قناة الإخبارية: الجامعة العربية تدين اعتداءات ميليشيا الحوثي على المملكة *** قناة الإخبارية: الحكومة اليمنية تطلب عقد جلسة خاصة لـ مجلس الأمن حول خزان النفط العائم صافر *** العربية: إيران تسجل 200 وفاة بكورونا في حصيلة قياسية خلال 24 ساعة *** العربية: البرلمان العربي يدين جريمة اغتيال هشام الهاشمي في العراق *** العربية: وكالة إيرانية تؤكد مقتل شخصين في انفجار وقع في مصنع بالعاصمة طهران
  • الاثنين 13 يوليو 2020م
  • الاثنين 22 ذو القعدة 1441هـ
المقالات مقالات عامةتعرف على (الشروگ): حكام العراق الجدد وقادة فرق الموت والأكراد
د. جلال الوزير

مجلة العصر/ 5-9-1427هـ

ورغم كل ذلك نجد السمة العامة لغالبة تلك الشريحة الشروقية المنحدرة من الأقوام المهاجرة، تغليب انتمائها الطائفي والمذهبي على الانتماء للعراق العربي، وعدم الإخلاص الكامل لتطلعات العراق وأهدافه ومشكلاته كامتداد لعالمه العربي.

* الأصول التاريخية:

تعرضت طبيعة ونشأة وتركيب المجتمع العراقي الحديث إلى هزات كبيرة، أدت من جهة إلى نزوح العديد من مواطني العراق واستقبال مهاجرين على شكل موجات سكانية, خصوصا بعد عهد إسماعيل الصفوي الذي حكم إيران واحتل العراق وبلوشستان، وكذلك في عهد حكم المماليك، إضافة إلى فيضانات دجلة والفرات، وموجات أمراض الطاعون التي إما فتكت بأعداد هائلة من المواطنين الذين كانوا يقطنون الولايات العراقية على عهد العثمانيين, أو أدت إلى هجرة إعداد غفيرة من مواطني الشعب العراقي إلى الولايات والإمارات العثمانية شرق نجد والخليج وإلى مصر والشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين).

ولازالت الكثير من العوائل من الأصول العراقية محافظة على ألقابها العراقية هناك، وترجع أصول المهاجرين إلى العراق من بعض الأكراد والآشوريين والنساطرة والأرمن، عندما جاءت لاجئة للعراق مع الكثير من العوائل الكردية والمسيحية التي كانت تقطن جنوب شرق تركيا وجبال شمال غرب إيران بقرار من عصبة الأمم، بسبب الأذى الذي عانت منه تلك العوائل أثناء العمليات العسكرية للحرب العالمية الأولى، فتم توطينهم في شمال العراق وفي القرى المسيحية المحيطة بالموصل.

أما المهاجرون من الأصول الشرقية (الشروگية) في جنوب العراق, والأهوار، وهي عبارة عن مسطحات مائية ضحلة, فيشكلون أربعة موجات، ابتدأت منذ الحكم إسماعيل الصفوي الذي حكم إيران واحتل بلوشستان وأجزاء من العراق في القرن السابع عشر, وآخرها على عهد شاه إيران محمد رضا بهلوي في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، باعتماد بأساليب الهجرات البرية والتسلل عبر الزوراق للكويت والعراق.

فقد عرف إسماعيل الصفوي باضطهاده لخصومه من الطوائف الدينية وشيوخ العشائر، مما دعا العديد من العوائل المنحدرة من تلك الأصول من المناطق الإيرانية، مثل لورستان والأهواز وبلوشستان وجنوب غرب باكستان وشمال غرب الهند، إلى أن يهاجروا بسبب اضطهاد الصفويين لهم، وسكنوا الأهوار العراقية كعبيد لدى الإقطاع.

والموجة الثانية من هجرة الشروقيين للعراق والخليج العربي، تمت في منتصف القرن التاسع عشر إبان حكم المماليك للعراق, أما الموجة الثالثة للهجرة، فتمت مع جيش الليفي أثناء احتلال الجنرال البريطاني "مود" للعراق، حيث أرسلتهم حكومة الهند الشرقية البريطانية التي كانت تحكم الهند آنذاك, وأتوا من شمال الهند ـ باكستان حاليا ـ وبقوا هم وعوائلهم في مناطق شمال العمارة وجنوب الكوت وشمال الناصرية وجنوب كربلاء.

