قناة الإخبارية: إيران تنشئ مفاعلها النووي الثاني بمساعدة روسية *** قناة الإخبارية: مقتل 319 من المتظاهرين بالعراق منذ بدء الاحتجاجات بالعراق في أكتوبر *** قناة الإخبارية: واشنطن تحض على إجراء انتخابات مبكرة في العراق ووقف العنف ضد المحتجين *** العربية: واشنطن: التدخل الإيراني وأذرعه لن تسمح بعودة العراق إلى وضعه الطبيعي *** العربية: البيت الأبيض: ندعو المجتمع الدولي للمساهمة في تحقيق مستقبل أفضل للشعب العراقي
  • الثلاثاء 12 نوفمبر 2019م
  • الثلاثاء 15 ربيع الأول 1441هـ
المقالات مقالات عامةدعوة لمقاومة مخططات تفتيت وتجزئة الأمة
د. علي عبد الباقي

مفكرة الإسلام / 3-1-1428هـ

لا يختلف اثنان على أن التحدي الأكبر الذي يواجه العرب والمسلمين منذ سقوط الدولة العثمانية هو تفككهم وضياع ريحهم واستهانة عدوهم بهم.

وفقدان هذه الوحدة كان هو القضية الأكبر والمأساة الأعظم التي نتج عنها بالتداعي سلسلة طويلة من المآسي والفشل.

إن أول كارثة حدثت للعرب والمسلمين، بعد تفكك الدولة التي كانت تجمعهم، هي وقوعهم فرادى في أيدي الدول الغربية الإمبريالية التي نهبت ثرواتهم وأنهكتهم وأضعفتهم سياسياً وعسكرياً وعطلت نموهم ولحاقهم بركب العالم المتطور.

والمشكلة الناجمة عن ذلك هو أنه حينما أصبحنا أكثر من خمسين دولة بعد أن كنا دولة واحدة، وحتى بعدما تحررنا من الاستعمار، لم نستطع أن نتبنى خططاً طموحة للانطلاق والتقدم لفقدان الموارد التي تمول هذه الخطط، لأن ثرواتنا أصبحت مجزأة ولم تعد تكفي كل دولة لكي تحقق حلمها الخاص بالنمو.

لماذا يحارب الغرب وحدتنا؟

الغرب الصليبي يدرك إدراكاً تاماً أن وحدة العرب والمسلمين ستنعكس سلبياً عليه.

هذه مقولة أساسية في الوجدان الغربي عموماً، فعند غير المتعصبين منهم فإن هذه الوحدة تعني خصماً من الرصيد الغربي في السيطرة على العالم وشراء ثرواته بثمن بخس، وبيعه المنتجات المصنعة في الغرب بأثمان باهظة. وتعني هذه الوحدة عند المتعصبين حتمية الصدام العسكري بين الإسلام والغرب، لأن الأسباب التي أدت إلى هذا الصدام الديني والسياسي قديماً لا تزال موجودة، بل تضخمت وتفاقمت، وأصبح لدى المسلمين رغبة في الانتقام من الغرب الصليبي الذي أذاقهم الهوان منذ سقوط الدولة العثمانية وإلى الآن، وما قام ويقوم به من زرع الكيان الصهيوني في بلادهم، واحتلال العراق، ومشاريع تفتيت السودان والصومال إلا أحدث أفعال الغرب في بلاد العرب والمسلمين.

ومن جهة أخرى يعلم الغرب علم اليقين أن لدى العرب والمسلمين منهجاً مجرباً عبر التاريخ يستطيع أن يجمع تناثرهم ويوجد الأسس القوية لوحدتهم، ألا وهو القرآن العظيم، الذي أقام وحدتهم عبر التاريخ، فقامت الممالك الكبيرة والدول العظيمة في آسيا وإفريقيا وأوروبا تحت راية هذا الكتاب العظيم. وإذا كانت مشكلة الإثنيات والأقليات العرقية والمذهبية أمراً طالما أقلق الغرب ومنع وحدته، فإنهم يدركون تماماً قدرة الإسلام في التعامل مع مشاكل الأقليات.

عملاء الغرب ينفثون سمومهم

وانطلاقاً من هذه الثوابت التي يؤمن بها الغرب ويعرفها جيداً عن الإسلام، فقد عمدت أمريكا والدول الأوروبية على مساعدة الأقليات والإثنيات في العالم العربي والإسلامي من أجل إيجاد المشكلات ومنع الوحدة العربية والإسلامية المأمولة.

بل إن الدول الغربية تساعد المهزومين نفسياً من الباحثين العرب والمسلمين من أجل تأسيس مراكز بحثية تطعن في وحدة الأمة وتضربها وتحاصرها وتفكك ثوابتها عبر الترويج لما يسمى بحقوق الأقليات.

وقد وجدت واحداً من أشهر هؤلاء العملاء الثقافيين وأحد المهزومين نفسياً في بلادنا والمروجين للمشاريع الغربية المشبوهة يقول: إن جوهر الخلاف في هذه القضية وفي قضايا أخرى هو بين نهجين، أحدهما أيديولوجي طوباوي، ينظر للعالم العربي، من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي، كما لو كانت تعيش فيه أمة واحدة، ذات قومية ولغة واحدة، مزقها الاستعمار إلى شعوب وأقطار متعددة. ولأنها "أمة واحدة ذات رسالة خالدة"، فإن من يرى على هذا الاتساع الجغرافي غير ذلك، فهو أعمى أو جاهل، أو معادي للعرب والعروبة، أو خائن لهما، أو متآمر عليهما.

أما المنهج الثاني فهو اجتماعي ـ تاريخي مقارن، ينظر لنفس الفضاء الجغرافي الممتد من المحيط إلى الخليج على أنه يضم إلى جانب الكتلة الرئيسية، وهي الأمة العربية، شعوباً وثقافات أخرى غير عربية أو غير أسلامية، تتقارب أو تتفاوت مع الأمة العربية في السمات والخصال وطرق الحياة. وبالقدر الذي تختلف فيه وتعتز بهذا الاختلاف فهي تريد الحفاظ على هويتها وخصوصيتها، وينبغي فهم هذه الخصوصيات واحترامها.

وطبعاً هذا كلام لا ينطلي إلا على الغافلين، فالإسلام بالنسبة لمن آمن به من المسلمين لم يجعل هناك اعتبار لأية قيمة أخرى غير الرابطة الإسلامية، ولم يفرق بمقدار مثقال ذرة بين المسلمين على أساس اللون أو اللغة أو العرق أو القومية أو الثقافة، فقد هدم الإسلام ذلك كله ولم يقم اعتباراً للتفاضل إلا بالتقوى. وهكذا لم يبق إلا مشكلة الاختلاف في الدين، وفي هذا الشأن فإن في الإسلام رحابة وسعة صدر لغير المسلمين لا ينكرها إلا الجاحدون.

حتمية احتواء أسباب الانفصال

وبعد أن قررنا هذه الحقائق السابقة على المستوى النظري فيجب أن نلتفت إلى الواقع العملي في بلداننا العربية والإسلامية لكي نؤكد أن وجود حالات ظلم وحرمان وتمييز بين المواطنين في أي بلد إسلامي، على أساس التمايز القومي أو المذهبي أو القبلي، يشكل أرضية خصبة تنبت مشاريع التجزئة وتغذي التوجهات الانفصالية، مما يعطي الفرصة للأعداء لتمرير مؤامراتهم في الإمعان في تجزئة الأمة وزيادة تمزيقها.

واعتماد الحل العسكري والأمني وحده في مواجهة دعوات الانفصال ومشاريع التجزئة، لا يكفي بل قد يقدم لها المزيد من المبررات ويشعل أوارها أكثر، بينما التوجه إلى الثغرات ونقاط الضعف المتمثلة في السياسات الخاطئة القائمة على التمييز بين المواطنين، واستضعاف بعض طوائفهم، باستبعادهم عن المشاركة السياسية، وحرمانهم من بعض حقوقهم المشروعة، هذا التوجه هو العلاج الصائب والجذري الذي يفشل محاولات التجزئة والانفصال.

فإذا ما شعر كل المواطنين في أي بلد إسلامي متنوع الانتماءات، بالمساواة وتكافئ الفرص وإتاحة المجال للمشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة؛ فإن ذلك سيكون أفضل حماية للوحدة في ذلك البلد.

وهنا نؤكد أننا نؤمن أن الغرب يستهدفنا وأنه هناك مخططات غربية ضدنا وهناك مؤامرة بالفعل ضد وحدة البلاد العربية والإسلامية، ولكننا ينبغي أن نعترف أيضاً أن هذه المشاريع والمؤامرات لا يكتب لها النجاح إلا بأيدينا وبأخطائنا، وأن الغرب ينتظر أخطاءنا لكي يتكئ عليها ويبدأ في تنفيذ مخططاته. فمثلاً لم يكن الغرب يستطيع أن يتدخل في دارفور لو أن الدولة العربية السودانية ومعها النظام العربي كله ومنظمة المؤتمر الإسلامي، جعلوا ما يحدث في السودان شأناً سودانياً أولاً ثم عربياً وإسلامياً ثانياً، وقاموا بتقديم النصح والمساعدة وجمع الفرقاء السودانيين على مناهج وأسس تحقق مصالح الجميع. وقس على ذلك باقي مشكلاتنا في الصومال ولبنان والعراق .. الخ.

أقرب درس تاريخي في الوحدة

وحتى لا يكون كلامنا أجوفاً لا قيمة له فإننا نعيد إلى الأذهان أقرب حالة للوحدة جمعت الأمة العربية الإسلامية، وهي ليست حالة صدر الإسلام، ولا حالة الدولة الأموية وفتوحاتها، ولا حالة الدولة العباسية أو إن شئت الإمبراطورية العباسية، وإنما سوف نستحضر درس الدولة العثمانية في تحقيق الوحدة.

فحينما ظهرت الدولة العثمانية في بدايات القرن الثامن الهجري، تطلع إليها المسلمون والتفوا حولها، لتجميع شمل الأمة من جديد، لمواجهة التحديات الخطيرة التي واجهتها الأمة، وأهمها تحدي إمبراطورية الروم البيزنطية وسائر القوى الأوروبية الصليبية.

وبفتح القسطنطينية سنة 857هـ / 1453م، على يد السلطان العثماني محمد الفاتح، تعززت مكانة هذه الدولة داخلياً وخارجياً، فقد اتجهت إليها أنظار الشعوب الإسلامية، كما تراجعت أمام قوتها وهيبتها القوى الصليبية الأوروبية.

وإقراراً للعثمانيين بزعامة الأمة، فقد تنازل الخليفة العباسي المتوكل على الله (الثالث)، والذي كان يمثل الخلافة اسمياً، تنازل للسلطان العثماني سليم الأول عن الخلافة سنة 1517م.

وانضمت كل الدويلات والإمارات الإسلامية، إلى هذه الدولة الإسلامية الكبرى، وانضوت تحت رايتها، مما جعل منها دولة عالمية مهابة، تحققت من خلالها وحدة الأمة الإسلامية.

فقد أدى ضم الدولة العثمانية مصر والشام والحجاز والعراق والمغرب الإسلامي، إلى دمج هذه الدول في كلٍّ موحد شاسع، يحده المغرب الأقصى وإيران وبراري روسيا الجنوبية والحبشة. وهذا الكل الموحد يمثل كياناً سياسياً لم يعرف الغرب نظيراً له منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية.

مقاومة أوروبا للوحدة الإسلامية

هذا الظهور القوي للدولة الإسلامية العثمانية، وما رافقه من فتوحات استهدفت عمق أوروبا، أثار مخاوف الأوروبيين وقلقهم، فبدءوا ينسجون المؤامرات، ويخططون لإضعاف هذا الكيان الإسلامي وللإطاحة به. وقد عقدت مؤتمرات عديدة في روما، لبحث الخطر التركي برعاية البابا ومشاركة مجمع الكرادلة والأمراء المسيحيين.

بالطبع فإن عوامل التخلف والفساد الداخلي، الذي نخر في كيان الدولة العثمانية، ساعد على إنجاح تلك الخطط والمؤامرات؛ حيث اعترى الضعف والوهن ذلك الكيان الشامخ، وتقلصت هيبته وهيمنته الروحية على العديد من شعوب الأمة، فتجرأت القوى الأوربية على اقتطاع أوصال وأجزاء رئيسية من جسد الدولة الإسلامية، فكانت البدايات دخول فرنسا إلى الجزائر سنة 1830م، ثم تونس ثم المغرب واقتسامها مع أسبانيا، ودخول إيطاليا إلى ليبيا، ودخول بريطانيا إلى عدن وعمان ومصر والسودان والكويت. حتى جاءت الحرب العالمية الأولى والتي كان من أسبابها الرئيسية، تنازع الدول الغربية على اقتسام تركة الدولة التركية. وانتهى الأمر إلى صدور اتفاقيات سايكس بيكو، وسان ريمو، واتفاقيات باريس، والتي قسمت بموجبها البلاد العربية والإسلامية إلى مناطق نفوذ واستعمار بين الدول الأوربية. فكان ذلك التقسيم نواة وأرضية لقيام هذه الكيانات والدول المتعددة في العالم العربي والإسلامي.

ولما استنفذ الاستعمار المباشر أغراضه، واضطرت الدول الأوربية إلى الانسحاب عسكرياً من البلاد الإسلامية، تحت ضغط ثورات الشعوب وانتفاضاتها التحررية، عملت على تكريس حالة التجزئة، وتثبيت الكيانات القطرية، وتشجيع التيارات القومية والمحلية في مقابل بعضها البعض.

فالحدود المرسومة حالياً بين الدول العربية والإسلامية، وضعت في غالبها بتوجيه وترتيب من الدول الاستعمارية، وبشكل يستبطن إثارة النزاع والصراع فيما بعد.

لو تأملنا بهدوء وعمق خريطة الوطن العربي اليوم، لحز في أنفسنا أن نراه على ما هو عليه من أجزاء مبعثرة هنا وهناك، مقسم إلى دول ودويلات وإمارات.

هناك فواصل على الخريطة لا وجود لها في الطبيعة، خطوط سوداء داكنة وضعتها يد رسام مجهول، تفصل بين أبناء الأمة الواحدة، لا بل أبناء العائلة الواحدة. فلو حاولنا أن نتعرف على أسباب هذه التجزئة وعلى العوامل التي أملتها، لعرفنا دون أي عناء أنها إرادة الأجنبي، أنها مشيئة أولئك المستعمرين الطامعين في السيطرة على هذه الأرض الغنية وسلب خيراتها، وإبقاء شعبها في حالة من الفقر والتخلف تساعدهم على إبقاء نفوذهم عليها أطول مدة ممكنة.

كارثة الدولة القومية

مفكرو الأمة كانوا متحفظين ومخالفين لظاهرة نشوء الدول القطرية لما تعنيه من تجزئة وتمزق، فالاهتمام بمطلب الوحدة العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، قد استحوذ على القدر الأكبر من الفكر السياسي، على حساب الاهتمام بظاهرة الدولة القومية المنشودة، من حيث طبيعتها، وتكويناتها الاجتماعية- الاقتصادية، ومؤسساتها، وكذلك على حساب الاهتمام بظاهرة "الدولة القطرية الوطنية" التي نشأت بالفعل في مرحلة ما بين الحربين، أو بعد الحرب العالمية الثانية.

الدولة القومية كانت في الغرب "جامعة" بينما هي في العالم الإسلامي نتاج لتفكيك كيانات أكبر فخلفت ميراثا من المشاكل.

إن نظرة مقارنة على تاريخ العلاقات الأوربية تؤكد لنا أن القومية والدولة القومية كانت مداخل للجامعية (الوحدة الإيطالية، الوحدة الألمانية-الأمة الفرنسية، الأمة البريطانية)، وعلى مدار تاريخ العلاقات لدول العالم الإسلامي، يتأكد لنا كذلك كيف كانت الدولة القومية نتاجًا لتفكيك كيانات أكبر (الدولة العثمانية) وحملت في طياتها عناصر تفكيك –أو هذا ما أريد لها- أكثر مما حملت عناصر جامعية.

هذه الملاحظة تعني ما أحدثته هذه النشأة المشوهة والقسرية للدولة القومية من ميراث المشاكل الممتد في داخلها، وفي علاقاتها البينية أو الإقليمية، والارتباط القافز على مقتضيات الجغرافيا، ومقتضيات الزمان، ومقتضيات العقدية الجامعة (الإسلام) أو الثقافة الداعية إلى الوحدة، في علاقات خارج الكيان معظمها يتسم بالتابعية.

كما تعني هذه الملاحظة أيضا أن ميراث الدولة القومية حافظ بشكل حاد ومتواتر على علاقات تسير صوب التفكك لا التكامل، خاصة حينما يتحول التمسك بها وبما يترتب عليها من سياسات وعلاقات إلى حالة مرضية تضعف الكيان، كما تضعف علاقاته بكيانات أقرب ما تكون إليه.

وإن نظرة مقارنة بين المسيرة نحو المؤسسات الجامعة في الخبرة الأوربية والخبرة في عالم المسلمين لتشكل دالة واضحة في هذا المقام. وما تحمله هذه المؤسسات من قدرات تفعيل في الخبرة الأوربية وتصورات عن السيادة والحدود والتكامل، وفي الجانب الآخر فإن ما تشير إليه تلك المؤسسات في خبرة عالم المسلمين هو استمساك مرضي بالسيادة والحدود تصل إلى حد التأثير الناسف لتفعيل وفاعلية هذه المؤسسات في العلاقات والسياسات أو الوجود الرمزي لمؤسسات التكامل دون إجراءات تصب في فاعلية علاقات التعاون والتكامل.

مخططات مشبوهة لتجزئة جديدة

وقد لا تكون هذه الحدود المرسومة الآن، والتي تقطع أوصال جسد الأمة وأجزاء كيانها إلى أكثر من خمسين دولة، قد لا تكون حدوداً نهائية للتجزئة والتقسيم، فهناك الكثير من الأسباب الداخلية والعوامل الخارجية، التي تضغط باتجاه المزيد من التفتيت والتمزيق والتجزئة.

حيث يتألف العالم الإسلامي من 190 إثنية قومية، يتحدثون بمئآت اللغات واللهجات الخاصة، وتتعدد انتماءاتهم المذهبية ضمن الإسلام، كما تتنوع مدارسهم الفكرية الإسلامية.

ولهذا التنوع والعدد العرقي والقومي والمذهبي والفكري، تاريخ تعكر صفوه مرارات وأحقاد وثارات.

كما أن الواقع السياسي والاجتماعي المعاش في أغلب البلدان الإسلامية، لا تتوفر فيه أدنى درجة مطلوبة من المساواة والرضا والانسجام، في التعايش بين الحكومات وشعوبها، وفيما بين الانتماءات المتعددة عرقياً ومذهبياً.

وإذا أضفنا لكل ذلك وجود قوى خارجية معادية ترى أن من مصلحتها إضعاف هذه الأمة، وإشغالها بالحروب والنزاعات الداخلية، لعرقلة أي مسعى لنهضة الأمة، وتقدم مستوى التنمية لدى شعوبها.

هنا يكون الخطر ليس وهماً ولا مجرد احتمال، بل خطر داهم يستلزم الكثير من اليقظة والحذر لمواجهته وإبطال مفاعيله.

ولعل القوى الصهيونية اليهودية، هي أكثر الجهات حماساً لخطط ومشاريع إعادة رسم خريطة المنطقة العربية والإسلامية، من أجل توسيع نطاق التجزئة والتفتيت، لإضعاف شعوب المنطقة وإشغالهم بالصراعات الداخلية، ولإبعاد أي احتمال لتوحُّد الأمة حيث يشكل خطراً ماحقاً على الكيان الصهيوني.

وعلى الأرض فإننا نسمع ونلحظ العديد من الدعوات والاتجاهات الانفصالية في أكثر من بلد إسلامي، كما نشاهد مشاريع وخطط للتجزئة وهي تتحرك على الأرض كما يحصل الآن في الصومال، وما يطرح لمستقبل العراق من قيام نظام كونفودرالي يتكون من ثلاث ولايات: شمالية للأكراد وجنوبية للشيعة والوسط للسنة.

وهناك مشروع دولة لـ (الأزواد) شمالي جمهورية مالي في غرب أفريقيا، وتشمل أجزاء من جنوب الجزائر والنيجر وموريتانيا، ومشروع لدولة (الطوارق) يهدد وحدة الجزائر، ومشاريع لفصل جنوب وغرب وشرق السودان.

كيف نقاوم واقع التفتيت؟

وللأسف فقد وجدت الأجيال المسلمة المعاصرة نفسها مرتبطة نفسياً وسلوكياً بهذه الكيانات القطرية، والتي تشكل صيغة للتعايش السياسي على مستوى العالم.

فكيف يمكن تجاوز هذا الواقع، وإلغاء هذه الكيانات القطرية، لصالح قيام كيان واحد للأمة يجمع شملها ويوحد أقطارها تحت راية الإسلام؟.

إنها أمنية عزيزة وغالية يطمح كل مسلم غيور أن يراها متحققة متجسدة، لكن ذلك ليس قريب المنال بل يعترضه آلاف العقبات والعراقيل الداخلية والخارجية، فالقوى المهيمنة في النظام الدولي لا تترك للأمة فرصة التوحد، والطبقة الحاكمة في الدول القطرية الإسلامية، متشبثة بمواقعها وسلطاتها، والتيار المتأثر بالثقافات الأجنبية داخل الأمة، يناوئ أي تحرك توحيدي باتجاه الدين، وجمهور المواطنين نشأ على أساس الولاء للدولة القطرية.

بالطبع لا يعني ذلك كله الخضوع لهذا الواقع والقبول به وتطبيعه نفسياً وفكرياً، بل لابد من السعي باتجاه الوحدة ضمن برامج وطروحات تمهيدية وتدريجية نتجاوز بها مآسي وآلام التجزئة.

وما نحتاج إليه هو الوعي بضرورة الوحدة وأهميتها على مستوى الحقائق والمعلومات والأرقام، بأن يدرك كل مسلم ويتعرف على حقيقة واقع التجزئة، والأضرار والخسائر التي تصيب الأمة من خلال هذا الواقع، وأن يطلع على قدرات الأمة وإمكاناتها البشرية والمادية والعلمية، وأن يرصد الجهود التي تبذل لعرقلة وحدة الأمة من الداخل والخارج، وأن يتابع البرامج والطروحات الوحدوية ليكون له دور في دعمها وتأييدها.

وذلك يستلزم وجود جهات وأجهزة ومراكز تهتم بتوفير وعي الوحدة لأبناء الأمة وجماهيرها مدعماً بالحقائق والأرقام.

 



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل -5.83 من 5التصويتات 6تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع