من أنه غالبًا ما تنتقد المؤسّسات الوطنيّة الحيويّة لباكستان والحلفاء الإقليميين، فإنّه نادرًا ما يُسلّط الضوء أو يَكشف عن الأنشطة الشنيعة للجهات الفاعلة غير الحكومية المتحالفة مع الحرس الثوري الإيراني. وعند تجنيد باكستانيين للقتال لصالح دولةٍ أجنبية، ألَا تتحمّلُ وسائل الإعلام مسؤولية التحقيق وإظهار هذه المسألة؟ لم يكُن هناك تغطيةٌ بخصوص المتورطين في تجنيد وتدريب ونقل المقاتلين للانضمام إلى «لواء زينبيون» في سوريا. وأيضًا نتساءل هنا: كم عدد الباكستانيين الذين تلقّوا تدريباتٍ عسكريّة في إيران والعراق؟ كم عدد الذين ذهبوا للقتال في سوريا؟ كم عدد الذين لقوا حتفهم وكيف تتلقّى عائلاتهم الدعم، إنْ وُجد؟ تظل هذه الأسئلة الأساسية دون إجابةٍ من وسائل الإعلام الباكستانية الفاعلة .

 

على الرغم من أنّ اتفاق السلام الأفغاني بين طالبان والولايات المتحدة لا يزال صامدًا، وعلى الرغم من التحديّات العديدة التي تُواجهها، فإنّ التهديد الذي يُهدد بقاءها بسبب إيران ووكلائها، مثل «لواء فاطميون» وغيره، لا يُمكن تجاهله أو التقليل من شأنه. وعلى العكس من إسلام أباد، احتجت كابول ضد تجنيد إيران للاجئين والسكان الأفغان للقتال عنها في حروبها الخارجيّة. ومن المهم أيضًا الإشارة هنا إلى أنّ «لواء زينبيون» و«فاطميون» لا يُمكن لهما أنْ يتواجدا أو يستمرا دون الشبكات الواسعة ومتعددة الطبقات الموالية لإيران والمًتورطة في غسل الأدمغة وتجنيد وتدريب وتمويل المقاتلين وعائلاتهم.

 

مع استمرار وجود شبكاتٍ طائفيّةٍ قويةٍ وعميقةِ الجذور في باكستان وأفغانستان، ستُخيّم سحابةٌ مظلمة على مستقبل كلا البلدين وتستحقُّ باكستان بجدارة الحصول على استثماراتٍ أجنبية بمليارات الدولارات لتنشيط اقتصادها المُتعثر، بينما تحتاج أفغانستان إلى مساعدةٍ خارجية هي في أمسّ الحاجة إليها الآن لإعادة تأهيل اللاجئين والنازحين داخليًّا، وكذلك لإعادة بناء اقتصادها ومجتمعها الذي مزقته الحرب. وإذا ما استمرت باكستان وأفغانستان بغضّ الطرف عن تواجد عناصرَ مُسلحة فاعلة غير حكوميّة على أراضيهما، بلا شكّ سيتقلُّص الدعم والتمويل الدوليّيْن بمرور الوقت.

 

ربما يكون التعصُّب والطائفي الذي ظهر جليًّا في عاشوراء بمثابة دعوةٍ لباكستان للاستيقاظ قبل أن يتلاشى السلام والوئام الذي نالته وأرستهُ بشقّ الأنفس في جميع أنحاء البلاد. وإذا كان هذا هو الواقع على الأرض الآن، فماذا سيحدث عندما يعود كل مقاتلي «زينبيون» إلى باكستان؟

بقلم - د.محمد بن صقر السلمي

 

المصدر: المعهد الدولي للدراسات الإيرانية