أما الهجرة الرابعة، فكانت عبارة عن موجات متقطعة للعوائل المهاجرة التي سبق وأن استوطنت الأهواز، قادمة من بلوشستان والهند ولورستان، ما بين الحرب العالمية الثانية ومنتصف عقد الستينيات للقرن العشرين في العراق، ومنتصف السبعينيات في الخليج العربي.

والجدير ذكره هنا, أن هؤلاء المهاجرين قد انخرطوا في العشائر العراقية، التي شغلتهم فلاحين لديها من خلال نظام الدخالة القبلي، الذي يجيز للدخيل في أي عشيرة من تغيير اسمه وحمل لقب العشيرة. وكذلك من المهم الإشارة إلى أنه ليست كل العائلات المهاجرة الشيعية هم من الشروقيين، فهنالك العائلات من أصول لبنانية وإيرانية ميسورة أو مثقفة دينيا، وفدت بأعداد محدودة للعراق لأسباب دينية لتلقي المعرفة في المراجع الدينية، أو تبوأت مراكز دينية في تلك المراجع. كما أن هناك أشخاصا أتوا فرادى أو مع عائلاتهم كتجار أو زوار للمراقد الدينية، واستوطنوا في المدن المقدسة كالنجف وكربلاء والكاظمية في بغداد.

وتميزت هذه الشريحة بأنها كانت تمتلك الوثائق، حيث أتمت معاملات التجنس الأصولية بصرف النظر عن انتمائهم للعراق أو بلدانهم الأصلية التي وفدوا منها. فلا يعد هؤلاء من الشروقيين البدون، الذين لم يمتلكوا وثائق ثبوتية عند هجرتهم, وقدموا من شرق العراق من بلوشستان ولورستان والهند وباكستان إلى الأهواز، ثم العراق والخليج أو العراق والخليج مباشرة, ضمن موجات الهجرة الأربعة المعروفة والمشار إليها.

ويتميزون بلباس خاص للنساء والرجال، وقد تغيير تدريجيا مع الأجيال اللاحقة شبيه باللباس الهندي, كما يتميزون بلهجة أو لكنة خاصة مع تعلمهم العربية.

كما يغلب عليهم الفقر والبعد عن الثقافة والتمدن وبانخراطهم في الزراعة ولاحقا في البناء، كما يتميزون بعادات غريبة بإعطاء أبنائهم أسماء مهينة مثل (مطشر)، أي مبعثر و(چلوب) مصغر كلب و(سلبوح)، أي دودة أو استخدام أسماء التصغير على وزن فعيّل أو افعيل, مثل (مچيّن)، بمعنى مكان و(ولييد) بمعنى ولد أو التصغير الجمعي باستخدام الألف والتاء, مثل (نفطات) أي كمية محددة من النفط.

وكذلك يتميزون ببعض المظاهر العرقية التي يصفها بعض علماء الأعراق والبايولوجيا والمشار إليهم في المراجع على النحو التالي, انتمائهم للعرق الاوردي (وليس السامي العربي)، حيث يتميزون بما يلي: قصر أو القامة الوسط, السمرة الداكنة للبشرة المائلة للصفرة, وعدم وجود إلية الرجل وتسطح القدم, وجحوظ قليل في العين، إلا أن المظاهر العرقية هذه قد ذابت بسبب المصاهرات على مر الفترة الطويلة لوجودهم في العراق والخليج, وكذلك بسبب مزاوجة الجنود البريطانيين للكثير من النساء الشروقيات في مناطق اهوار العمارة والناصرية, أثناء حملة الجنرال مود لاحتلال العراق، إبان الحرب العالمية الأولى وترك الجنود البريطانيين لزوجاتهم مع عائلاتها بعد رحيل القوات البريطانية.

وفي منتصف الأربعينيات من القرن العشرين، ساعد رئيس الوزراء في الحكم الملكي صالح جبر على هجرة الكثير من هؤلاء الشروقيين، الذين لا يحملون أي مستندات أو جنسيات أو بطاقات تعريف شخصية, إلى أطراف بغداد، وكان أغلبية سكان هذه المناطق من المهاجرين من أرياف الجنوب لأسباب شتى، إما هربا من ظلم الإقطاع أو مقتا للحياة الزراعية أو هربا من الثأر القبلي أو هربا من العدالة.

وكان نصيب الأسد منهم في جانب الرصافة، واستوطنوا ما يعرف بمنطقة خلف السدة، وهي سد ترابي بارتفاع 1 - 12 متر بناها والي بغداد ناظم باشا مطلع القرن العشرين شرق بغداد، حفاظا على بغداد من فيضانات نهري دجلة وديالى، وذلك ابتداءً من تخوم ضاحية الأعظمية شمال بغداد وممتدةً حتى منطقة الرستمية على نهر ديالى جنوب بغداد، ونحول هذا السد إلى الخط السريع المسمى جسر محمد القاسم, في الثمانينيات من القرن العشرين، حيث بنوا لهم البيوت البسيطة عشوائية دون موافقات أصولية, من الطين واللبن وذلك على طول السدة.

وفي عهد رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم الذي منحهم الجنسية العراقية، أسكنهم في مجمعات سكنية حول بغداد وحول بعض المدن الرئيسية الأخرى للعراق, وعلى حساب السكان الأصليين لبغداد وتلك المدن, حيث أدى ذلك إلى تغيير البنية الديموغرافية لبغداد بتطويقها بإحياء سكنية من الشروقيين، حيث أنشأت المجمعات السكنية من جانب الرصافة: حي الامين والفضيلية والعبيدي والشماعية والثورة والحسينية. ومن الكرخ: ابو دشير والدباش والشعلة والحرية والإسكان ودور السود وغيرها.

* الشروقيون والشيعة العرب في جنوب العراق:

على الرغم من انتماء الشروقيين للمذهب الشيعي الجعفري، إلا أنه من المؤكد، أن هناك بونا شاسعا بين الشروقيين والشيعة العرب في جنوب العراق من ناحية الانحدار العرقي للتكوين الاجتماعي لكلا الشريحتين, فالتكوين الاجتماعي لسكان الجنوب العراقي قبل موجات النازحين والمهاجرين الشروقيين، الأولى إلى أرض العراق والخليج على عهد دولة إسماعيل الصفوي في القرن السابع عشر، والهجرة الثانية في عهد المماليك منتصف القرن التاسع عشر, وقبل منحهم الجنسية وانتشارهم وتغلغلهم في بنية المجتمع العراقي بعد إعلان الجمهورية منتصف القرن العشرين, يتشكل من خليط من العشائر العربية الشيعية والسنية المنحدرة من القبائل القحطانية أو العدنانية, كآل فرعون والعوادي والياسري والجبور والبو ثامر والدليم والبوعلوان وتميم، وسط وشرق دجلة, والسنية كآل السعدون والهاشمي والبو ظاهر.

وكان تمركز الشيعة العرب في غالبيتهم في ما اصطلح عليه الفرات الأوسط — الديوانية والحلة وكربلاء والنجف والناصرية والسماوة والقرنة والبصرة والإمارة (العمارة) والكوت، وفي بغداد القديمة في الكرادة مع خليط من السنة والمسيحيين والكاظمية والشواكة مع خليط من السنة.

أما السنة الذين كانوا يقطنون في الجنوب، فيتمركزون في الحلة — خليط من الشيعة والسنة—، الناصرية والسماوة — خليط من الشيعة والسنة ـ, البصرة في منطقتي الزبير وابو الخصيب وأجزاء من المعقل, والكوت، وهي أيضا خليط من الشيعة والسنة.

ويرجع أصل تاريخ الشيعة العرب في العراق منذ بداية الدولة الأموية ومبايعة أهل الكوفة للإمام علي ابن أبي طالب ونجله الإمام الحسين بن علي ومعركة كربلاء، حيث يوجد مؤيدو الإمامين من الذين شايعوهم وناصروهم. أما العلاقة بين شيعة عرب الجنوب والشروقيين في تلك الفترة، فهي علاقة السيد أو الحر بالعبد والملاك، أو الإقطاعي بالفلاح الأجير، حيث كان الشيعة العرب يمثلون العشائر والإقطاعيات المالكة للأراضي الزراعية من الشيوخ وعوائلهم وعمومتهم وأنسابهم, أما الشروقيون، فيمثلون طبقة الشغيلة الفلاحية لدى شيوخ العشائر والعبيد الرق لدى الإقطاع.

* ضرورات الاندماج في مجتمع المهجر العراق:

تعتمد الكثير من الدول الاستيطانية مبدأ الهجرة كعامل لرفد البنية الاجتماعية بالأعراق والاثنيات المختلفة, كما هو الحال مع دول أميركا الشمالية وأميركا اللاتينية واستراليا ونيوزيلاندا وغيرها من العوالم الجديدة، التي تم اكتشافها بعد عصر النهضة في أوروبا، وعلى إثر بروز ظاهرة الاستعمار أو ما يسمى تاريخيا بالعصر الكولونيالي، الذي تمثل باحتلال الأراضي والقارات الجديدة وضمها لممالك مستكشفيها, وقد استمرت موجات الهجرة لهذه الأصقاع الجديدة حتى يومنا هذا، ولكن بمعايير مختلفة، منها شموليتها لاستقطاب المواطنين من كافة الدول، وتفضيلها للكوادر المثقفة والعلمية، وكذا للكوادر الرأسمالية والاستثمارية، وتفضيلها للكوادر من أعراق بعينها كالانجلو- ساكسون في الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلاندا والاعراق اللتينية في المكسيك وأميركا اللاتينية وهاييتي وارخبيل البحر الكاريبي. كما قررت القوانين في تلك الدول مبدأ ضرورة الانتماء والولاء للبلد الجديد, الأمر الذي وصل إلى حد فرض شروط ومحددات، منها عدم السفر من البلد لفترات جاوزت، في بعض الدول الأربعة، سنوات حتى منح الجنسية, وضرورة تأهيلهم لمتطلبات الحياة في دول المهجر، كانخراطهم في دورات إلزامية لتعلم اللغة وفروض معينة في تعلم تاريخ بلد المهجر وإرثه الوطني والثقافي.

ووصل الأمر ببعض الدول إلى المطالبة بضرورة إنجاز المهاجر لعمل وطني لبلد المهجر الجديد يثبت ولاءه وانتماءه لبلد المهجر الجديد, من قبيل الانخراط في الخدمة العسكرية أو التطوع المؤقت في العمليات العسكرية التي يخوضها بلد المهجر, أو كتابة المقالات والبحوث والمؤلفات عن البلد الجديد.

إلا إن الأمر مختلف مع دولة كالعراق وحتى باقي دول الخليج العربي، التي تعرضت لهجرات الشروقيين، والتي نجد آثارها في المجاميع السكانية المسماة (البدون) في الكويت على سبيل المثال, فالعراق وتلك الدول بلدان غير استيطانية، لم يتم استكشافها من ضمن العوالم والقارات المجهولة، بل تمتلك حضارة من أعرق حضارات العالم امتدت لستة آلاف عام في عمق التاريخ، ولها امتدادات عربية كواحدة من الولايات والإمارات العربية التي كانت تابعة للدولة العثمانية. فعندما وفدت الهجرات الأولى للشروقيين وحتى الأعراق والديانات الأخرى في شمال العراق, لم يكن معيار الوطنية والانتماء والولاء للبلد هو الهاجس والمعيار الذي حدد شروط الهجرة، بسبب وجود الدولة العثمانية واحتلال بلاد فارس للعراق في عهد إسماعيل الصفوي، والتي تزامنت مع الهجرات الأولى.

وفي الهجرات المتأخرة في مطلع القرن العشرين والأربعينيات ثم الستينيات، كانت تفد موجات من العوائل المهاجرة الشروقية عبر منافذ لها في مناطق ديزفول وقصر شيرين عن طريق البر، ومن إمارة المحمرة (الأحواز أو الأهواز حاليا)، ثم انطلقت هذه الأقوام في هجرة ثانية لأهوار العراق، حيث سبق وأن ارتحلت من لورستان جنوب إيران ومن ولايات شمال الهند وبلوشستان والولايات الجنوبية لأفغانستان، والمتاخمة لبلوشستان الواقعة في جنوب باكستان (الهند سابقا قبل استقلال باكستان)، والتي تدين بالديانة الإسلامية وعلى المذهب الشيعي الجعفري.

أما إمارات الخليج العربي، فقد استمرت الهجرات إليها في السبعينيات من القرن العشرين عبر الممرات البحرية من خلال زوارق المتسللين المشهورة، والتي كانت تعلن عنها وكالات الأنباء عن اكتشاف يومي لتلك القوارب المهاجرة إلى الكويت وقطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة وشرق المملكة العربية السعودية.

فكل تلك الهجرات لم تحدد بمعايير الانتماء الوطني والولاء للعراق أو دول الخليج، بقدر انكفائها على نفسها، محافظة إلى حد ما على ثقافتها المحلية وعاداتها وتقاليدها، التي جاءت بها معها. ومن ضمن تلك الثقافات، طريقة بناء البيوت الطينية، التي نجدها مطابقة إلى حد بعيد جدا مع ما يسمى بالطوفة في شمال الهند وبلوشستان والولايات الجنوبية لأفغانستان.

أما في مجال اللغة، فهناك ما يسمى في علم الصوت اللغوي، بالتنغيم Intonation، وهو طريقة تلحين الكلمة عند تلفظها داخل الجملة، فنجد التقارب الكبير بين اللغات الهندية والبلوشية واللورية والفارسية، كون هذه اللغات تنتمي إلى مرجعية لغوية واحدة، وهي عائلة الهندو-اوربية، وهي بعيدة من حيث علم النحو والصرف والصوت عن اللغة العربية التي تنتمي للعائلة السامية.

ولم يتنفس الشروقيون الصعداء إلا بعد قيام الجمهورية في عهد رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم قاسم، ذلك اليتيم الذي ينتمي إلى أب عربي سني لم يره بسبب وفاته، وأم تنحدر من الأصول الشروقية, أشرفت مع أخواله الشروقيين على تربيته، حيث أصدر قرارات منحهم الجنسية وشهادة الجنسية العراقية، إضافة إلى إصداره لقانون الإصلاح الزراعي، الذي بموجبه صادر الأراضي من ملاكها من شيوخ العشائر، ومنحها للفلاحين، والذين يمثل الشروقيون ثمانين بالمائة منهم.

ثم ما لبث أن وزع عليهم الدور والأراضي السكنية حول بغداد وباقي المدن الكبرى ومنحهم الوظائف الحكومية، وأصدر التشريعات الخاصة بتسهيل انخراطهم في الجيش كمراتب (جنود وضباط صف ونواب ضباط)، ومنحهم الامتيازات العسكرية كالدور السكنية الخاصة بالمراتب المتطوعين في مناطق إسكان شرقي بغداد وغيرها, وهذه تعد النقلة الكبيرة والمهمة في حياة هذه الفئة المهاجرة، والتي إلى الآن لم تمنح الجنسية في بعض إمارات الخليج كالكويت. لذا تعتبر شريحة الشروقيون، عبد الكريم قاسم القائد الوحيد الذي أنقذها، وبالغوا في مدحه.

وأمام هذه الإجراءات المنصفة للشروقيين والإجراءات الأخرى الخاصة بقانون الإصلاح الزراعي, وجد أبناء العشائر العربية في الجنوب أنفسهم قد صودرت منهم أراضيهم الزراعية ومنحت للشروقيين، الأمر الذي أدى إلى تحرر هذه الشريحة من تحكم الشيوخ، ومنحها هذا حرية اتخاذ القرار بالهجرة إلى المناطق الأخرى أو المدن، بعد أن كانوا محصورين في الأراضي الزراعية والاهوار.

وهذا ما أدى إلى انتشارهم الواسع في جنوب العراق، ريفه ومدنه، باعتبارهم يشكلون أعدادا كبيرة. وبدأت عاداتهم وتقاليدهم ولهجتهم تتغلغل في حياة المجتمع العراقي تدريجيا بعد العهد الجمهوري.

* أزمة الشروقيين:

إن الأزمة التي يعاني منها الشروقي بعدم اندماجهم الكامل في المجتمع العراقي، مردها معاناتهم من الاضطهاد على مر تلك العصور، فأصبح لهم تجمعاتهم التي تحولت إلى مجتمع خاص، ذاب فيه الشروقي من الأصل البلوشي، مع الآخر من الأصل اللوري أو الفارسي أو الهندي, وجمعتهم ثقافة واحدة هي ثقافة المهاجر الشروقي، إلا أن إجراءات عبد الكريم قاسم بمنحهم الجنسية والأراضي الزراعية والبيوت السكنية والامتيازات الأخرى، شجعت بعض هذه المجموعات، باعتبارها شرائح اجتماعية لها خصوصيتها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها, بالاندماج المحدود في المجتمع العراقي.

فبسبب نظرة سكان الجنوب لهم، من القبائل العربية (الشيعية)، وخصوصا الفرات الوسط, على أنهم شريحة هامشية من المهاجرين غير الشرعيين أو المتسللين، وما عرفوا به من فقر وتخلف وبعدها عن الحضارة وانفلاتها من القانون، وانتمائهم المتعصب للمذهب الشيعي، أدت هذه النظرة إلى تهميش هذه الشريحة وعدم تقبل اندماجها في المجتمع في الجنوب، إلا بعد عقود طويلة، وإثر الانفجار السكاني للشروقيين بعد منحهم الجنسية والأراضي والدور السكنية، فخرجت من الأهوار وتجمعاتها السكانية المعزولة نحو مراكز المدن, وبسبب النمو السكاني الكبير لهذه الشريحة، احتلت أو اجتاحت المدن الكبرى في العراق بالهجرة من الريف إلى بغداد ومراكز المدن.

وشجعت سياسات إرضاء هذه الشريحة التي مارستها الأنظمة المتعاقبة ـ كتحسين الحالة الاجتماعية لهذه الشريحة وتقديم الخدمات التعليمية والطبية وتطوير البنية التحتية لأحيائهم السكنيةـ، الكثير من أفراد هذه الشريحة على الاندماج في المجتمع من خلال الانخراط في التنظيمات والأحزاب الحاكمة وتبوء مناصب عليا، والاهتمام بالشعر والأدب والمصاهرة مع أبناء المناطق العراقية للسكان العرب الأصليين من كلا الطائقتين الشيعية والسنية، بعد مرور زمن طويل على هجرة آبائهم وتناسي المجتمع لأصولهم، وتعالي الصيحات بوحدة مكونات المجتمع وطوائفه وأعراقه, حيث غدا من المعيب اجتماعيا، البحث عن أصل وانتماء الشخص في فترة السبعينيات والثمانينيات.

ورغم كل ذلك نجد السمة العامة لغالبة تلك الشريحة الشروقية المنحدرة من الأقوام المهاجرة، تغليب انتمائها الطائفي والمذهبي على الانتماء للعراق العربي، وعدم الإخلاص الكامل لتطلعات العراق وأهدافه ومشكلاته كامتداد لعالمه العربي.

فنجد الكثير منهم يمتعض من اهتمام الأنظمة المتعاقبة بالقضية الفلسطينية، والتهجم على الدول العربية، بدعوى أنها مصدرة لأزمات العراق، والاستهزاء بكل ما هو عربي، ووصلت العنصرية والغلو الطائفي ببعض الشروقيين إلى حد المعاداة المعلنة عبر وسائل الإعلام ومواقع الانترنت للمدن العراقية، وخصوصا ذات الأغلبية السنية كالرمادي وهيت وعنة وحديثة والدور وتكريت, واعتماد تزوير الحقائق والمغالطات التاريخية حول أصولهم وانتمائهم العرقي دون ذكر وثائق أو أسانيد.



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل -4.80 من 5التصويتات 5تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع