العربية: نائب الرئيس الأميركي بنس: على العالم أن يقف بقوة في وجه إيران *** العربية: موفدة الأمم المتحدة للعراق: نخشى من زيادة سوء الأوضاع في هذا البلد *** الجزيرة: الخارجية الأمريكية: واشنطن لن تقدم مساعدات إلا لحكومة لبنانية غير فاسدة وتلتزم بإجراء إصلاحات وتستجيب لمطالب الشعب *** قناة الإخبارية: الجبير: يتوجب على إيران ان تهتم بشعبها أولا وعليها ان تمتنع وتتوقف عن كونها الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم *** العربية: الجبير: إيران مولت الحوثيين بالصواريخ التي استهدفت المملكة
  • الاثنين 27 يناير 2020م
  • الاثنين 02 جمادى الثانية 1441هـ
المقالات ملفات إيرانية إيران ودول الجوار بحر قزوين والجمهورياتالسياسة الإيرانية في آسيا الوسطى والقوقاز "حلقة نقاشية"
دورية خاورميانه (الشرق الأوسط)

دورية خاورميانه (الشرق الأوسط) ربيع 2001

عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وجدت إيران في شمالها مجموعة من الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي، كذلك واجه العالم وضعًا جديدًا عليه التعامل معه من مختلف زواياه، ومن جانب إيران، أثر ذلك على المعاهدات الحدودية البرية منها والبحرية، ونظرًا لأهمية وضع الدول آسيا الوسطى والقوقاز في السياسة الخارجية لإيران، تم تخصيص هذه الجلسة ودراسة علاقة هذه الدول بالعالم بصفة عامة، وإيران بصفة خاصة مع الوضع في الاعتبار العلاقات التاريخية والحضارية بين هذه الدول وإيران، ومن الطبيعي أن تقتصر الدراسة على فترة السنوات العشر التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، وقد شارك في هذه الجلسة السيد الدكتور "سيد كاظم سجاد بور"، رئيس معهد الدراسات السياسية والدولية التابع لوزارة الخارجية، المهندس "عليوضا الشيخ العطار" رئيس فريق دراسات آسيا الوسطى، والقوقاز بمركز الدراسات الاستراتيجية التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام، دكتوره "إلهة كولايي" عضو مجلس الشورى الإسلامي، دكتورة "سعيدة لطفيان" عضو اللجنة العليا بكلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة طهران، دكتور "سيد أسد الله أطهري" الباحث وعضو أسرة تحرير دورية دراسات الشرق الأوسط, وإليكم أهم ما تناولته مناقشات هذه الجلسة.

د. أطهري: أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي قيام دول مستقلة في آسيا الوسطى والقوقاز، تلك الدول التي كانت في طي النسيان وقت الحرب الباردة، وكانت تعد من المناطق النائية، على الرغم من تمتع تلك المناطق بأهمية خاصة، ففضلاً عن توافر مصادر الطاقة في أذربيجان، تتمتع آسيا الوسطى بموقع جغرافي هام يربط آسيا وأوروبا، وتلك المنطقة أيضًا قريبة من الصين، الهند، روسيا، إيران، وباكستان، وهي تزخر باحتياطيات هائلة من المواد الهيدروكربونات، الذهب, النحاس، اليورانيوم والفلزات الثقيلة الأخرى، وللاختصار تحتوي آسيا الوسطى على كافة العناصر المذكورة في جدول "مندوليف". وليس غريبًا أن يطلق عليها العلماء "منطقة قلب آسيا".

أما منطقة القوقاز، فتقع إلى الجنوب الغربي من روسيا، ويحدها من الغرب البحر الأسود وبحر أزوف ، ومن الشرق بحر قزوين ومن الشمال السواحل الجنوبية، والجنوبية الغربية لجمهورية إيران الإسلامية.

ومما تقدم يتضح أنها تلتقي مع آسيا الوسطى من خلال ثلاثة من المواقع المذكورة.

بعد هذه المقدمة التوضيحية، سنتناول بالبحث مكانة هذه المنطقة في السياسة الخارجية العليا لجمهورية إيران الإسلامية:

د. سجاد بور: تمثل دول آسيا الوسطى مكانة هامة للغاية في سياساتنا الخارجية، وذلك للأسباب الآتية:

أولاً: لمجاورتهم لنا وارتباطهم بالثقافة الإيرانية، حيث تمتزج في هذه الدول الثقافة العامة بالثقافة الإيرانية، ويتضح هذا من خلال أسماء الأشخاص والمدن، والسوابق التاريخية توضح ذلك.

ثانيًا: وقوع هذه الدول في كتلة اليابسة وعدم اتصالها بأي من البحار وخطوط الملاحة الدولية.

ثالثًا: على الرغم من تواجد تلك الدول تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي في صورة أقوام مختلفة، أو جزء من الاتحاد السوفيتي، إلا أنه عقب انهيار الاتحاد السوفيتي أصبحت دولاً مستقلة حازت اهتمام العالم. وأصبحوا جيرانًا لدولة إيرانية، ومع مراعاة هذا النوع من المجاورة، فمن الطبيعي أن يشغلوا جزءًا هامًا من سياستنا الخارجية.

هناك نقطة أخرى يجب إلقاء الضوء عليها، ألا وهي أن هذه الدول تعد من نقاط القوة في السياسة الإيرانية الخارجية، ويرجع السبب في هذا إلى أنه على الرغم من الإخفاقات الإيرانية في المنطقة، إلا أن إيران لم تواجه بمشاكل كبرى في تلك المنطقة، ولم يلحق بها هزائم رئيسية فعلية، وتبدو هذه النقطة جلية من خلال تقبل شعوب المنطقة للممارسات الإيرانية في مقابل الممارسات الدولية, وتحسب هذه النقطة لصالح السياسة الخارجية الإيرانية، ولا بد أنها تعود إلىالعوامل الجغرافية التي تتمتع بها إيران. وبصورة إجمالية تحظى هذه الدول بمكانة رفعية في السياسة الخارجية الإيرانية، لا بد وأن تعمل على تنميتها والحد من ارتباطهم بروسيا. مرة أخرى أؤكد أنه لا بد أن توضع هذه المنطقة ضمن أولويات السياسة الخارجية الإيرانية.

المهندس "عليوضا الشيخ العطار": من وجهة نظري، يجب أن نبحث وضع إيران في هذه المنطقة من خلال عدة أطر رئيسية والتي أهمها على الإطلاق، الإطار الحضاري حيث تدور تلك الدول في الفلك الحضاري الإيراني، ليس فقط بعد الإسلام ولكن أيضًا قبل الإسلام، لذا تشكل العلاقات الثقافية مع إيران أهم عوامل هذا الإطار، فعلى الرغم من مرور 170 عامًا وهم بعيدون عن إيران و 70 عامًا تحت السيطرة الشيوعية، إلا أنهم ما زالوا متأثرين بحضارتنا.

ويتضح ذلك في أنهم من أجل الخروج من دائرة الهوية الروسية، بحثوا في ماضيهم لبعث هويتهم من جديد، فلم يجدوا إلا الحضارة الإيرانية، ممثلة في الشخصيات القومية لهذه الدول، فنجد منهم على سبيل المثال قبل الإسلام "ياربد"، وبعد الإسلام "الفارابي" وابن سينا والرودكي"، ولا دعٍ للقلق في نسبة تلك الشخصيات لهذه الدول فيمكننا أن نطلق عليهم ممثلينا في الميدان الدولي.

د. سجاد يور: في سياق حديثنا، يجب التركيز على أن هذه الدول تشكل كتلة يابسة لا تتصل بأي من الطرق البحرية والملاحية سوى جورجيا التي لا تعتبر جار مباشر لنا.

د. كولايي: من منطلق وضع آسيا الوسطى والقوقاز في سياستنا الخارجية، يمكننا أن نطلق على هذه المنطقة اسم حوض بحر قزوين، وكذا يمكن لهذه المنطقة أن تدفع سياساتنا الخارجية لمكانة أفضل، وذلك بالاستفادة من الفرص، الظروف، الأوضاع والإمكانيات التي كانت متاحة في الماضي.

ومن الطبيعي أن تكون البداية، الوقوف على أهداف السياسة الخارجية العليا لجمهورية إيران الإسلامية وتجزئة عناصرها ومكوناتها وإعلانها، ثم بحث التوجهات التي حكمتها خلال السنوات الماضية، والتوجهات المختلفة التي تم تطبيقها في المنطقة، ثم بحث الأهداف التي يمكن أن تحققها حكومة قومية والأهداف التي يجب أن تطبقها حكومة أيديولوجية، بالإضافة إلى بحث كافة التوجهات الخاصة بالسياسة الخارجية لإيران في تلك المنطقة.

من المحتمل -في تصوري- أن الدلائل في هذا الميدان توضح فشل السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، وهذا الأمر مرتبط بصورة مباشرة بنظرتنا لهذه المنطقة وأولوياتنا فيها، وتخطيطنا لها، من منطلق تعريف أنفسنا بأننا حكومة قومية أو أيديولوجية، وأساس العمل في تلك المنطقة في ظل الاحتياجات والمتطلبات الموجودة بها، هو ما يشار إليه في السياسة الخارجية بتطابق البيئة العملية مع البيئة الفكرية والروحية.

في تصوري، أننا غير قادرين على الاستفادة الكاملة والصحيحة من مكانتنا الخاصة في تلك المنطقة، وكذا الفرص المتاحة لنا لتأمين مصالحنا القومية، ومرجع ذلك الجهل بتطورات المنطقة والتي من جملتها مفهوم الاستقلال.

من وجهة نظري، أن تلك المنطقة، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، ولبعدها عن العالم الإسلامي، وبسبب علاقاتها التاريخية والثقافية مع جمهورية إيران الإسلامية، قد وقعت فريسة مجموعة من الظروف التي يجب الإلمام بها ومعرفتها معرفة تامة. وبعد ذلك وبالاستفادة من العلاقات التاريخية والجغرافية، يمكننا صياغة رؤية واقعية تكون نقطة انطلاق للسياسة الخارجية الإيرانية في آسيا الوسطى والقوقاز.

د. لطفيان: من خلال ما قمت بإعداده من أبحاث، يتضح أن الأولويات بشأن تلك المنطقة مختلفة ومتشعبة، لكن بخصوص قضية الجوار، التي أشار إليها د. "سجاد بور"، فمن المحتمل أن تكون أهمية تلك المنطقة بالنسبة لنا، أكبر من أهمية الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت لا تقل أهميتها عن منطقة الخليج بالنسبة لنا.

إننا الآن بصدد التفكير في استقلال دول تلك المنطقة، ومع ذلك ، ما زال الجهل سائدًا حول مكانتها وموقعها, وبالمقارنة بما تنفقه الخارجية في مناطق اهتمامنا، نجد أن كلفة تلك المنطقة باهظة، وهناك إهدار للمصادر القومية. كما أننا لا نضع في اعتبارنا المكانة الجغرافية السياسية التي تميز علاقاتنا مع هذه الدول عن سائر علاقاتها مع الدول الأخرى، ومن المؤكد أن الفرصة سانحة لتحديد مصير جمهورية إيران الإسلامية في هذه المنطقة.

يمكننا تقسيم الدول المعنية بمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز إلى مجموعتين: الأولى جغرافية استراتيجية, يعني أولئك الذين يمكنهم القيام بدور فعال في المنطقة، ولديهم العزم على ذلك مثل روسيا، أمريكا، ألمانيا، فرنسا والصين. والمجموعة الثانية تمثل قطبي الجغرافيا السياسية وهما الدولتان المحيطتان بالمنطقة, يعني جمهورية إيران الإسلامية وجمهورية تركيا. هاتان الدولتان، وبسبب الموقع الجغرافي والجغرافيا السياسية لهما تأثيرها في السياسة الخارجية لهذه الدول، سواء وافقت باقي الدول أو رفضت. بمعنى أن ممارسات السياسة الخارجية الإيرانية تشكل أهمية بالغة بالنسبة للمهتمين بهذه المنطقة، فمن المؤكد أن تكون تلك الممارسات باهظة التكلفة بالنسبة لإيران، ومن الممكن أن تكون هناك مصالح كبرى للمشاركين لإيران تدفعهم لتقديم المساعدات وصولاً لأهداف سياستهم الخارجية، ومن جانبي، أؤيد الرأي القائل بأن هذه المنطقة قد خلقت مناخًا جديدًا من التهديدات لإيران؛ لأن مجاورتنا لثماني دول، إذا دارت في فلك البلقان وأوراسيا، سيكون لها تأثير سلبي مباشر علينا، أما إذا دارت في فلك أوروبا ومجالات التنمية فإن تأثيرها الإيجابي سينعكس علينا بصورة مباشرة. أما بخصوص زيادة فرص التبادل التجاري لإيران مع دول هذه المنطقة، إننا لا نقوى على منافسة السلع الأمريكية والروسية الصنع، ولكننا ننفرد بسلع أخرى يمكننا المنافسة من خلالها مثل حلوى أصفهان والمواد الغذائية، من ناحية أخرى هناك تخوف من أن تحتل تركيا موقعنا هناك في سوق المواد الغذائية.

د. أطهري: هل تعتقدون أن تعاقب الأجيال في إيران له تأثيره على السياسة الخارجية؟

د.سجاد بور: يمكن القيام ببحث مستقل حول تعاقب الأجيال وتأثيره على السياسة الخارجية، يقوم على إحصائيات عن الجيل الجديد على مستوى العالم, وما هي متطلبات سوق العمل, والنظرة إلى البيئة المحيطة ومدى تأثيرها على السياسة الخارجية، أما بحثي هذا فهو يعني بدراسة كافة الجوانب القومية والتي تؤثر في السياسة الخارجية بصورة مجملة. على الرغم من أنه صحيح -من الناحية النظرية والتنفيذية- هناك تقسيمات لإدارة السياسة الخارجية، مثل قطاع إدارة السياسة الخارجية الذي يتكون من عدد من المندوبين، كمندوبي السفارات، إلا أن هذه المندوبية ترتبط بالكيف والقدرة.

د. أطهري: هناك اتفاق في وجهات النظر حول مكانة إيران في هذه المنطقة من منظور الأطر الحضارية الاقتصادية والأمنية، كذلك الفرص التي يوفرها هذا الجوار، لكن إلى متى تظل هذه المكانة تحت تأثير العلاقات الإيرانية الروسية؟ إن النظرة الإيرانية لروسيا، كانت على الدوام سلبية، وذلك بسبب الفكر الاستعماري الروسي، والحروب التي خاضتها إيران مع هذا البلد، وإن اختلفت الرؤى بعد ثورة أكتوبر 1917 والتي لولا قيامها -كما يقال- لظلت الأراضي الإيرانية ترزخ تحت نير الاستعمال الروسي والإنجليزي، وقد نتج عن هذه الثورة إلغاء معاهدتي 1907، 1915 كذلك حدث نوع من التقارب بين البلدين عقب اتفاقيتي 1921، 1940, وبعد الثورة الإسلامية اتسمت العلاقات بين البلدين بالسلبية، وقد تجلى ذلك من خلال الموقف الروسي أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، ظلت روسيا تعمل في المنطقة من خلال الكومنولث الجديد لحفظ السلام من خلال اتفاقيات ثنائية، مثلما حدث في طاجيكستان وجورجيا، وسفر فلاديمير بوتين الأخير إلى أذربيجان، والجدير بالذكر أن روسيا تقوم بذلك كمؤسسة أمنية وتعاونية لأوروبا، وخلاصة القول أن هذه المنطقة تمثل أهمية بالغة لروسيا، والسؤال الآن إلى متى تظل مكانة إيران في هذه المنطقة خاضعة لتأثير العلاقات الإيرانية الروسية؟

خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، ضعفت أهمية المنطقة لقلة التوجهات التكنولوجية وعدم الاستفادة من العامل الجغرافي والنظرة الجغرافية السياسية في التعامل مع قضايا المنطقة، لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والتطورات التي شهدتها منطقة آسيا الوسطى والقوقاز ومنطقة بحر قزوين، كان من الضروري إعادة طرح هذا المفهوم تحت مسمى موضوع مؤثر وغاية في الأهمية ,وتعد جمهورية إيران الإسلامية عاملاً أكثر تأثيرًا من روسيا في التطورات التي تشهدها هذه المنطقة؛ نظرًا للنسيج الاجتماعي والشعبي والميراث التاريخي والثقافي في آسيا الوسطى, والضغط على إيران للكف عن التدخل في قضايا طاجيكستان، يوضح أثر هذا التواجد بوضوح هذا مع الوضع في الاعتبار التغير الذي طرأ على السياسة الروسية تجاه إيران، الشرق الأوسط، العالم وانعكاسه على علاقة روسيا بدول آسيا الوسطى والقوقاز في المجال الأمني وتأثيره على النظرة الدولية الروسية، تتضح أهمية تحديد هذه المكانة ودور المنطقة في رسم السياسات الإيرانية، وبشكل خاص الاهتمام بنوعية العلاقات الإيرانية الروسية كأحد العوامل المحورية المؤثرة والتطورات التي أشرنا إليها تحت تأثير الرغبات الغربية التي كانت تسيطر على روسيا وكيفية تنظيم علاقة روسيا بالجمهوريات في آسيا الوسطى والقوقاز.

فروسيا بصدد تنظيم علاقات مع هذه الجمهوريات من منطلق جديد، حيث نشاهد تغيرًا كاملاً في النظرة الأمنية الروسية بالنسبة لانعكاس التطورات في المنطقة على الأمن القومي الروسي، وهو الأمر الذي يجب أن ننسبه لفترة تولي "يفيجيني بريماكوف" وزارة الخارجية الروسية, والواقع أن سياسة "بوتين" سواء في الشرق الأوسط أو مع الجمهوريات المستقلة هي استمرار لسياسة "بريماكوف".

ومما سبق يتضح أن العلاقات الإيرانية الروسية كانت عاملاً محوريًا في تنظيم العلاقات في المنطقة وتنظيم العلاقات بين كافة الأطراف المعنية مع هذه الدول، خاصة في المجالات الاقتصادية والسياسية.

د. أطهري: أرجو من السيد المهندس الشيخ العطار ، في توضيحه لمكانة إيران في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، أن يشرح الرأي القائل باتباع إيران سياسة الدوران في الفلك السياسي الروسي والاعتقاد السائد بنظرة إيران إلى الغرب، حتى أن الروس أنفسهم يتهموننا بذلك، ولماذا لم يشكل اللوبي الروسي في إيران؟ وهل للعامل الثقافي والنظرة السلبية للإيرانيين تجاه روسيا أثرهما في هذا المجال؟ ومراعاة ما تفضلت به د. "كولايي"، فإن العلاقات الإيرانية الروسية ما زالت قاصرة على المجال العسكري الأمني فقط.

المهندس الشيخ العطار: بداية يجب الحديث عن وضع روسيا في المنطقة من الناحية التاريخية فلا يمكن اعتبار أن هذه المنطقة روسية؛ لأن سكانها لا ينتمون لروسيا من ناحية الأصل، اللغة، المذهب، الدين والثقافة، أو مستعمرة روسية كما هو الحال في المستعمرات الأوربية في الهند وأفريقيا, وحتى خلال عصر القياصرة فشلت السياسة الروسية في صياغة هذه المنطقة بالصيغة الروسية، أما في العهد الشيوعي، فقد كان المفكرون وكبار رجال القوقاز يفاخرون بقوميتهم ومجابهتهم للروس، وكبار المفكرين الذين فتحوا نوافذ الفكر الغربي أمام إيران مثل "آخوندزاده" "طالبون" كانوا يخفون تبعيتهم لروسيا, وحقيقة الأمر أن أهالي هذه المنطقة كانوا مستائين من الروس ويثورون ضدهم.

هناك نقطة أخرى يجب تناولها وهي الأهمية الخاصة لهذه المنطقة لروسيا من الناحية الاقتصادية والأمنية, فمن الناحية الاقتصادية وقبل اكتشاف مصادر الطاقة في تلك المنطقة، كان الروس متضررين من دفع التكلفة في هذه المنطقة التي يعتبر أهلها مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، وإن اختلف الوضع بالنسبة لأذربيجان وأرمينيا وجورجيا في العهد الشيوعي وعقب اكتشاف مصادر الطاقة بها, أما من الناحية الأمنية فقرب المنطقة من أوربا والبحر الأسود ووجود أقليات غير مسلمة وأرثوذكس في جورجيا وأرمينيا كان له انعكاسًا على الجانب الاقتصادي.

نقطة أخرى نلقي الضوء عليها وهي التفرقة في المعاملة بين أهالي آسيا الوسطى والقوقاز، ففي عهد القياصرة والعهد الشيوعي، كان للقوقاز مكانة خاصة في السياسة الروسية، وقد شغل العديد منهم مناصب رفيعة وهامة، وكان ستالين نفسه من جورجيا،وشغل عدد من الأرمن مناصب في الأجهزة الإعلامية والسياسية الداخلية والخارجية، وكان "حيدر علييف" نفسه -رئيس أذربيجان الحالي- الشخص الثالث في الحزب الشيوعي الروسي، وقد عملوا جميعًا على تنمية القوقاز وتحسين أوضاعها، وعلى النقيض نجد وضع التراكمة والقزاق والأوزبك.

نقطة أخرى وهي كراهية الشعب الإيراني للروس، والنظر إليهم على أنهم أحد الأسباب التي تشكل تهديدًا على أمن إيران من الحدود الشمالية، وبعد قيام النظام الشيوعي. صارت أكثر تهديدًا على إيران من ذي قبل, واتبع الاتحاد السوفيتي السياسة نفسها تجاه إيران، وظل هذا الموروث باقيًا بعد الثورة الإسلامية، وهنا يجب أن نسجل أن وزارة خارجيتنا تفتقر للمتخصصين في الشئون الروسية، وقد وضح ذلك خلال الجلسة الثقافية التي عقدها معهد الدراسات السياسية والدولية عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، حقيقي لدينا محللون للشئون العربية والتركية والأوربية والغربية، لكن ما زالت الفجوة قائمة فيما يتعلق بالمحللين المعنيين بالشئون الروسية قبل الثورة وبعدها، لذا يجب العمل على توفيرهم طالما نظرتنا للقضايا الروسية منحصرة في العلاقات الأمنية.

خلال السنوات الأخيرة، تحسنت العلاقات وزادت معرفتنا بالروس، ولكن أعتقد أن معرفتنا بالروس ما زالت أقل بكثير من معرفتنا وتحليلنا لجيراننا الآخرين، وكذلك جيران روسيا الآخرين، واتفق في الرأي مع د. "كولايي" أن سبب إخفاقنا يرجع لتلك الأسباب، أننا كثيرًا ما نسمع أن هذه المنطقة كانت مستعمرة روسية، وأحيانًا يأتي الحديث على أنها مناطق تحررت من الاستعمار الروسي، على أية حال، هذا كلام يجانبه الصواب، يجب الإلمام التام بمكانة روسيا ودورها في المنطقة لأن جهلنا بهذا سيؤدي إلى مزيد من تخبطنا.

د. لطفيان: أعتقد أن الروس يمكن أن يشكلوا عائقًا لنا في علاقاتنا مع دول آسيا الوسطى والقوقاز، خاصة في المجالات التي تتعارض فيها مصالحنا القومية مع مصالحهم، مثل تقسيم مصادر الطاقة في بحر قزوين، ومد خطوط أنابيب لنقل مصادر الطاقة إلى المياه الدولية، وأيضًا في المجالات التي تتفق فيها المصالح والتي يجب أن نؤكد عليها بصورة أكبر، من وجهة نظري تمثل علاقاتنا الحالية مع روسيا أهمية كبيرة بالنسبة لإيران، ويشغل البعد الاقتصادي جانبًا أكثر أهمية من البعد الأمني، ومن المعروف طبقًا للتقديرات الروسية أن هناك خسارة تقدر بـ 300 مليون دولار سنويًا لتنفيذ الاتفاقيات الأمنية بين البلدين، والتي ستدفع إيران بموجبها 7 مليارات دولار، وبالنسبة للجانب الإيراني يأتي البعد الاقتصادي في مرتبة تلي البعد الاستراتيجي.

والسؤال الآن: هل ترجع أهمية العلاقات الإيرانية الروسية إلى قدرة الجانب الروسي على تأمين احتياجات إيران في المجالات الأمنية العسكرية بدرجة أفضل من الآخرين؟ وهل تمكين الجانب الإيراني من الحصول على التكنولوجيا المتقدمة، جعل الروس يعطون إيران الفرصة لإجهاض الحظر الأمريكي؟ وكما تعلمون، فإن العلاقات القائمة على تجارة السلاح لا تقتصر على النواحي الأمنية العسكرية فقط، ولكنها تحظى ببعد سياسي أيضًا، يمكننا شراء المعدات العسكرية ولكن مِن مَن؟ وأي دولة ستوافق على وضع أسلحتها بين أيدينا؟ إن هذه النقطة توضح أهميتنا كعارضين للتكنولوجيا.

أعتقد أنه يمكننا أن نحظى بمكانة مستقلة في المنطقة بعيدًا عن روسيا، ومن المحتمل أن نفس الشيء لدى دول آسيا الوسطى والقوقاز، نظرًا لقلقها من الارتباط بروسيا. وبعبارة أخرى، يشكل انضمام دول آسيا الوسطى والقوقاز إلى إيران نوعًا من حفظ توازن القوى في المنطقة. لذا قد يأتي تحسين علاقاتنا مع روسيا بنتائج عكسية في علاقاتنا مع بعض الدول لوجود نوع من الحساسية تجاه استقلالها وحريتها.

أما فيما يتعلق بالجزء الأخير من السؤال وهو وضعنا كقوة في المنطقة، نجد المنافسة قائمة بين إيران وتركيا من ناحية وروسيا وأمريكا من ناحية أخرى، فعلى سبيل المثال، أدت السياسات الأمريكية المتمثلة في توسيع حلف الناتو شرقًا وزيادة نفوذها في المنطقة -خاصة داخل الدول المنتجة للطاقة والمطلة على بحر قزوين- إلى قلق القادة الروس والإيرانيين، ودفعت روسيا للسعي لإقرار علاقات أمنية مجددًا مع بعض دول آسيا الوسطى. كذلك النموذج الذي ساقته د.كولايي بخصوص طاجيكستان، فطاجيكستان هي الدولة الوحيدة بين دول آسيا الوسطى التي توجد بها قواعد عسكرية روسية، وهناك تنسيق بين البلدين بشأن المناورات العسكرية والتدريبات التي تتم على الأراضي الطاجيكية، من جهة أخرى، يتسرب القلق إلى الجانب الأمريكي، خوفًا من أن تؤدي هذه العلاقات والمناورات العسكرية إلى استعادة روسيا لنفوذها في المنطقة مرة أخرى، وعلى الصعيد الروسي، نجد قلق الساسة الروس من توسع أمريكا تجاه دول آسيا الوسطى.

كذلك أدت المنافسة التركية الإيرانية في أسواق آسيا الوسطى إلىظهور نتائج غير مطلوبة، لكنني أعتقد أن أيًا من الدول الأربع لن تستطيع أن تسيطر تمامًا على المنطقة؛ وذلك لسببين:

أولهما: أن دول المنطقة التي قد أشرنا من قبل لحساسيتها تجاه استقلالها وحريتها لن تقبل بأي حال من الأحوال الدوران في فلك أي من الدول الأربع.

ثانيهما: المشكلات الاقتصادية والمشكلات الداخلية، والمشكلات السياسية لدى كل من إيران وتركيا، التي ستحول دون تحقيق أهداف سياستهما الخارجية.

والنقطة الأهم هي أن وجود تشتت في القضايا السياسية الخارجية، قد يتحول إلى لعبة خيالية بسيطة وقد عالجت الأبحاث الاستراتيجية هذه النقطة، سواء في الجانب الأمريكي أو الروسي، أو الأوروبي، أو حتى الجانب الإيراني، وأوضحت النتائج أن العلاقات الخارجية المفككة غير المترابطة يمكن أن تتحول إلى لعبة بسيطة جدًا.

نقطة أخرى من النقاط التي تشكل تهديدًا على الأمن القومي الإيراني، ألا وهي النزعات الإقليمية واتحاد دول المنطقة في الوقت الذي يؤدي تعاون هذه الدول لحل مشكلاتها الأمنية الداخلية والاقتصادية، أو مشكلات التنمية لديها والمساهمة في حفظ أمن المنقطة بصفة عامة إلى نتائج إيجابية بالنسبة لإيران.

د. سجاد بور: إن أبحاث المشاركين قد دارت حول ثلاثة محاور، أولاً: بحث الأوضاع الروسية، ثانيًا: بحث نظرة المنطقة لروسيا، ثالثًا : العنصر الروسي في علاقة إيران مع دول المنطقة.

بخصوص روسيا ذكرت عدة نقاط لا بد من توضيحها، أولاً: تعتقدون أن النظرة الإيرانية تجاه روسيا كانت دائمًا سلبية وأريد أن أصحح هذا القول، إن نظرة إيران إلى القوة التي تريد أن تفرض سيطرتها على تلك المنطقة قد كانت سلبية، والمنطق هنا بسيط للغاية، فأية دولة سواء كانت روسيا أو حتى العراق، تريد أن تسيطر على إيران، فإن نظرة الشعب الإيراني إليها -مثله في ذلك مثل أي شعب آخر- ستكون سلبية وسينهض الشعب لمقاومة الهيمنة والسيطرة.

لكن السؤال الآن: هل نحن داخليًا ضد الروس؟ أعتقد أنه للإجابة على هذا التساؤل لا بد من إجراء بحث دقيق يقوم على الشواهد والأسانيد.

ثانيًا: على الرغم من نظرة إيران لمكانة روسيا في الدول الأخرى، إلا أن التطورات الروسية كانت ذات أثر عميق على إيران من الناحية الأمنية والفكرية، فكافة الأبحاث التي تناولت انهيار الاتحاد السوفيتي والوضع الداخلي في روسيا، توضح أن مفكري إيران قد طرحوا الأمور المتعلقة بالسوفيت، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال أحاديثهم وقد كان لهذه الأبحاث تأثيرًا عميقًا.

لكن بخصوص روسيا والمنطقة، هناك وجهتا نظر مختلفتان بين الخبراء والمعنيين بالشئون الروسية، أولاهما: أن الروس كانوا في كنف السلطة الكلاسيكية التي بدأت في القرن السابع عشر واستمرت حتى بعد الشيوعية، وثانيهما: أنه بنفس قدر تواجد تلك السلطة، كان للروس دور إيجابي في تنمية تلك المنطقة، والواقع أن النظرة للروس كمستعمرين لتلك المنطقة، لم تجد لها سبيلاً لدى الخبراء والمعنيين بالشئون الروسية في إيران، وقد جرت في روسيا أبحاث مشابهة كان فحواها جدوى بعض دول المنطقة مثل طاجيكستان, هل يرسلون إليها جنود روس ليقاتلوا, أو يرسلون إليها مهندسين وخبراء لإنجاز الأعمال والتعمير؟ الشيء المؤكد أن روسيا قد حققت فوائد جمة من تلك المنطقة خلال القرون الثلاثة الماضية، وفي نفس الوقت أجبر الروس على توفير مجالات التنمية لهذه المنطقة، والتي أثمرت نشر التعليم، وتنمية المؤسسات العلمية والجامعات التي رفعت دول هذه المنطقة لمصاف العالم الثالث، أما عن الأحوال المعيشية لشعوب تلك المنطقة، فلم يكن في الإمكان أبدع مما كان. نقطة أخرى هامة وهي أن بعض النخبة من أهالي المنطقة كان يطالب باستمرارية الاتحاد السوفيتي والحيلولة دون انهياره وقيام دول مستقلة بدلاً منه، ومن بينهم عسكر أقايف، جرى هذا على الرغم من تشكيل جبهة مضادة كانت تقاوم جديًا للاستقلال عن الاتحاد السوفيتي، والتي مثلتها منطقة القوقاز، وفي مقابلها أذربيجان التي شهدت مقاومة ضد الروس خلال سنوات 1990 - 1991 وكانت استجابتها للانفصال بدرجة أقل قياسًا بأبحاث الحريات السياسية، لذا يجب أن تؤخذ كل تلك النظريات والتوجهات في الاعتبار من حيث الدراسة والتحليل.

آخر نقطة هي التقسيمات الجغرافية وقيام جمهوريات مستقلة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، فمثلاً قبل مائة عام، لم يكن لدينا دولة تعرف بطاجيكستان، على الرغم من قدم العهد بالقومية الطاجيكية الناطقة بلغة فارسية لا تقل عن فارسية إيران، كذلك لم يكن لدينا جمهورية تعرف باسم تركمانستان، وهدفي من إلقاء الضوء على هذه النقطة هو توضيح مدى الارتباط وعلاقة تلك الدول بروسيا، والتي تزيد بكثير عن ذاك الذي يمكن اعتباره انفصالاً طبيعيًا وذاتيًا عن جسد الاتحاد السوفيتي، وفي النهاية أود الحديث عن نقاط ثلاث تتعلق بالعنصر الروسي في علاقة إيران بتلك المنطقة:

أولاً: إن كلاً من إيران وروسيا تشكلان نقاط ارتكاز رئيسية ومتساوية في هذه المنطقة، كما أن هذه المنطقة الفاصلة بين إيران وروسيا العامل الرئيسي فيها هو الجغرافيا السياسية، وعلى الرغم من الاتفاقيات الموقعة لم تعد هذه المنطقة مجالاً روسيًا خالصًا، بل من الطبيعي تسميتها بالمنطقة الفاصلة بين البلدين.

ثانيًا: من الناحية الهيكلية، يمثل البلدان الموانئ الشمالية والجنوبية لهذه المنطقة، وعلى الرغم من ذلك، فالخلاف على أشده في العلاقات بين البلدين وشعوب المنطقة، وعلى الرغم من نقاط الاتفاق الموجودة في هذا الشأن، إلا أنه لا يجب إطلاقًا إغفال نقاط الاختلاف، والقضية التي تطرح على أرض الواقع حتى الآن في علاقة إيران وروسيا بتلك المنطقة، هي تبعية شعوب المنطقة لإيران في المحافل الدولية والمناسبات العالمية، خاصة علاقات إيران مع الغرب، التي

تحظى باهتمام زائد، وفي هذا الصدد تبرز قضية التسليح الإيراني، فعلى الرغم من تنمية العلاقات الإيرانية الأوربية، إلا أن أوروبا تتبنى الجانب الأمريكي بشأن تسليح إيران، لذا فإن الخيارات الإيرانية للتسليح محدودة، ويمكننا إجراء بحث وحوار في هذا الصدد، والاهتمام بهذه النقطة غاية في الأهمية، حيث تأتي العلاقات الإيرانية الروسية في مجال التسليح متزامنة مع العلاقات الروسية الأمريكية وقد كان موضوع التسليح الروسي لإيران مطروحًا على مائدة المفاوضات في لجنة "تشرنومردين جور" وختامًا أريد أن أشير إلى عدم الحاجة للأحاديث المفرطة للآمال والمفعمة بالخيال بعيدًا عن واقع العالم، بل إن الواقع أن هذه المنطقة متصلة اتصالاً وثيقًا بالأبعاد المختلفة للسياسة الخارجية الإيرانية والروسية.

د. أطهري: هل يضاف لهذا البحث أيضًا زيادة وزير الدفاع الروسي الأخيرة إلى إيران والمباحثات التي دارت خلالها؟

د. لطفيان: لا أريد الخوض في الحديث عن زيارة وزير الدفاع الروسي، وذلك ليقيني بأن ما نشرته وزارة الخارجية في هذا الصدد لا يتعدى التصريحات الرسمية، والدراسات ذات الحساسية لا تقوم على هذه التصريحات, لكنني أريد أن أطرح نقطة أخرى خاصة بلجنة "تشرنومردين جور" التي أشار إليها د. "سجادبور" هناك خطأ يقترفه الغرب في حق إيران بسبب موافقة روسيا على بيع تكنولوجيتها المتقدمة لإيران واستكمال المنطقة العسكرية في بوشهر.

والقلق السائد من الغرب، والذي أكدته الولايات المتحدة الأمريكية مرارًا وتكرارًا، بسبب تحول إيران بصفتها دولة مسلمة إلى دولة نووية، وإمكانية تحولها إلى دولة مهيمنة في المنطقة، لا يرجع إلى الخوف من تهديد الولايات المتحدة فقط، لكن يتخطاه إلى تحول إيران لدولة مصدرة للسلاح، وخاصة للدول المفروض عليها حظر تسليحي من الغرب، مثل سوريا، مما سينعكس على تغيير موازين القوى في المنطقة، خاصة إذا ما تمكنت إيران من إدخال تعديلات على التكنولوجيا الروسية وزيادة مدى الصواريخ التي لديها، ولا يقتصر القلق في هذا الشأن على الأمريكيين فقط، بل انتقل إلى الروس أيضًا، فهم لم يطلقوا أيدينا لسد احتياجاتنا من الأسلحة وتنويع مصادر السلاح، بل سعوا من خلال جميع الاتفاقيات، لوضع القيود على تطويرنا لأسلحتهم.

د. أطهري: ما هي الآثار المترتبة على زياردة وزير الدفاع الروسي الأخيرة لإيران؟ وهل وافقت روسيا لإيران على تنويع مصادر السلاح.

المهندس الشيخ العطار: سأبدأ من حيث انتهى د. "لطفيان" هذا الفرض محض خيال، ويتضح ذلك إذا ما قارنا التعاون العسكري الروسي مع كل من إيران والهند، فعلى الرغم من البعد الجغرافي للهند، وعلى الرغم من أن علاقاتها مع إيران أفضل بكثير من علاقة إيران بالغرب، إلا أن تعاونها العسكري مع روسيا يفوق التعاون العسكري الروسي مع إيران بعدة مراحل. لذا يمكننا القول: إن زيارة وزير الدفاع الروسي لإيران تأتي أكثر في صالح الإعلام الغربي عنها لإيران، حيث لم تشهد الزيارة توقيع أية اتفاقيات ولم تحتو على أية خصوصيات وقد تقرر، خلال الزيارة التي سيقوم بها السيد خاتمي لموسكو تمديد العمل بالاتفاقيات التي وقعها السيد "هاشمي رفسنجاني"، عند زيارته لروسيا في عهد "جورباتشوف" قبل عشر سنوات، وتلك أيضًا موضع بحث.

بناء على ما تقدم، فلا صحة إطلاقًا لما أشيع عن شراء إيران معدات عسكرية من روسيا بقيمة سبعة مليارات ونصف المليار من الدولارات خلال زيادة وزير الدفاع الروسي لإيران، أما فيما يتعلق بالمباحثات التي دارت خلال الزيارة، فأهم ما اشتملت عليه، والذي أبرزته وسائل الإعلام تأكيدات وزير الدفاع الروسي أن إيران ليست سوقًا للسلاح الروسي، وأن الزيارة توضح النظرة الروسية لإيران كبلد صديق واستراتيجي، ومن وجهة نظري، تمثل هذه النقطة أهم نتائج الزيارة.

د. أطهري: أعتقد أنه من الأجدى العودة إلى قضية الدول الأربع المهتمة بشئون المنطقة المحيطة, من رأيي أنه لن تثار مشكلة إذا ما خضعت المنافسة بين إيران وتركيا من ناحية، وروسيا وأمريكا من ناحية أخرى، لأسس وقواعد محكمة فمن المؤكد أن الخلاف بينهم قائم, ولكن في هذا الإطار لن يتحول إلى معارضة، وسيكون في إطار المجالات السياسية والاقتصادية لتلك المنطقة.

د. كولايي: لو أجرينا تحليلاً للتنافس بين الدول الأربع، على جانب من القضايا التي أشرنا إليها فيما يتعلق بالعلاقات الإيرانية الروسية في آسيا الوسطى، فمن الضروري رصد الأهداف التركية والأمريكية في تلك المنطقة, فعقب انهيار الاتحاد السوفيتي وقعت الجمهوريات المستقلة بين خيارين، أولهما: الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي يمكن أن تمثل نموذجًا جديدًا للتشيع، وثانيهما: الذي تقدمه تركيا، ونلاحظ أن هناك اختلافًا في تواجد الدولتين، وعلى الرغم من التعاون القائم بين دول المنطقة في إطار منظمة "إيكو" إلا أن هذا الاختلاف لا يقبل الإنكار، وأيضًا نتائج منظمة "الأيكو" توضح مدى جدية هذا الاختلاف في وجهات النظر، إن التطورات التي شهدتها المنطقة، وكما أشار المشاركون لم تكن عن رغبة دول المنطقة في الاستقلال، وأن ما حدث كان انعكاسًا لما شهدته روسيا من تطورات، لذا كان لزامًا على جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز تبوؤ مكانتهم الجديدة, وإقامة علاقات خاصة بهم, واختيار شركائهم التجاريين الجدد. ومن الطبيعي، في ظل هذه الظروف، أن تسعى إيران وروسيا وتركيا لنيل نصيبهم من هذا الاختيار، وفي هذا الإطار لا بد من مراعاة العامل الجغرافي، ومراعاة أن دول هذه المنطقة تشكل كتلة يابسة وليس لها حدود بحرية.

في عام 1992، وبعد انضمام دول المنطقة لمنظمة "الأيكو"، شكلت روسيا اتحادًا اقتصاديًا يسمى "اسلاف" بهدف ربط الدول الخمس المستقلة بها اقتصاديًا بعد فشلها في دخول منظمة "الأيكو" كعضو مراقب، وقد اعتبر أن قيام الاتحاد الاقتصادي "اسلاف" مؤشرًا لإزالة التهديدات التي صاحبت تنمية منظمة "الأيكو".

أما عن المنافسة التركية الإيرانية للتواجد في المنطقة، فهي تقوم على نموذجين: الأول ديني إيراني، والثاني علماني تركي، وتركيا تسعى لتثبيت نفوذها في المنطقة من منطلق تاريخي؛ دعمًا لارتباطها بالاتحاد الأوروبي، لذا طرحت تركيا بحث التوازن وتنمية الامبراطورية التاريخية التركية, لكن من المؤكد رفض هذه القضية لعدم اهتمامها بواقع المنطقة، وبالتالي عدم قبول فكرة الأخ التركي الأكبر أو الأخ الأكبر للمسلمين.

وباستثناء المنافسة بين إيران وتركيا في المنطقة، يجب الاهتمام بموقف روسيا وأمريكا باعتبارهما إطارًا مؤثرًا في العلاقات في المنطقة، أشرنا كثيرًا إلى نقاط الخلاف في وجهات النظر تجاه آسيا الوسطى والقوقاز، ومفهوم انفصال واستقلال الجمهوريات عن بعضها البعض في النصف الأول من عقد التسعينيات، هذه القضية في حاجة إلى إعادة النظر في النصف الثاني من نفس العقد، فلم ترغب روسيا ولا الجمهوريات في الاستقلال من الناحية الأمنية، يتضح ذلك من خلال الأحداث التي شهدتها جمهوريات: طاجيكستان، جورجيا مولدفيا والشيشان، كما يتضح من أن نظرة روسيا لتلك المنطقة تواجه برفض أمريكي قاطع، فالنظرة الأمنية الروسية لتلك الجمهوريات تواجه باستراتيجية أمريكية هي نفس استراتيجية السيطرة على فيدرالية روسيا، ولا شك أن هذا الوضع هو صحة جديدة لأفكار الحرب الباردة بين البلدين، لذا فقد وقعت العلاقات الإيرالنية التركية -على الرغم من النقاط التي أشرنا إليها- تحت تأثير التطورات في العلاقات الروسية الأمريكية فضلاً عن ذلك، وفيما يتعلق بالعلاقات الإيرانية الروسية أعتقد أننا لم نهتم بالدرجة الكافية بظروف وإمكانيات ممارسة السياسة الخارجية الإيرانية بين باقي الدول المعنية بشئون المنطقة، وبالتالي فإننا لم نراع نقل وعناصر العلاقات بين روسيا وإيران، لدرجة أن بعض أوجه العلاقات القائمة تتيح الفرصة لفيدرالية روسيا، وتحقيق أهداف هذه الفيدرالية تلك الأهداف طرحت تطورات العلاقات الروسية الأمريكية وتجعل من روسيا تابعًا لأمريكا بصورة أكثر جدية. بناء على هذا ، يجب الاهتمام بالتنافس القائم بين إيران وتركيا للتنمية في آسيا الوسطى والقوقاز، مع الوضع في الاعتبار النظرة الأمنية الروسية والطوق الأمني الذي تطالب به روسيا, ورفض التعريف الأمريكي للإطار الأمني الروسي في المنطقة نبذًا للتبعية ورفضًا لأي تدخل أمريكي بهدف حل القضايا الأخرى المتعلقة بهذا البحث.

د. أطهري: أشارت د. "كولايي" باستفاضة إلى مفهوم نموذج التنمية الإيراني والتركي، إن تركيا لديها عدة قضايا للانضمام للاتحاد الأوروبي منها على سبيل المثال، توفيق قوانينها حماية حقوق الإنسان الحريات, كذلك ما يطرحه رئيس تركيا من انعدام الحرية العقائدية كل هذه القضايا توضح إلى أي مدى تركيا بعيدة عن الديمقراطية.

ثانيًا: أؤكد أن شعوب تلك المنطقة ترفض النموذج التركي للتنمية وذلك يتضح من عدم اكتراث الأقليات القومية به، وأيضًا التيارات الإسلامية، قضية أخرى أريد أن ألقي الضوء علهيا، نعتقد أن روسيا مدركة للخطة الأمريكية للمنطقة، فهل حقًا ما زال الروس يفكرون على طريقة الحرب الباردة بنفس القدر؟ يعني هل ننتظر من روسيا أن تلعب الدور الذي لعبته ضد أمريكا في فترة الحرب الباردة؟ لماذا يحاط موضوع مشاركة إيران في حلف "الناتو" بهذا القدر من الحساسية على الرغم من أنه يضم في عضويته غالبية دول العالم؟

هناك قضية أخرى تتعلق بالتركيبة الأمنية في المنطقة، ألا وهي قضية إسرائيل -آسيا الوسطى- تركيا, وإمكانية الربط بين آسيا الوسطى وإسرائيل عن طريق الأردن وهذه القضية على درجة عالية من الأهمية، وأخيرًا هناك نقطة أطرحها للمناقشة هي قرار جمهورية أذربيجان بمنح "الناتو" قاعدة على أراضيها.

د. سجادبور: فيما يتعلق بتركيا وإيران، فالملاحظ أن المنافسة بين البلدين هي ذلك النوع الذي يريده الطرفان الآخران, فإيران لا تسعى في زيادة المنافسة حتى تسبق تركيا في هذا المضمار, وتجدر الإشارة إلى تصريحات المسئولين الإيرانيين في تلك الفترة أن كلاً من الحرب المفروضة والسلام المفروض ليسا بالأمر الحسن، كذلك الحال في المنافسة المفروضة.

النقطة الثانية في المنافسة بين إيران وتركيا هي أن كليهما واقع تحت تأثير الظروف الداخلية العامة فالقطاع الخاص في تركيا أكثر فاعلية وجدية منه في إيران، أما السواد الأعظم من التعاملات الاقتصادية في إيران فيخضع للحكومة، وهو الأمر الذي انتهى في تركيا فمعظم التعاملات الاقتصادية يسيطر عليها القطاع الخاص، الذي وفق أوضاعه بالارتباط بالشبكات الدولية، وفي اسطنبول هناك قاعدة للشركات الكبرى متعددة القوميات والنموذج لذلك هو بنك "مانهاتن" أريد أن أؤكد على أهمية القطاع الخاص والتخلص من سيطرة إدارة الحكومة على هذه العلاقات.

النقطة الثالثة فيما يتعلق بإيران وتركيا، وهي التناقض في السياسة التركية تجاه تلك المنطقة، فالفكر "الأتاتوركي" هو المسيطر على السياسة التركية الخارجية، وليس من شك أن الاختلاف قائم بين الثورية والأتاتوركية، وقضايا الممكن والمحدود هي التي تفسح الطريق لأوروبا إلى آسيا الوسطى، لذا فتركيا أيضًا ليست في وضع مناسب.

د. سجادبور: حقيقة أن الخلاف قائم، ولكن ليس على النحو القائم في الدوائر الساسية، وليس واردًا تهميش أي من البلدين لدور البلد الآخر، أما بخصوص الدور الأمريكي، والذي يحوز أهمية فائقة من وجهة نظري، فهو أن السياسة الأمريكية في المنطقة تقوم على منع مد خطوط أنابيب البترول عبر إيران بهدف منع تنمية العلاقات الإيرانية مع دول المنطقة، ومن هذا يتضح أن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران أيديولوجية، وهذه النقطة مهمة جدًا، والنقطة الثانية هي اتباع نفس السياسة ضد الروس وخاصة خلال الفترة التي مضت من حكم الرئيس بوش الذي تحتوي حكومته على مجموعة يكنون العداء لروسيا، ويتضح ذلك من خلال تاريخهم السياسي.

أما النقطة الثالثة فهي شركات البترول الأمريكية والضغط الذي تمارسه على الحكومة تحقيقًا لمصالحها المالية، وكانت آمالهم معقودة على بوش وحكومته ولكنهما خيبا آمالهم بأكاذيبهما، إننا الآن أمام عدة معادلات، هي: حكومة بوش الجديدة حديثة العهد بالحكم، وخاصة في مجال السياسة الخارجية. عدم الاهتمام بشئون السياسة الخارجية على كافة المستويات وبالتالي عدم الاهتمام بمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز، يتزامن ذلك مع معاداة الروس, وفي رأيي أن حل كل هذه المعادلات يكمن في البترول.

المهندس "الشيخ العطار": لا شك أن للروس في هذه المنطقة حضور تاريخي له أبعاده الحضارية والعسكرية والاقتصادية، وعلى الرغم من انهيار الاتحاد السوفيتي وأثره على روسيا ودول المنطقة إلا أن روسيا لا تعتبر أن هذه المنطقة من خلال سياستها الخارجية خارج تلك السياسة, بل يطلقون عليها مصطلح "خارج قريب" وينظرون إليها كونها منطقة نفوذ ومنطقة حيوية بالنسبة لهم, ويرغبون في استعادة مكانتهم في تلك المنطقة، وتؤكد تصريحات المسئولين الروس بأن الانسحاب الكامل من جورجيا كان قرارًا خاطئًا، ما زالت آثاره تنعكس على الوجود الروسي في المنطقة، وفي الجانب المقابل، كان التواجد الروسي في أرمينيا إيجابيًا، وساعد في دعم المكانة الروسية في تلك المنطقة, نجد التواجد الروسي في حلف شنغهاي، والذي يضم في عضويته -فضلاً عن روسيا- الصين, قازاقستان، قرغيزستان, طاجيكستان، ومن المتوقع أن يعمل على تعزيز التعاون العسكري والأمني، والرغبة الروسية تلك لا تأتي من منطلق تحقيق مكاسب أكبر، بل لتقليل الخسائر الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفيتي وقيام الجمهوريات المستقلة، ومن المؤكد الآن أن البواعث الروسية في تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة قد ازدادت بسبب قضايا طالبان والشيشان والخطر الذي يستشعرونه من الإسلاميين من جهة أخرى، وعلى الرغم من محاولات التقارب الروسية إلى الغرب، إلا أن النظرة الغربية لروسيا كانت أدنى بكثير مما توقعه الروس، ويرى الساسة الغربيون أنه لا بد من الحذر من روسيا؛ لأن استعادتها لمكانتها ستجعلها أكبر وأقوى مما كانت عليه في زمن الاتحاد السوفيتي، ومن هنا نجد أن دول منطقة آسيا الوسطى والقوقاز نفسها قد سلكت هذا المسلك، ويتضح ذلك من خلال سعي جورجيا, أذربيجان, مولديفيا وأوزبكستان لإقامة اتحاد أمني –اقتصادي- عسكري مع الغرب، ولهذا يطرح بحث توسيع الناتو في الشرق بصورة جدية.

كذلك نتج عن وضع روسيا في المنطقة أن سمحت تركيا لأربعة سباحين أمريكيين بالإبحار في بحر قزوين، وهذه سابقة هي الأولى من نوعها منذ توقيع اتفاقيات 1921، 1940 والتي أكدت على عدم السماح بتواجد قوات أجنبية من جانب الغرب في حق روسيا، قد يولد لديهم دوافع أقوى لاستعادة مكانتهم في المنطقة، وهذه السياسة واضحة منذ تولي بوتين مقاليد الحكم.

هناك دليل نسوقه على متانة العلاقات الروسية مع دول المنطقة وهو تركمانستان التي باعت الغاز التركماني لروسيا بسعر مناسب من خلال اتفاقيات طويلة الأجل بعد أن لهثت في أثره شركات البترول الغربية، مما دفع الشركات الإنجليزية التي كانت تسعى للحصول على اتفاقية الغاز إلى غلق مكتبها في عشق آباد معلنة عدم إمكانية اكتشاف آبار بترول جديدة في منطقة "آفشور" التركمانية في بحر قزوين. وبخصوص أذربيجان نجد الشعور بالارتياح يسود عقب زيارة بوتين لها وعدم الاعتراض الروسي على مرور خط أنابيب البترول من الأراضي الأذربيجانية، على الرغم من الضوضاء التي صاحبت خط أنابيب باكور -جيحون جاء الاتفاق على خط أنابيب بترول باكو- نوفروسك. في الواقع ارتباط هذه الدول بموسكو يؤكد أن الإلمام الكامل بدول آسيا الوسطى والقوقاز لا يأتي إلا من خلال المعرفة الكاملة بروسيا باعتبارها العامل الأساسي في هذه المنطقة. حتى أرمينيا التي تتمتع بلوبي قوي النفوذ في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أكثر دول الكومنولث حصولاً على المساعدات الأمريكية، فتتمتع بعلاقات طيبة للغاية مع موسكو، وعلى الرغم من أن الدعاية الأمريكية في صالح أذربيجان إلا أن المساعدات لصالح أرمينيا. أما بخصوص تركيا فالمسئولون الأتراك يدركون جيدًا أن التورانية، اللغة التركية، مجموعة الأتراك والذئب الرمادي ، ليست إلا شعارات لا تلقي صدى لدى شعوب تلك المنطقة؛ حيث اللغة التركية هناك غير مفهومة، والتعامل بين هذه الدول يأتي باللغة الروسية في المقام الأول، وذلك لعدم فهمهم لغات بعضهم البعض، إن هدف تركيا هو زيادة نفوذها في منطقة تعتبر منطقة حضارة إيرانية وقوة روسية، في الواقع أن سعي تركيا لزيادة نفوذها في هذه المنطقة يأتي كونهم مندوبين للغرب، أمريكا, الناتو وبمساعدة إسرائيل، وتنفيذ هذه المخططات يأتي من خلال مراكز قوى داخل تركيا وليس عن طريق الحكومة التركية، وهنا يلزم أن نصرح أن نفوذ تركيا في آسيا الوسطى والقوقاز لن يقوم على العلمانية، يتضح ذلك من خلال نشاط الإسلاميين الأتراك، سواء حزب الفضيلة أو من هم أكثر تشددًا منه، في تفعيل القطاع الخاص التركي، والذي يمثل العمود الفقري في العلاقة بين تركيا ودول آسيا الوسطى والقوقاز، لذا فإن النموذج العلماني التركي في تلك المنطقة يواجه فشلاً ذريعًا. أما من ناحية التورانية فقد ثبت أيضًا فشلها وتعارضها مع الأتاتوركية، فضلاً عن كونها تضعف من فرص تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي، ونستطيع أن نستدل على مكانة تركيا بين دول تلك المنطقة، من خلال عقد مقارنة بين التبادل التجاري التركي مع كل من روسيا ودول آسيا الوسطى والقوقاز، لنجد أن الكفة تميل لصالح روسيا عنها في دول آسيا الوسطى والقوقاز. وكذلك في مجال الاتفاقيات الموقعة بين تركيا وروسيا، فهي تفوق تلك الموقعة بين تركيا ودول آسيا الوسطى والقوقاز عددًا، مما يعني أن تركيا أكثر توفيقًا مع روسيا عنها مع الجمهوريات المستقلة، وقد يرجع السبب في ذلك إلى تردي الأوضاع الاقتصادية في تركيا وانعكاس ذلك على القطاع الخاص بها وعلاقاته التجارية مع دول المنطقة. كذلك توتر الأوضاع بين تركيا وأوزبكستان, والذي يتزامن مع تحسن ملموس في العلاقات الأزبكية - الأمريكية في حين أن العلاقات التركية والأمريكية مع أذربيجان طيبة للغاية ومرجع ذلك هو موضوع الطاقة، بصفة عامة ، فإن التواجد الأمريكي في المنطقة بهدف الحد من التواجد الروسي والإيراني بها, والهدف من توسيع حلف الناتو هو تحجيم روسيا, والآن يجب علينا أن نقرر كيفية بناء علاقاتنا مع هذه المنطقة؟ من المؤكد أنه لا يمكننا تجاهل روسيا، وفي نفس الوقت لا يجب أن نمنحها دورًا أكبر مما تستحق، وكذلك لا يجب أن نطل على المنطقة من النافذة الروسية، ولكن يجب أن نعمل على أن تكون "روسيا وحدها صاحبة الحضور مع إبداء أسباب توضح لروسيا أن مصالحها في المنطقة لن تتم إذا لم نتعاون مع إيران بصورة ما". وهذا التصور يمكن تطبيقه بدرجات متفاوتة، أعلاها في طاجيكستان وأدناها في أرمينيا، أما في باقي الدول فهناك مشاكل لازالت عالقة، وفيما يتعلق بتركيا فإن المشاكل بينها وبين إيران أكثر من أن يضاف إليها مشكلة التنافس على النفوذ بين البلدين في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، حتى لا تتأزم الأمور ويصبح الحل عسيرًا.

د. كولايي: أريد أن أشير إلى التغير في الأساليب التركية في التعاطي مع دول المنطقة، ففي عهد تورجوت أوزال، اتبعت الحكومة التركية منهجًا قوامه الثورية ولعبت دور الأخ الأكبر، وهو المنهج الذي رفضته دول المنطقة، كما رفضت منهج الأخ الروسي الأكبر، لذا تحولت الحكومة التركية إلى الميادين الاقتصادية، وكان دعمها للقطاع الخاص الذي تستحيل فعاليته دون الدعم الحكومي، وهذا الوضع تفتقر إليه السياسة الإيرانية؛ حيث لا تدعم الحكومة الإيرانية القطاع الخاص الإيراني في دول آسيا الوسطى والقوقاز، وهذا الأمر يوضح مدى إدراك الحكومة التركية لإيجابيات والتزامات المنطقة، وكذلك هناك نقطة هامة، ألا وهي المنافسة التركية -الروسية في المنطقة التي تقع تحت تأثير الميراث التاريخي والجغرافية- السياسية، وقد نتج عن هذه المنافسة تبادل الاتهامات بين الحكومتين حول أحداث الشيشان والقضايا التركية، وتنقلنا هذه النقطة لأن نبحثها من خلال العلاقات الروسية - الأمريكية وتطور هذه العلاقات، وعلاقة إيران وتركيا بكلتا الدولتين.

المهندس "الشيخ العطار": أريد أن أضيف نقطة أخرى بخصوص الدول المعنية بشئون المنطقة، وهي متعلقة بالدور الفرنسي الأخير، حيث اجتمع شيراك برئيس أرمينيا وأذربيجان بمباركة روسية أمريكية، وتوصلا معًا لنتائج طيبة فيما يتعلق بقرة باغ، والجدير بالذكر أن فرنسا قد لعبت دورًا مماثلاً في الفترة بين 1919 ، 1921 قبل استيلاء ستالين على أذربيجان, أرمينيا وجورجيا وأصبح لها نفوذًا إيجابيًا في المنطقة، لذا يجب إضافتها لمجموعة الدول المعنية بشئون جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز.

د. أطهري: الآن ما هي الأطر التي من خلالها يمكن لجمهورية إيران الإسلامية أن تبسط نفوذها في جمهوريات أسيا الوسطى والقوقاز؟ وما هي نقاط الضعف؟ وما هي المقترحات التي يمكن من خلالها طرح السياسة الخارجية؟ وما هي المجالات التي يجب أن تنفذ من خلالها؟ هل هي المجال السياسي والاقتصادي, التجاري الأمني أم العسكري؟

د. لطفيان: بخصوص المجالات، أعتقد أنه يمكننا إنجاز العديد من المهام من خلال المجالات الأمنية بمعناها الجامع، والتي تحتوي على أبعاد اقتصادية، اجتماعية, ثقافية، عسكرية ودفاعية، لكن هناك مجالات أخرى يمكن العمل من خلالها على المدى القصير، مثل حل القضايا المشتركة بين إيران ودول المنطقة، إحدى هذه المجالات هو مجال البيئة، فمن جملة الميراث الذي ورثته هذه الجمهوريات عن الاتحاد السوفيتي، التلوث البيئي، وتتجلى هذه القضية في تلوث بحيرة "آرال" وقد طرحت قيرغيرستان هذه القضية مؤخرًا, حيث دفن الاتحاد السوفيتي نفايات نووية وصناعية سامة في أماكن مختلفة في قرغيزستان دون علم الحكومة هناك، وقد جاء طرح قرغيزستان لهذه القضية في مؤتمرات عقدت مؤخرًا، وطالبوا دول المنطقة والمحافل الدولية بالمساعدة لحل هذه القضية، وأيضًا من مجالات التعون في مجال البيئة، والمراعي والبيئة الجبلية الخلابة لجذب السياح، وهناك مجال آخر أكثر حيوية، ألا وهو التعاون مع الجمهوريات في مجال المصادر المائية، والمثال على ذلك المباحثات الإيرانية - التركمانية لإقامة سد على نهر "شجن" ويمكننا تعميق فاعليتنا في تركمانستان في هذا الصدد, ومن مجالات التعاون الأخرى، التعاون لحل مشكلة أفغانستان، فعلى الرغم من فاعليات مجموعة 2 + 6 التي تكونت تحت رعاية المنظمة الدولية وبمساعدة روسيا وأمريكا إلا أنها لم تصل لحلول تلك المشكلة، وعلينا التعاون مع دول المنطقة لحل هذه المشكلة من جهة، ومن جهة أخرى الحيلولة دون أفغنة هذه الدول. وفي نفس الإطار، يمكننا لعب دور الوساطة بين أرمينيا وأذربيجان لحل مشكلة "قره باغ" وهي نفس الممارسة التي مارستها فرنسا وإن كانت وساطتنا غير مقبولة من الجانب الأذري، إلا أنها موضع ترحيب واستجابة من الجانب الأرميني. ومن مجالات التعاون على المدى القصير، مكافحة الإرهاب، وهي القضية التي تحظى باهتمام عالمي، وصحيح أن الدول الأربع، باستثناء تركمانستان، قد وقعت اتفاقًا أمنيًا يعني بالأمن الداخلي لكل دولة ولا يرقى إلى أمن المجموعة، إلا أننا يمكننا القيام بدور فعَّال في منع المتسللين من الوصول إلى الحدود، وخاصة المتشددين, والهجرة من الخارج وهي القضية المشتركة بين إيران وطاجيكستان، وتهريب المواد المخدرة عن طريق مجموعات إرهابية تسعى لتأمين موارد تمويل الإراهاب عن طريق تهريب المخدرات، وذلك بما لنا من خبرة سابقة في مجال مكافحة المخدرات والتصدي لمهربيها. لكن يبقى السؤال ما هي النتائج التي حققناها في آسيا الوسطى منذ عام 1991 حتى الآن؟ نحن نرى أن دولة مثل إسرائيل قد تمكنت من تحقيق نجاحات أكثر، على سبيل المثال تمكنت من تحقيق فعاليات اقتصادية في أوزبكستان جديرة بالاهتمام، وعلى الرغم من تناقص معدلات الاستثمار الإسرائيلي الآن، إلا أن سوق الواردات والحكومة تحمي التجار والمستثمرين الإسرائيليين, كذلك لا يمكن إغفال دور الغرب في هذه النجاحات، لقد دخلنا أسواق آسيا الوسطى والقوقاز في بدايات عقد التسعينيات، ولكن على الرغم من الفرص التي تتيحها هذه الأسواق إلا أننا لم نحسن استثمارها وعلينا الاعتراف بأن الجميع مقصرون في هذا المجال.

نقطة أخرى هامة، أشار إليها جميع المشاركين، ألا وهي قضية الطاقة وأهميتها في المنطقة، حيث يجب إجراء بحوث موسعة في مجال الحظر الأمريكي على الشركات الأجنبية التي تزيد استثماراتها في قطاع الطاقة في إيران، أو مد خطوط أنابيب لنقل بترول بحر قزوين من شمال إيران إلى جنوبها، والسؤال الآن هو: هل لدى إيران الإمكانيات لمد هذا الخط بالجهود الإيرانية الذاتية؟ أعتقد أنه إذا ما توافرت هذه البدائل وتم تنفيذها على أرض الواقع، سيكون ذلك بمثابة خط دولي يساعد دول المنطقة على نقل بترولهم إلى الخارج، وبذلك يتم إجهاض الخطر الأمريكي على إيران ووضع أمريكا أمام الأمر الواقع.

د. أطهري: هل يمكن طرح اقتراح إقامة منظمة للأمن والتعاون في آسيا الوسطى والقوقاز؟ يعني ما هي الموانع التي تقف أمام إيران ودول المنطقة لتحقيق هذه الفكرة؟

د. لطفيان: مع مراعاة الأطر التي تبحث فيها الجلسة فروسيا وأمريكا يشكلان المانع الرئيسي في هذا الصدد للأسباب الآتية:

أولاً : السياسة الأمريكية تقوم على فرض الهيمنة الكاملة والسيطرة لكن هذه السياسة باءت بالفشل.

ثانيًا: سياسة التحجيم التي أشارت إليها د. "كولايي"، والتي تهدف لتوسيع حلف الناتو في آسيا الوسطى والقوقاز لتأمين الدفاع عن هذه المنطقة على المدى البعيد، لكن هذه السياسة أيضًا ستفشل، ومرجع ذلك إلى استياء دافعي الضرائب الأمريكيين من تحمل كلفة حفظ الأمن في آسيا الوسطى والقوقاز، وقد يكون هناك أسباب أخرى ستضح فيما بعد.

في ظل هذه الظروف، نقترح إقامة نظام أمني جماعي برعاية الناتو أو الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المؤكد أن هناك نظمًا أمنية قائمة تحت رعاية دول الكومنولث، لكن قيام نظام أمني كامل ومستقل بين إيران ودول آسيا الوسطى والقوقاز بدون تدخل روسي أو أمريكي، أمر ليس مستبعدًا.

د. كولايي: فيما يتعلق بسبل تنمية التعاون والإمكانيات في المجالات الباقية بين إيران ودول المنطقة لتأمين المصالح القومية لإيران في تلك الجمهوريات، لا شك أن خبرتنا في هذه المجالات ستكون موضع استفادة بالغة، ومما لا شك فيه أيضًا أن المعطيات والنتائج في هذه الجمهوريات في التعامل مع دول من المنطقة أو من خارجها، قد اختلفت خلال السنوات الماضية نتيجة للتجارب التي مرت بها مؤخرًا، ولا يجب غض البصر عن الأوضاع الجغرافية لهذه المنطقة وتأثيرها على النماذج وتنميتها، ونسوق مثالاً على هذا الوضع في قزاقستان، حيث وقعت مع شركة أمريكية اتفاقية في عام 1992 أثمرت شركة "شورون" وهي من أنشط الشركات التي تعمل في مجال البترول، لكن بعد استخراج الخام، واجهتهم مشكلة صعوبة نقله مع محدودية النقل عبر خط الأنابيب الروسي، وحيث إن سعر المنتج النهائي يجب أن يكون ذا قدرة تنافسية في الأسواق العالمية، لذا وقعت المنافسة في تلك الجمهوريات تحت تأثير الوضع الجغرافي.

كذلك الوضع في أذربيجان، التي وقَّعت اتفاقية "بترول باكو" عام 1994، إلا أن البحث ما زال جاريًا حول خط سير خطوط أنابيب نقل هذا البترول، ومرجع ذلك للأوضاع السياسية للمنطقة والتي يرجع بعضها للرؤى الروسية، حيث تسعى هذه الدول لاستمرارية دورها داخل تلك الجمهوريات كما كانت عليه الأوضاع قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، ويرجع بعضها الآخر إلى العلاقات مع الجمهوريات الأخرى، ومع الوضع في الاعتبار موقع إيران كأفضل السبل لمد خطوط الأنابيب التي تخدم هذه الجمهوريات، وخاصة أذربيجان، يتضح مدى تأثر استراتيجية الاحتواء الأمريكي ضد إيران في إضاعة الفرص من تلك الجمهوريات، والإخلال بمصالحها في الأسواق العالمية.

وفي الواقع فإنه يجب الاهتمام بتطورات العلاقات الأمريكية الإيرانية، والدور الأمريكي في المنطقة والفرص الضائعة من جراء فرض هذا النوع من العلاقات والتطورات الناجمة عنها، حتى تصل مصادر الطاقة لهذه الجمهوريات إلى الأسواق العالمية. يجب وضع آسيا الوسطى والقوقاز ومنطقة بحر قزوين وأوراسيا في إطار السياسة الخارجية العليا لإيران، ولا يغيب عن بالنا، أن السياسة الخارجية هي استمرار للسياسة الداخلية واضعين في الاعتبار أن الميراث التاريخي والثقافي في هذه المنطقة يزيد من فرص تواجد النفوذ الإيراني بها، ولا شك أن النظام الاقتصادي والصناعي في فترة الاتحاد السوفيتي قد أتاح الفرص لإيران بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في سد العجز في احتياجات دول آسيا الوسطى والقوقاز من الصناعات الاستهلاكية، ومن ثم الولوج إلى أسواق تلك المنطقة بصورة طبيعية وتنمية التعاون التجاري والاقتصادي معها. لكن مع بالغ الأسف، لم تتم الاستفادة من هذه الفرص، بسبب عدم خبرة كافة الأجهزة ذات الشأن في هذا المجال، ونفوذ وسيطرة الحكومة على قطاع التجارة وعوامل أخرى متعددة لا يتسع المجال لإحصائها، ومن وجهة نظري أن إدراك هذه المعطيات سيفتح أسواق دول آسيا الوسطى والقوقاز على مصراعيه لتنمية العلاقات التجارية والاقتصادية مع هذه الجمهوريات. وعلى صعيد المجالات الاجتماعية سيطر على السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية شعار "لا شرق ولا غرب" لكن الآن بات على رأس الأولويات تنمية العلاقات مع الغرب، لسد الفجوة الشاسعة في التكنولوجيا بين الاتحاد السوفيتي والغرب، وهو نفس النهج الذي اتبعته جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز في سعيها إلى الغرب، ومن هنا تبرز مكانة جمهوريات إيران الإسلامية بالنسبة لهذه المنطقة, ومن المؤكد أن الحرب الداخلية في طاجيكستان (الجمهورية الوحيدة التي سمحت بقيام حزب إسلامي ومشاركته في الحياة السياسية) أوجدت نوعًا من الإحساس بعدم الأمن تجاه جمهورية إيران الإسلامية والإسلام السياسي.

أعتقد أن التطورات التي شهدتها السياسة الخارجية الإيرانية في السنوات الأخيرة، والتأكيد على تقوية العلاقات التجارية الاقتصادية والثقافية الكفيلة بإزاء هذه الكبوة لدى دول آسيا الوسطى والقوقاز, والمتمثلة في أن الخطر الإسلامي في المنطقة مرتبط بالتفعيل الإيراني أعتقد أن الفرص سانحة اليوم أمام جمهورية إيران الإسلامية لتغيير هذه الفكرة مع مراعاة ما تقوم به طالبان والتهديدات الأمنية الناتجة عن فاعلياتها والمجموعة الؤيدة لها في تلك الجمهوريات, وأيضًا مع مراعاة الدور الإيراني لإقرار السلام في طاجيكستان، كذلك يمكن لإيران الاستفادة مما تقدم في العلاقات مع روسيا للتحرك تجاه نظام متعدد الأقطاب ومجابهة الرغبات والسياسات الأمريكية في المنطقة.

يجب الاهتمام بكافة المضامين التي تصلح من شأن السياسات الإيرانية المعمول بها والتي من بينها السعي لتوفير الخبرة لدى الأجهزة الإيرانية المعنية بشئون المنطقة والإلمام بالبيئة نظرًا لأهميتها، وخير مثال على ذلك نجاح إسرائيل في تلبية حاجات تلك الجمهوريات في مجال الزراعة، في بيئة تندر فيها المياه، حيث تعاني دول المنطقة من قلة المياه، هكذا نلاحظ أن نجاح المعنيين بشئون المنطقة منوط بالمعرفة الصحيحة لدول المنطقة، ونخلص من ذلك إلى وجوب دراسة المنطقة دراسة مستفيضة واستخلاص عناصر علاقاتنا بها وتحليل هذه العناصر تحليلاً وافيًا؛ حتى لا يتعارض تواجدنا في المنطقة مع الإلمام بها, والاستفادة من تلك النتائج أفضل استفادة حتى نلقنها للخبراء والمتعاملين مع هذه المجتمعات، كذلك يجب الإقرار بعدم إمكانية فصل الاهتمام بالسياسة الخارجية عن الاهتمام بالسياسة الداخلية.

د. أطهري: هل تعتقدون بإمكانية ترجيح الشمال عن الجنوب، إذ ما أردنا إقامة علاقات مع هذه الدول؟ وهل يمكن التحالف مع هذه الدول؟

د. كولايي: في تصوري أن الواقع والظروف الجغرافية السياسية لجمهورية إيران الإسلامية قد أتاحت إمكانيات يمكننا الاستفادة منها في هذا الخصوص، وهو الأمر الذي لا يتوافر لكافة المعنيين بشئون المنطقة، ولكن الاستفادة من هذه الإمكانيات يجب أولاً تحديدها ورصدها، وعندئذٍ لن يكون الدور الذي نلعبه في المنطقة قاصرًا على المجال الأمني، والمثال على ذلك التواجد الفرنسي الفعال في قره باغ وأثر اللوبي الأرميني في فرنسا على هذا المجال.

د. سجادبور: إن ما أشارت إليه د. "كولايي" يطرح ثلاثة محاور: أولها مجال المواصلات والعلاقات التي يمكن أن نقوم من خلالها في النواحي الجغرافية والإمكانيات التي توفرها، وهذا المجال تنفرد به إيران عن غيرها من بين الدول المعنية بشئون تلك المنطقة، ثانيها: مسألة الطاقة ثالثها: ثقافة تلك المنطقة والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحضارة والثقافة الإيرانية، ويمكن لإيران الاستفادة من تلك المحاور خاصة في المحور الأول، ويمثل المحور الثاني أكبر الميادين التي يمكن لإيران أن تبسط نفوذها من خلاله في المنطقة. أما فيما يتعلق بالمعوقات التي يمكن أن تعوق السياسة الإيرانية على المحاور الثلاثة، فمن وجهة نظري أنها معدومة، وقد حققت إيران نجاحات حقيقية على هذه المحاور الثلاثة، إلا أن الحديث عنها قليل للغاية، سواء على الصعيد الداخلي أو الصعيد الخارجي، وهذه النقطة بالذات موضع اهتمام المتخصصين من الخارج الذين يهتمون بشئون هذه المنطقة، سواء كانوا أوربيين أو غير أوربيين، وأنا أرى أن وسائل الإعلام هي نقطة ضعف إيران، ومن المؤكد أن إيران من الناحية الإدارية قد تمركزت في منطقة بكر، فإذا ما قارنا بين وضع إيران في لبنان سواء قبل الثورة أو بعد الثورة، والذي يحتوي على عشرات الجماعات والمنظمات الإيرانية، ووضع إيران في تلك الجمهوريات الحديثة النشأة، لأدركنا إلى أي مدى حققت إيران نجاحًا في تلك الجمهوريات على أية حال من وجهة نظري أننا لم نعالج تحركاتنا إعلاميًا بالقدر الكافي.

نقطة ثانية: من وجهة نظري أيضًا, وهي افتقار إيران للتوازن في الاهتمام بالأشياء، وهذه عادة ثقافية لدى الإيرانيين، فهم يقبلون على الشيء إذا استحسنوه، وبعد فترة يفتر هذا الإقبال ويخبو لقد زاد الاهتمام بمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، واليوم يتجه اهتمام إيران إلى العرب وأوروبا ولا يعني هذا أننا أسقطنا من حساباتنا الاهتمام بآسيا الوسطى والقوقاز، ولكننا في حاجة إلى اهتمام متوازن، وهذه النقطة أيضًا تعد من نقاط الضعف في الرؤية الخاصة بالسياسة الخارجية. وفي النهاية فإن نقطة الضعف الرئيسية في السياسة الخارجية لإيران هي افتقارها للتنسيق الكامل, للتدليل على ذلك يمكننا طرح مجموعة الأسئلة على النحو التالي: كم سيمنار عقد في الجامعات لمناقشة هذه القضايا خلال السنوات العشر التي مرت على انهيار الاتحاد السوفيتي، وكم كتاب ومقالة كتبت عن آسيا الوسطى والقوقاز؟ الإجابة هي أن تناول الموضوعات الرسمية لا يكون إلا عن طريق العاملين في السياسة الخارجية، وهم أفراد معدودون ، وعدد محدود منهم هم المهتمون بهذه القضية، وهذا يوضح غياب التنسيق بين القطاع الخاص والحكومة وبين القطاع التنفيذي والقطاع الفكري، من المؤكد أن هناك مقالات مهمة كتبت، وترجمات أهم ترجمت، ولكن كم عدد المستفيدين منها؟ كل ذلك يوضح أن أحد نقاط الضعف في إيران هو الغياب النسبي للتنسيق في السياسة الخارجية بخصوص الاقتراحات أعتقد أنه يجب أن يكون لدينا مفهوم إيجابي وخلاق، يجب دراسة المنطقة دراسة وافية؛ لأن آسيا الوسطى تختلف عن القوقاز، وبعد الدراسة الوافية، نعقد جلسات للتحليل الدقيق وترتيب الأولويات والخروج بمفهوم إيجابي وخلاق، مثلاً منظمة التعاون الأمني فكرة يجب بحثها جيدًا، تلك الفكرة يمكن أن تكون جزءًا من المفاهيم, وجهة نظري هي أننا نحتاج إلى مفهوم إيجابي وخلاق بالنسبة لهذه المنطقة.

الاقتراح الثاني: مسألة القطبية, من وجهة نظري, تمثل "مشهد قطبًا طبيعيًا لمنطقة آسيا الوسطى" والتي يمكن من خلالها الطيران إلى "بيشكك" في الوقت الذي لا يمكن فيه ذلك من طهران، وأيضًا يمكن من مشهد الطيران إلى "دوشنبه" وطاجيكستان هذا القطب الطبيعي يمكن عن طريق قرارات أكثر دقة تحويله إلى قطب سياسي وهذه القطبية لا تتوافر في القوقاز ولا تبرز الاقتراح الذي أتبناه في النهاية هو البحث والحور أكثر بخصوص آسيا الوسطى.

د. أطهري: وماذا عن الأولوية بين الشمال والجنوب.

د. سجادبور: إنني أنظر لهذه القطبية نظرة متوازية، فلا نقدر على إهمال العالم العربي ولا يمكن الانسحاب من ملعب الشمال، ولذا ستكون الأولوية للموضوعية، مثلاً قضيتنا في الجنوب هي إشاعة جو من الثقة، ومع الشمال هي مرور خطوط أنابيب نقل البترول عبر إيران.

المهندس الشيخ العطار: الجهل وعدم الإدراك الكافي هما السبب في الفشل، وأنا أؤيد وجهة نظر د. "سجادبور" بالكامل، حيث من المحتم أن نحقق نجاحًا في تلك المنطقة, والسبب في قلة هذه النجاحات يرجع إلى أننا نحارب أنفسنا، فمثلاً لو حققت وزارة الخارجية نجاحًا، تقلل من شأنه وزارة الخارجية وتحقره وتظهره على أنه فشل ذريع، إن قراءتنا للأحداث فردية, وهناك تداخل في عمل الهيئات والوزارات ومن المحتمل أن أسهب في هذا المجال نظرًا لأنني عملت في تلك المنطقة لفترات طويلة، ولذا أؤكد على ضرورة الإلمام الكامل بالمنطقة, ولتحقيق ذلك يجب توظيف أفراد على علاقة وصلة بالمنطقة ومتخصصين فيها، وهذا ليس بالأمر الصعب؛ لأن هذه المنطقة امتداد طبيعي لحضارتنا ويوجد بها العديد من المؤيدين، وعدم توظيف مثل هؤلاء الأفراد يعد إحدى نقاط ضعفنا، يجب أن يلم العاملون لدينا إلمامًا كاملاً بالمنطقة فمن النادر إيفاد إرسال وزارة الخارجية لبعثات إلى هذه المنطقة لإرجاء بحوث متعمقة، حتى على مستوى الجامعات، لا يحدث أن يحصل الطلبة على التشجيع الكافي لإجراء بحوث حول هذه المنطقة.

إن تقييمنا لأهمية المنطقة يتضح من خلال الأفراد المعنيين من جانب إيران, في تلك المنطقة نقطة أخرى يجب طرحها وهي العلاقات الشخصية، فللسيد محمد خاتمي، وكذلك السيد هاشمي رفسنجاني، علاقات شخصية واتصالات مع قادة المنطقة وزعمائها، وهناك تبادل للزيارات والاتصالات بين الطرفين، لكن للأسف قل الاهتمام بهذه المنطقة، إن عنصر العلاقات الشخصية يعد من أهم عناصر نجاح السياسة الخارجية، والذي بسببه فشلت تركيا في هذه المنطقة بعد وفاة تورجوت أوزال. يمكننا إقرار علاقات في مختلف الميادين، السياسية، الاقتصادية، والثقافية، لكن شريطة ألا تقر من جانب شخصية حكومية، يجب أن تكون العلاقات بين إيران وتلك الجمهوريات على المستوى الشعبي.

إن الأولوية في العلاقات -من حيث بناء الثقة- اقتصادية ثم ثقافية ثم سياسية ثم أمنية، وفي المجال الثقافي يجب أن تقوم العلاقات بين الشعوب بمعنى أن تكون ثقافة شعبية بعيدًا عن الحكومة، ولا تقتصر على النواحي الدينية، أما فيما يتعلق بالعلاقات السياسية فقد أثبتت التجارب نجاح السياسة الإيرانية في القضايا متعددة الأطراف، مثل القضية الأفغانية، أما على صعيد العلاقات الأمنية مثل قضايا الإرهاب والمواد المخدرة التي أشارت إليها د. "لطفيان"، فيمكن أن تكون بداية جيدة لمضمار العلاقات الأمنية، ويجب أن لا نتقوقع، وألا نخشى تهديدات مسئولي الأحزاب في تلك البلدان، خاصة أذربيجان، وفي نهاية عرضي أود أن أوضح الاهتمام المتزايد من جانب روسيا بتلك الجمهوريات والواضح من خلال سياسة "فلاديمير بوتين" بعد أن سخر منهم "بوريس يلتسين" بالأمس أن أكبر المشاكل التي كانت تواجه الروس في تلك المنطقة هي جمهورية أذربيجان، وأخيرًا لا أنسى أن أشير إلى أن روسيا تطلق على هذه المنطقة في سياستها الخارجية مصطلح "خارج قريب" وتوليها اهتمامًا كبيرًا.

ont-family: ''Traditional Arabic''; mso-bidi-language: AR-EG">"الأيكو" كعضو مراقب، وقد اعتبر أن قيام الاتحاد الاقتصادي "اسلاف" مؤشرًا لإزالة التهديدات التي صاحبت تنمية منظمة "الأيكو".

أما عن المنافسة التركية الإيرانية للتواجد في المنطقة، فهي تقوم على نموذجين: الأول ديني إيراني، والثاني علماني تركي، وتركيا تسعى لتثبيت نفوذها في المنطقة من منطلق تاريخي؛ دعمًا لارتباطها بالاتحاد الأوروبي، لذا طرحت تركيا بحث التوازن وتنمية الامبراطورية التاريخية التركية, لكن من المؤكد رفض هذه القضية لعدم اهتمامها بواقع المنطقة، وبالتالي عدم قبول فكرة الأخ التركي الأكبر أو الأخ الأكبر للمسلمين.

وباستثناء المنافسة بين إيران وتركيا في المنطقة، يجب الاهتمام بموقف روسيا وأمريكا باعتبارهما إطارًا مؤثرًا في العلاقات في المنطقة، أشرنا كثيرًا إلى نقاط الخلاف في وجهات النظر تجاه آسيا الوسطى والقوقاز، ومفهوم انفصال واستقلال الجمهوريات عن بعضها البعض في النصف الأول من عقد التسعينيات، هذه القضية في حاجة إلى إعادة النظر في النصف الثاني من نفس العقد، فلم ترغب روسيا ولا الجمهوريات في الاستقلال من الناحية الأمنية، يتضح ذلك من خلال الأحداث التي شهدتها جمهوريات: طاجيكستان، جورجيا مولدفيا والشيشان، كما يتضح من أن نظرة روسيا لتلك المنطقة تواجه برفض أمريكي قاطع، فالنظرة الأمنية الروسية لتلك الجمهوريات تواجه باستراتيجية أمريكية هي نفس استراتيجية السيطرة على فيدرالية روسيا، ولا شك أن هذا الوضع هو صحة جديدة لأفكار الحرب الباردة بين البلدين، لذا فقد وقعت العلاقات الإيرالنية التركية -على الرغم من النقاط التي أشرنا إليها- تحت تأثير التطورات في العلاقات الروسية الأمريكية فضلاً عن ذلك، وفيما يتعلق بالعلاقات الإيرانية الروسية أعتقد أننا لم نهتم بالدرجة الكافية بظروف وإمكانيات ممارسة السياسة الخارجية الإيرانية بين باقي الدول المعنية بشئون المنطقة، وبالتالي فإننا لم نراع نقل وعناصر العلاقات بين روسيا وإيران، لدرجة أن بعض أوجه العلاقات القائمة تتيح الفرصة لفيدرالية روسيا، وتحقيق أهداف هذه الفيدرالية تلك الأهداف طرحت تطورات العلاقات الروسية الأمريكية وتجعل من روسيا تابعًا لأمريكا بصورة أكثر جدية. بناء على هذا ، يجب الاهتمام بالتنافس القائم بين إيران وتركيا للتنمية في آسيا الوسطى والقوقاز، مع الوضع في الاعتبار النظرة الأمنية الروسية والطوق الأمني الذي تطالب به روسيا, ورفض التعريف الأمريكي للإطار الأمني الروسي في المنطقة نبذًا للتبعية ورفضًا لأي تدخل أمريكي بهدف حل القضايا الأخرى المتعلقة بهذا البحث.

د. أطهري: أشارت د. "كولايي" باستفاضة إلى مفهوم نموذج التنمية الإيراني والتركي، إن تركيا لديها عدة قضايا للانضمام للاتحاد الأوروبي منها على سبيل المثال، توفيق قوانينها حماية حقوق الإنسان الحريات, كذلك ما يطرحه رئيس تركيا من انعدام الحرية العقائدية كل هذه القضايا توضح إلى أي مدى تركيا بعيدة عن الديمقراطية.

ثانيًا: أؤكد أن شعوب تلك المنطقة ترفض النموذج التركي للتنمية وذلك يتضح من عدم اكتراث الأقليات القومية به، وأيضًا التيارات الإسلامية، قضية أخرى أريد أن ألقي الضوء علهيا، نعتقد أن روسيا مدركة للخطة الأمريكية للمنطقة، فهل حقًا ما زال الروس يفكرون على طريقة الحرب الباردة بنفس القدر؟ يعني هل ننتظر من روسيا أن تلعب الدور الذي لعبته ضد أمريكا في فترة الحرب الباردة؟ لماذا يحاط موضوع مشاركة إيران في حلف "الناتو" بهذا القدر من الحساسية على الرغم من أنه يضم في عضويته غالبية دول العالم؟

هناك قضية أخرى تتعلق بالتركيبة الأمنية في المنطقة، ألا وهي قضية إسرائيل -آسيا الوسطى- تركيا, وإمكانية الربط بين آسيا الوسطى وإسرائيل عن طريق الأردن وهذه القضية على درجة عالية من الأهمية، وأخيرًا هناك نقطة أطرحها للمناقشة هي قرار جمهورية أذربيجان بمنح "الناتو" قاعدة على أراضيها.

د. سجادبور: فيما يتعلق بتركيا وإيران، فالملاحظ أن المنافسة بين البلدين هي ذلك النوع الذي يريده الطرفان الآخران, فإيران لا تسعى في زيادة المنافسة حتى تسبق تركيا في هذا المضمار, وتجدر الإشارة إلى تصريحات المسئولين الإيرانيين في تلك الفترة أن كلاً من الحرب المفروضة والسلام المفروض ليسا بالأمر الحسن، كذلك الحال في المنافسة المفروضة.

النقطة الثانية في المنافسة بين إيران وتركيا هي أن كليهما واقع تحت تأثير الظروف الداخلية العامة فالقطاع الخاص في تركيا أكثر فاعلية وجدية منه في إيران، أما السواد الأعظم من التعاملات الاقتصادية في إيران فيخضع للحكومة، وهو الأمر الذي انتهى في تركيا فمعظم التعاملات الاقتصادية يسيطر عليها القطاع الخاص، الذي وفق أوضاعه بالارتباط بالشبكات الدولية، وفي اسطنبول هناك قاعدة للشركات الكبرى متعددة القوميات والنموذج لذلك هو بنك "مانهاتن" أريد أن أؤكد على أهمية القطاع الخاص والتخلص من سيطرة إدارة الحكومة على هذه العلاقات.

النقطة الثالثة فيما يتعلق بإيران وتركيا، وهي التناقض في السياسة التركية تجاه تلك المنطقة، فالفكر "الأتاتوركي" هو المسيطر على السياسة التركية الخارجية، وليس من شك أن الاختلاف قائم بين الثورية والأتاتوركية، وقضايا الممكن والمحدود هي التي تفسح الطريق لأوروبا إلى آسيا الوسطى، لذا فتركيا أيضًا ليست في وضع مناسب.

د. سجادبور: حقيقة أن الخلاف قائم، ولكن ليس على النحو القائم في الدوائر الساسية، وليس واردًا تهميش أي من البلدين لدور البلد الآخر، أما بخصوص الدور الأمريكي، والذي يحوز أهمية فائقة من وجهة نظري، فهو أن السياسة الأمريكية في المنطقة تقوم على منع مد خطوط أنابيب البترول عبر إيران بهدف منع تنمية العلاقات الإيرانية مع دول المنطقة، ومن هذا يتضح أن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران أيديولوجية، وهذه النقطة مهمة جدًا، والنقطة الثانية هي اتباع نفس السياسة ضد الروس وخاصة خلال الفترة التي مضت من حكم الرئيس بوش الذي تحتوي حكومته على مجموعة يكنون العداء لروسيا، ويتضح ذلك من خلال تاريخهم السياسي.

أما النقطة الثالثة فهي شركات البترول الأمريكية والضغط الذي تمارسه على الحكومة تحقيقًا لمصالحها المالية، وكانت آمالهم معقودة على بوش وحكومته ولكنهما خيبا آمالهم بأكاذيبهما، إننا الآن أمام عدة معادلات، هي: حكومة بوش الجديدة حديثة العهد بالحكم، وخاصة في مجال السياسة الخارجية. عدم الاهتمام بشئون السياسة الخارجية على كافة المستويات وبالتالي عدم الاهتمام بمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز، يتزامن ذلك مع معاداة الروس, وفي رأيي أن حل كل هذه المعادلات يكمن في البترول.

المهندس "الشيخ العطار": لا شك أن للروس في هذه المنطقة حضور تاريخي له أبعاده الحضارية والعسكرية والاقتصادية، وعلى الرغم من انهيار الاتحاد السوفيتي وأثره على روسيا ودول المنطقة إلا أن روسيا لا تعتبر أن هذه المنطقة من خلال سياستها الخارجية خارج تلك السياسة, بل يطلقون عليها مصطلح "خارج قريب" وينظرون إليها كونها منطقة نفوذ ومنطقة حيوية بالنسبة لهم, ويرغبون في استعادة مكانتهم في تلك المنطقة، وتؤكد تصريحات المسئولين الروس بأن الانسحاب الكامل من جورجيا كان قرارًا خاطئًا، ما زالت آثاره تنعكس على الوجود الروسي في المنطقة، وفي الجانب المقابل، كان التواجد الروسي في أرمينيا إيجابيًا، وساعد في دعم المكانة الروسية في تلك المنطقة, نجد التواجد الروسي في حلف شنغهاي، والذي يضم في عضويته -فضلاً عن روسيا- الصين, قازاقستان، قرغيزستان, طاجيكستان، ومن المتوقع أن يعمل على تعزيز التعاون العسكري والأمني، والرغبة الروسية تلك لا تأتي من منطلق تحقيق مكاسب أكبر، بل لتقليل الخسائر الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفيتي وقيام الجمهوريات المستقلة، ومن المؤكد الآن أن البواعث الروسية في تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة قد ازدادت بسبب قضايا طالبان والشيشان والخطر الذي يستشعرونه من الإسلاميين من جهة أخرى، وعلى الرغم من محاولات التقارب الروسية إلى الغرب، إلا أن النظرة الغربية لروسيا كانت أدنى بكثير مما توقعه الروس، ويرى الساسة الغربيون أنه لا بد من الحذر من روسيا؛ لأن استعادتها لمكانتها ستجعلها أكبر وأقوى مما كانت عليه في زمن الاتحاد السوفيتي، ومن هنا نجد أن دول منطقة آسيا الوسطى والقوقاز نفسها قد سلكت هذا المسلك، ويتضح ذلك من خلال سعي جورجيا, أذربيجان, مولديفيا وأوزبكستان لإقامة اتحاد أمني –اقتصادي- عسكري مع الغرب، ولهذا يطرح بحث توسيع الناتو في الشرق بصورة جدية.

كذلك نتج عن وضع روسيا في المنطقة أن سمحت تركيا لأربعة سباحين أمريكيين بالإبحار في بحر قزوين، وهذه سابقة هي الأولى من نوعها منذ توقيع اتفاقيات 1921، 1940 والتي أكدت على عدم السماح بتواجد قوات أجنبية من جانب الغرب في حق روسيا، قد يولد لديهم دوافع أقوى لاستعادة مكانتهم في المنطقة، وهذه السياسة واضحة منذ تولي بوتين مقاليد الحكم.

هناك دليل نسوقه على متانة العلاقات الروسية مع دول المنطقة وهو تركمانستان التي باعت الغاز التركماني لروسيا بسعر مناسب من خلال اتفاقيات طويلة الأجل بعد أن لهثت في أثره شركات البترول الغربية، مما دفع الشركات الإنجليزية التي كانت تسعى للحصول على اتفاقية الغاز إلى غلق مكتبها في عشق آباد معلنة عدم إمكانية اكتشاف آبار بترول جديدة في منطقة "آفشور" التركمانية في بحر قزوين. وبخصوص أذربيجان نجد الشعور بالارتياح يسود عقب زيارة بوتين لها وعدم الاعتراض الروسي على مرور خط أنابيب البترول من الأراضي الأذربيجانية، على الرغم من الضوضاء التي صاحبت خط أنابيب باكور -جيحون جاء الاتفاق على خط أنابيب بترول باكو- نوفروسك. في الواقع ارتباط هذه الدول بموسكو يؤكد أن الإلمام الكامل بدول آسيا الوسطى والقوقاز لا يأتي إلا من خلال المعرفة الكاملة بروسيا باعتبارها العامل الأساسي في هذه المنطقة. حتى أرمينيا التي تتمتع بلوبي قوي النفوذ في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أكثر دول الكومنولث حصولاً على المساعدات الأمريكية، فتتمتع بعلاقات طيبة للغاية مع موسكو، وعلى الرغم من أن الدعاية الأمريكية في صالح أذربيجان إلا أن المساعدات لصالح أرمينيا. أما بخصوص تركيا فالمسئولون الأتراك يدركون جيدًا أن التورانية، اللغة التركية، مجموعة الأتراك والذئب الرمادي ، ليست إلا شعارات لا تلقي صدى لدى شعوب تلك المنطقة؛ حيث اللغة التركية هناك غير مفهومة، والتعامل بين هذه الدول يأتي باللغة الروسية في المقام الأول، وذلك لعدم فهمهم لغات بعضهم البعض، إن هدف تركيا هو زيادة نفوذها في منطقة تعتبر منطقة حضارة إيرانية وقوة روسية، في الواقع أن سعي تركيا لزيادة نفوذها في هذه المنطقة يأتي كونهم مندوبين للغرب، أمريكا, الناتو وبمساعدة إسرائيل، وتنفيذ هذه المخططات يأتي من خلال مراكز قوى داخل تركيا وليس عن طريق الحكومة التركية، وهنا يلزم أن نصرح أن نفوذ تركيا في آسيا الوسطى والقوقاز لن يقوم على العلمانية، يتضح ذلك من خلال نشاط الإسلاميين الأتراك، سواء حزب الفضيلة أو من هم أكثر تشددًا منه، في تفعيل القطاع الخاص التركي، والذي يمثل العمود الفقري في العلاقة بين تركيا ودول آسيا الوسطى والقوقاز، لذا فإن النموذج العلماني التركي في تلك المنطقة يواجه فشلاً ذريعًا. أما من ناحية التورانية فقد ثبت أيضًا فشلها وتعارضها مع الأتاتوركية، فضلاً عن كونها تضعف من فرص تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي، ونستطيع أن نستدل على مكانة تركيا بين دول تلك المنطقة، من خلال عقد مقارنة بين التبادل التجاري التركي مع كل من روسيا ودول آسيا الوسطى والقوقاز، لنجد أن الكفة تميل لصالح روسيا عنها في دول آسيا الوسطى والقوقاز. وكذلك في مجال الاتفاقيات الموقعة بين تركيا وروسيا، فهي تفوق تلك الموقعة بين تركيا ودول آسيا الوسطى والقوقاز عددًا، مما يعني أن تركيا أكثر توفيقًا مع روسيا عنها مع الجمهوريات المستقلة، وقد يرجع السبب في ذلك إلى تردي الأوضاع الاقتصادية في تركيا وانعكاس ذلك على القطاع الخاص بها وعلاقاته التجارية مع دول المنطقة. كذلك توتر الأوضاع بين تركيا وأوزبكستان, والذي يتزامن مع تحسن ملموس في العلاقات الأزبكية - الأمريكية في حين أن العلاقات التركية والأمريكية مع أذربيجان طيبة للغاية ومرجع ذلك هو موضوع الطاقة، بصفة عامة ، فإن التواجد الأمريكي في المنطقة بهدف الحد من التواجد الروسي والإيراني بها, والهدف من توسيع حلف الناتو هو تحجيم روسيا, والآن يجب علينا أن نقرر كيفية بناء علاقاتنا مع هذه المنطقة؟ من المؤكد أنه لا يمكننا تجاهل روسيا، وفي نفس الوقت لا يجب أن نمنحها دورًا أكبر مما تستحق، وكذلك لا يجب أن نطل على المنطقة من النافذة الروسية، ولكن يجب أن نعمل على أن تكون "روسيا وحدها صاحبة الحضور مع إبداء أسباب توضح لروسيا أن مصالحها في المنطقة لن تتم إذا لم نتعاون مع إيران بصورة ما". وهذا التصور يمكن تطبيقه بدرجات متفاوتة، أعلاها في طاجيكستان وأدناها في أرمينيا، أما في باقي الدول فهناك مشاكل لازالت عالقة، وفيما يتعلق بتركيا فإن المشاكل بينها وبين إيران أكثر من أن يضاف إليها مشكلة التنافس على النفوذ بين البلدين في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، حتى لا تتأزم الأمور ويصبح الحل عسيرًا.

د. كولايي: أريد أن أشير إلى التغير في الأساليب التركية في التعاطي مع دول المنطقة، ففي عهد تورجوت أوزال، اتبعت الحكومة التركية منهجًا قوامه الثورية ولعبت دور الأخ الأكبر، وهو المنهج الذي رفضته دول المنطقة، كما رفضت منهج الأخ الروسي الأكبر، لذا تحولت الحكومة التركية إلى الميادين الاقتصادية، وكان دعمها للقطاع الخاص الذي تستحيل فعاليته دون الدعم الحكومي، وهذا الوضع تفتقر إليه السياسة الإيرانية؛ حيث لا تدعم الحكومة الإيرانية القطاع الخاص الإيراني في دول آسيا الوسطى والقوقاز، وهذا الأمر يوضح مدى إدراك الحكومة التركية لإيجابيات والتزامات المنطقة، وكذلك هناك نقطة هامة، ألا وهي المنافسة التركية -الروسية في المنطقة التي تقع تحت تأثير الميراث التاريخي والجغرافية- السياسية، وقد نتج عن هذه المنافسة تبادل الاتهامات بين الحكومتين حول أحداث الشيشان والقضايا التركية، وتنقلنا هذه النقطة لأن نبحثها من خلال العلاقات الروسية - الأمريكية وتطور هذه العلاقات، وعلاقة إيران وتركيا بكلتا الدولتين.

المهندس "الشيخ العطار": أريد أن أضيف نقطة أخرى بخصوص الدول المعنية بشئون المنطقة، وهي متعلقة بالدور الفرنسي الأخير، حيث اجتمع شيراك برئيس أرمينيا وأذربيجان بمباركة روسية أمريكية، وتوصلا معًا لنتائج طيبة فيما يتعلق بقرة باغ، والجدير بالذكر أن فرنسا قد لعبت دورًا مماثلاً في الفترة بين 1919 ، 1921 قبل استيلاء ستالين على أذربيجان, أرمينيا وجورجيا وأصبح لها نفوذًا إيجابيًا في المنطقة، لذا يجب إضافتها لمجموعة الدول المعنية بشئون جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز.

د. أطهري: الآن ما هي الأطر التي من خلالها يمكن لجمهورية إيران الإسلامية أن تبسط نفوذها في جمهوريات أسيا الوسطى والقوقاز؟ وما هي نقاط الضعف؟ وما هي المقترحات التي يمكن من خلالها طرح السياسة الخارجية؟ وما هي المجالات التي يجب أن تنفذ من خلالها؟ هل هي المجال السياسي والاقتصادي, التجاري الأمني أم العسكري؟

د. لطفيان: بخصوص المجالات، أعتقد أنه يمكننا إنجاز العديد من المهام من خلال المجالات الأمنية بمعناها الجامع، والتي تحتوي على أبعاد اقتصادية، اجتماعية, ثقافية، عسكرية ودفاعية، لكن هناك مجالات أخرى يمكن العمل من خلالها على المدى القصير، مثل حل القضايا المشتركة بين إيران ودول المنطقة، إحدى هذه المجالات هو مجال البيئة، فمن جملة الميراث الذي ورثته هذه الجمهوريات عن الاتحاد السوفيتي، التلوث البيئي، وتتجلى هذه القضية في تلوث بحيرة "آرال" وقد طرحت قيرغيرستان هذه القضية مؤخرًا, حيث دفن الاتحاد السوفيتي نفايات نووية وصناعية سامة في أماكن مختلفة في قرغيزستان دون علم الحكومة هناك، وقد جاء طرح قرغيزستان لهذه القضية في مؤتمرات عقدت مؤخرًا، وطالبوا دول المنطقة والمحافل الدولية بالمساعدة لحل هذه القضية، وأيضًا من مجالات التعون في مجال البيئة، والمراعي والبيئة الجبلية الخلابة لجذب السياح، وهناك مجال آخر أكثر حيوية، ألا وهو التعاون مع الجمهوريات في مجال المصادر المائية، والمثال على ذلك المباحثات الإيرانية - التركمانية لإقامة سد على نهر "شجن" ويمكننا تعميق فاعليتنا في تركمانستان في هذا الصدد, ومن مجالات التعاون الأخرى، التعاون لحل مشكلة أفغانستان، فعلى الرغم من فاعليات مجموعة 2 + 6 التي تكونت تحت رعاية المنظمة الدولية وبمساعدة روسيا وأمريكا إلا أنها لم تصل لحلول تلك المشكلة، وعلينا التعاون مع دول المنطقة لحل هذه المشكلة من جهة، ومن جهة أخرى الحيلولة دون أفغنة هذه الدول. وفي نفس الإطار، يمكننا لعب دور الوساطة بين أرمينيا وأذربيجان لحل مشكلة "قره باغ" وهي نفس الممارسة التي مارستها فرنسا وإن كانت وساطتنا غير مقبولة من الجانب الأذري، إلا أنها موضع ترحيب واستجابة من الجانب الأرميني. ومن مجالات التعاون على المدى القصير، مكافحة الإرهاب، وهي القضية التي تحظى باهتمام عالمي، وصحيح أن الدول الأربع، باستثناء تركمانستان، قد وقعت اتفاقًا أمنيًا يعني بالأمن الداخلي لكل دولة ولا يرقى إلى أمن المجموعة، إلا أننا يمكننا القيام بدور فعَّال في منع المتسللين من الوصول إلى الحدود، وخاصة المتشددين, والهجرة من الخارج وهي القضية المشتركة بين إيران وطاجيكستان، وتهريب المواد المخدرة عن طريق مجموعات إرهابية تسعى لتأمين موارد تمويل الإراهاب عن طريق تهريب المخدرات، وذلك بما لنا من خبرة سابقة في مجال مكافحة المخدرات والتصدي لمهربيها. لكن يبقى السؤال ما هي النتائج التي حققناها في آسيا الوسطى منذ عام 1991 حتى الآن؟ نحن نرى أن دولة مثل إسرائيل قد تمكنت من تحقيق نجاحات أكثر، على سبيل المثال تمكنت من تحقيق فعاليات اقتصادية في أوزبكستان جديرة بالاهتمام، وعلى الرغم من تناقص معدلات الاستثمار الإسرائيلي الآن، إلا أن سوق الواردات والحكومة تحمي التجار والمستثمرين الإسرائيليين, كذلك لا يمكن إغفال دور الغرب في هذه النجاحات، لقد دخلنا أسواق آسيا الوسطى والقوقاز في بدايات عقد التسعينيات، ولكن على الرغم من الفرص التي تتيحها هذه الأسواق إلا أننا لم نحسن استثمارها وعلينا الاعتراف بأن الجميع مقصرون في هذا المجال.

نقطة أخرى هامة، أشار إليها جميع المشاركين، ألا وهي قضية الطاقة وأهميتها في المنطقة، حيث يجب إجراء بحوث موسعة في مجال الحظر الأمريكي على الشركات الأجنبية التي تزيد استثماراتها في قطاع الطاقة في إيران، أو مد خطوط أنابيب لنقل بترول بحر قزوين من شمال إيران إلى جنوبها، والسؤال الآن هو: هل لدى إيران الإمكانيات لمد هذا الخط بالجهود الإيرانية الذاتية؟ أعتقد أنه إذا ما توافرت هذه البدائل وتم تنفيذها على أرض الواقع، سيكون ذلك بمثابة خط دولي يساعد دول المنطقة على نقل بترولهم إلى الخارج، وبذلك يتم إجهاض الخطر الأمريكي على إيران ووضع أمريكا أمام الأمر الواقع.

د. أطهري: هل يمكن طرح اقتراح إقامة منظمة للأمن والتعاون في آسيا الوسطى والقوقاز؟ يعني ما هي الموانع التي تقف أمام إيران ودول المنطقة لتحقيق هذه الفكرة؟

د. لطفيان: مع مراعاة الأطر التي تبحث فيها الجلسة فروسيا وأمريكا يشكلان المانع الرئيسي في هذا الصدد للأسباب الآتية:

أولاً : السياسة الأمريكية تقوم على فرض الهيمنة الكاملة والسيطرة لكن هذه السياسة باءت بالفشل.

ثانيًا: سياسة التحجيم التي أشارت إليها د. "كولايي"، والتي تهدف لتوسيع حلف الناتو في آسيا الوسطى والقوقاز لتأمين الدفاع عن هذه المنطقة على المدى البعيد، لكن هذه السياسة أيضًا ستفشل، ومرجع ذلك إلى استياء دافعي الضرائب الأمريكيين من تحمل كلفة حفظ الأمن في آسيا الوسطى والقوقاز، وقد يكون هناك أسباب أخرى ستضح فيما بعد.

في ظل هذه الظروف، نقترح إقامة نظام أمني جماعي برعاية الناتو أو الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المؤكد أن هناك نظمًا أمنية قائمة تحت رعاية دول الكومنولث، لكن قيام نظام أمني كامل ومستقل بين إيران ودول آسيا الوسطى والقوقاز بدون تدخل روسي أو أمريكي، أمر ليس مستبعدًا.

د. كولايي: فيما يتعلق بسبل تنمية التعاون والإمكانيات في المجالات الباقية بين إيران ودول المنطقة لتأمين المصالح القومية لإيران في تلك الجمهوريات، لا شك أن خبرتنا في هذه المجالات ستكون موضع استفادة بالغة، ومما لا شك فيه أيضًا أن المعطيات والنتائج في هذه الجمهوريات في التعامل مع دول من المنطقة أو من خارجها، قد اختلفت خلال السنوات الماضية نتيجة للتجارب التي مرت بها مؤخرًا، ولا يجب غض البصر عن الأوضاع الجغرافية لهذه المنطقة وتأثيرها على النماذج وتنميتها، ونسوق مثالاً على هذا الوضع في قزاقستان، حيث وقعت مع شركة أمريكية اتفاقية في عام 1992 أثمرت شركة "شورون" وهي من أنشط الشركات التي تعمل في مجال البترول، لكن بعد استخراج الخام، واجهتهم مشكلة صعوبة نقله مع محدودية النقل عبر خط الأنابيب الروسي، وحيث إن سعر المنتج النهائي يجب أن يكون ذا قدرة تنافسية في الأسواق العالمية، لذا وقعت المنافسة في تلك الجمهوريات تحت تأثير الوضع الجغرافي.

كذلك الوضع في أذربيجان، التي وقَّعت اتفاقية "بترول باكو" عام 1994، إلا أن البحث ما زال جاريًا حول خط سير خطوط أنابيب نقل هذا البترول، ومرجع ذلك للأوضاع السياسية للمنطقة والتي يرجع بعضها للرؤى الروسية، حيث تسعى هذه الدول لاستمرارية دورها داخل تلك الجمهوريات كما كانت عليه الأوضاع قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، ويرجع بعضها الآخر إلى العلاقات مع الجمهوريات الأخرى، ومع الوضع في الاعتبار موقع إيران كأفضل السبل لمد خطوط الأنابيب التي تخدم هذه الجمهوريات، وخاصة أذربيجان، يتضح مدى تأثر استراتيجية الاحتواء الأمريكي ضد إيران في إضاعة الفرص من تلك الجمهوريات، والإخلال بمصالحها في الأسواق العالمية.

وفي الواقع فإنه يجب الاهتمام بتطورات العلاقات الأمريكية الإيرانية، والدور الأمريكي في المنطقة والفرص الضائعة من جراء فرض هذا النوع من العلاقات والتطورات الناجمة عنها، حتى تصل مصادر الطاقة لهذه الجمهوريات إلى الأسواق العالمية. يجب وضع آسيا الوسطى والقوقاز ومنطقة بحر قزوين وأوراسيا في إطار السياسة الخارجية العليا لإيران، ولا يغيب عن بالنا، أن السياسة الخارجية هي استمرار للسياسة الداخلية واضعين في الاعتبار أن الميراث التاريخي والثقافي في هذه المنطقة يزيد من فرص تواجد النفوذ الإيراني بها، ولا شك أن النظام الاقتصادي والصناعي في فترة الاتحاد السوفيتي قد أتاح الفرص لإيران بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في سد العجز في احتياجات دول آسيا الوسطى والقوقاز من الصناعات الاستهلاكية، ومن ثم الولوج إلى أسواق تلك المنطقة بصورة طبيعية وتنمية التعاون التجاري والاقتصادي معها. لكن مع بالغ الأسف، لم تتم الاستفادة من هذه الفرص، بسبب عدم خبرة كافة الأجهزة ذات الشأن في هذا المجال، ونفوذ وسيطرة الحكومة على قطاع التجارة وعوامل أخرى متعددة لا يتسع المجال لإحصائها، ومن وجهة نظري أن إدراك هذه المعطيات سيفتح أسواق دول آسيا الوسطى والقوقاز على مصراعيه لتنمية العلاقات التجارية والاقتصادية مع هذه الجمهوريات. وعلى صعيد المجالات الاجتماعية سيطر على السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية شعار "لا شرق ولا غرب" لكن الآن بات على رأس الأولويات تنمية العلاقات مع الغرب، لسد الفجوة الشاسعة في التكنولوجيا بين الاتحاد السوفيتي والغرب، وهو نفس النهج الذي اتبعته جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز في سعيها إلى الغرب، ومن هنا تبرز مكانة جمهوريات إيران الإسلامية بالنسبة لهذه المنطقة, ومن المؤكد أن الحرب الداخلية في طاجيكستان (الجمهورية الوحيدة التي سمحت بقيام حزب إسلامي ومشاركته في الحياة السياسية) أوجدت نوعًا من الإحساس بعدم الأمن تجاه جمهورية إيران الإسلامية والإسلام السياسي.

أعتقد أن التطورات التي شهدتها السياسة الخارجية الإيرانية في السنوات الأخيرة، والتأكيد على تقوية العلاقات التجارية الاقتصادية والثقافية الكفيلة بإزاء هذه الكبوة لدى دول آسيا الوسطى والقوقاز, والمتمثلة في أن الخطر الإسلامي في المنطقة مرتبط بالتفعيل الإيراني أعتقد أن الفرص سانحة اليوم أمام جمهورية إيران الإسلامية لتغيير هذه الفكرة مع مراعاة ما تقوم به طالبان والتهديدات الأمنية الناتجة عن فاعلياتها والمجموعة الؤيدة لها في تلك الجمهوريات, وأيضًا مع مراعاة الدور الإيراني لإقرار السلام في طاجيكستان، كذلك يمكن لإيران الاستفادة مما تقدم في العلاقات مع روسيا للتحرك تجاه نظام متعدد الأقطاب ومجابهة الرغبات والسياسات الأمريكية في المنطقة.

يجب الاهتمام بكافة المضامين التي تصلح من شأن السياسات الإيرانية المعمول بها والتي من بينها السعي لتوفير الخبرة لدى الأجهزة الإيرانية المعنية بشئون المنطقة والإلمام بالبيئة نظرًا لأهميتها، وخير مثال على ذلك نجاح إسرائيل في تلبية حاجات تلك الجمهوريات في مجال الزراعة، في بيئة تندر فيها المياه، حيث تعاني دول المنطقة من قلة المياه، هكذا نلاحظ أن نجاح المعنيين بشئون المنطقة منوط بالمعرفة الصحيحة لدول المنطقة، ونخلص من ذلك إلى وجوب دراسة المنطقة دراسة مستفيضة واستخلاص عناصر علاقاتنا بها وتحليل هذه العناصر تحليلاً وافيًا؛ حتى لا يتعارض تواجدنا في المنطقة مع الإلمام بها, والاستفادة من تلك النتائج أفضل استفادة حتى نلقنها للخبراء والمتعاملين مع هذه المجتمعات، كذلك يجب الإقرار بعدم إمكانية فصل الاهتمام بالسياسة الخارجية عن الاهتمام بالسياسة الداخلية.

د. أطهري: هل تعتقدون بإمكانية ترجيح الشمال عن الجنوب، إذ ما أردنا إقامة علاقات مع هذه الدول؟ وهل يمكن التحالف مع هذه الدول؟

د. كولايي: في تصوري أن الواقع والظروف الجغرافية السياسية لجمهورية إيران الإسلامية قد أتاحت إمكانيات يمكننا الاستفادة منها في هذا الخصوص، وهو الأمر الذي لا يتوافر لكافة المعنيين بشئون المنطقة، ولكن الاستفادة من هذه الإمكانيات يجب أولاً تحديدها ورصدها، وعندئذٍ لن يكون الدور الذي نلعبه في المنطقة قاصرًا على المجال الأمني، والمثال على ذلك التواجد الفرنسي الفعال في قره باغ وأثر اللوبي الأرميني في فرنسا على هذا المجال.

د. سجادبور: إن ما أشارت إليه د. "كولايي" يطرح ثلاثة محاور: أولها مجال المواصلات والعلاقات التي يمكن أن نقوم من خلالها في النواحي الجغرافية والإمكانيات التي توفرها، وهذا المجال تنفرد به إيران عن غيرها من بين الدول المعنية بشئون تلك المنطقة، ثانيها: مسألة الطاقة ثالثها: ثقافة تلك المنطقة والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحضارة والثقافة الإيرانية، ويمكن لإيران الاستفادة من تلك المحاور خاصة في المحور الأول، ويمثل المحور الثاني أكبر الميادين التي يمكن لإيران أن تبسط نفوذها من خلاله في المنطقة. أما فيما يتعلق بالمعوقات التي يمكن أن تعوق السياسة الإيرانية على المحاور الثلاثة، فمن وجهة نظري أنها معدومة، وقد حققت إيران نجاحات حقيقية على هذه المحاور الثلاثة، إلا أن الحديث عنها قليل للغاية، سواء على الصعيد الداخلي أو الصعيد الخارجي، وهذه النقطة بالذات موضع اهتمام المتخصصين من الخارج الذين يهتمون بشئون هذه المنطقة، سواء كانوا أوربيين أو غير أوربيين، وأنا أرى أن وسائل الإعلام هي نقطة ضعف إيران، ومن المؤكد أن إيران من الناحية الإدارية قد تمركزت في منطقة بكر، فإذا ما قارنا بين وضع إيران في لبنان سواء قبل الثورة أو بعد الثورة، والذي يحتوي على عشرات الجماعات والمنظمات الإيرانية، ووضع إيران في تلك الجمهوريات الحديثة النشأة، لأدركنا إلى أي مدى حققت إيران نجاحًا في تلك الجمهوريات على أية حال من وجهة نظري أننا لم نعالج تحركاتنا إعلاميًا بالقدر الكافي.

نقطة ثانية: من وجهة نظري أيضًا, وهي افتقار إيران للتوازن في الاهتمام بالأشياء، وهذه عادة ثقافية لدى الإيرانيين، فهم يقبلون على الشيء إذا استحسنوه، وبعد فترة يفتر هذا الإقبال ويخبو لقد زاد الاهتمام بمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، واليوم يتجه اهتمام إيران إلى العرب وأوروبا ولا يعني هذا أننا أسقطنا من حساباتنا الاهتمام بآسيا الوسطى والقوقاز، ولكننا في حاجة إلى اهتمام متوازن، وهذه النقطة أيضًا تعد من نقاط الضعف في الرؤية الخاصة بالسياسة الخارجية. وفي النهاية فإن نقطة الضعف الرئيسية في السياسة الخارجية لإيران هي افتقارها للتنسيق الكامل, للتدليل على ذلك يمكننا طرح مجموعة الأسئلة على النحو التالي: كم سيمنار عقد في الجامعات لمناقشة هذه القضايا خلال السنوات العشر التي مرت على انهيار الاتحاد السوفيتي، وكم كتاب ومقالة كتبت عن آسيا الوسطى والقوقاز؟ الإجابة هي أن تناول الموضوعات الرسمية لا يكون إلا عن طريق العاملين في السياسة الخارجية، وهم أفراد معدودون ، وعدد محدود منهم هم المهتمون بهذه القضية، وهذا يوضح غياب التنسيق بين القطاع الخاص والحكومة وبين القطاع التنفيذي والقطاع الفكري، من المؤكد أن هناك مقالات مهمة كتبت، وترجمات أهم ترجمت، ولكن كم عدد المستفيدين منها؟ كل ذلك يوضح أن أحد نقاط الضعف في إيران هو الغياب النسبي للتنسيق في السياسة الخارجية بخصوص الاقتراحات أعتقد أنه يجب أن يكون لدينا مفهوم إيجابي وخلاق، يجب دراسة المنطقة دراسة وافية؛ لأن آسيا الوسطى تختلف عن القوقاز، وبعد الدراسة الوافية، نعقد جلسات للتحليل الدقيق وترتيب الأولويات والخروج بمفهوم إيجابي وخلاق، مثلاً منظمة التعاون الأمني فكرة يجب بحثها جيدًا، تلك الفكرة يمكن أن تكون جزءًا من المفاهيم, وجهة نظري هي أننا نحتاج إلى مفهوم إيجابي وخلاق بالنسبة لهذه المنطقة.

الاقتراح الثاني: مسألة القطبية, من وجهة نظري, تمثل "مشهد قطبًا طبيعيًا لمنطقة آسيا الوسطى" والتي يمكن من خلالها الطيران إلى "بيشكك" في الوقت الذي لا يمكن فيه ذلك من طهران، وأيضًا يمكن من مشهد الطيران إلى "دوشنبه" وطاجيكستان هذا القطب الطبيعي يمكن عن طريق قرارات أكثر دقة تحويله إلى قطب سياسي وهذه القطبية لا تتوافر في القوقاز ولا تبرز الاقتراح الذي أتبناه في النهاية هو البحث والحور أكثر بخصوص آسيا الوسطى.

د. أطهري: وماذا عن الأولوية بين الشمال والجنوب.

د. سجادبور: إنني أنظر لهذه القطبية نظرة متوازية، فلا نقدر على إهمال العالم العربي ولا يمكن الانسحاب من ملعب الشمال، ولذا ستكون الأولوية للموضوعية، مثلاً قضيتنا في الجنوب هي إشاعة جو من الثقة، ومع الشمال هي مرور خطوط أنابيب نقل البترول عبر إيران.

المهندس الشيخ العطار: الجهل وعدم الإدراك الكافي هما السبب في الفشل، وأنا أؤيد وجهة نظر د. "سجادبور" بالكامل، حيث من المحتم أن نحقق نجاحًا في تلك المنطقة, والسبب في قلة هذه النجاحات يرجع إلى أننا نحارب أنفسنا، فمثلاً لو حققت وزارة الخارجية نجاحًا، تقلل من شأنه وزارة الخارجية وتحقره وتظهره على أنه فشل ذريع، إن قراءتنا للأحداث فردية, وهناك تداخل في عمل الهيئات والوزارات ومن المحتمل أن أسهب في هذا المجال نظرًا لأنني عملت في تلك المنطقة لفترات طويلة، ولذا أؤكد على ضرورة الإلمام الكامل بالمنطقة, ولتحقيق ذلك يجب توظيف أفراد على علاقة وصلة بالمنطقة ومتخصصين فيها، وهذا ليس بالأمر الصعب؛ لأن هذه المنطقة امتداد طبيعي لحضارتنا ويوجد بها العديد من المؤيدين، وعدم توظيف مثل هؤلاء الأفراد يعد إحدى نقاط ضعفنا، يجب أن يلم العاملون لدينا إلمامًا كاملاً بالمنطقة فمن النادر إيفاد إرسال وزارة الخارجية لبعثات إلى هذه المنطقة لإرجاء بحوث متعمقة، حتى على مستوى الجامعات، لا يحدث أن يحصل الطلبة على التشجيع الكافي لإجراء بحوث حول هذه المنطقة.

إن تقييمنا لأهمية المنطقة يتضح من خلال الأفراد المعنيين من جانب إيران, في تلك المنطقة نقطة أخرى يجب طرحها وهي العلاقات الشخصية، فللسيد محمد خاتمي، وكذلك السيد هاشمي رفسنجاني، علاقات شخصية واتصالات مع قادة المنطقة وزعمائها، وهناك تبادل للزيارات والاتصالات بين الطرفين، لكن للأسف قل الاهتمام بهذه المنطقة، إن عنصر العلاقات الشخصية يعد من أهم عناصر نجاح السياسة الخارجية، والذي بسببه فشلت تركيا في هذه المنطقة بعد وفاة تورجوت أوزال. يمكننا إقرار علاقات في مختلف الميادين، السياسية، الاقتصادية، والثقافية، لكن شريطة ألا تقر من جانب شخصية حكومية، يجب أن تكون العلاقات بين إيران وتلك الجمهوريات على المستوى الشعبي.

إن الأولوية في العلاقات -من حيث بناء الثقة- اقتصادية ثم ثقافية ثم سياسية ثم أمنية، وفي المجال الثقافي يجب أن تقوم العلاقات بين الشعوب بمعنى أن تكون ثقافة شعبية بعيدًا عن الحكومة، ولا تقتصر على النواحي الدينية، أما فيما يتعلق بالعلاقات السياسية فقد أثبتت التجارب نجاح السياسة الإيرانية في القضايا متعددة الأطراف، مثل القضية الأفغانية، أما على صعيد العلاقات الأمنية مثل قضايا الإرهاب والمواد المخدرة التي أشارت إليها د. "لطفيان"، فيمكن أن تكون بداية جيدة لمضمار العلاقات الأمنية، ويجب أن لا نتقوقع، وألا نخشى تهديدات مسئولي الأحزاب في تلك البلدان، خاصة أذربيجان، وفي نهاية عرضي أود أن أوضح الاهتمام المتزايد من جانب روسيا بتلك الجمهوريات والواضح من خلال سياسة "فلاديمير بوتين" بعد أن سخر منهم "بوريس يلتسين" بالأمس أن أكبر المشاكل التي كانت تواجه الروس في تلك المنطقة هي جمهورية أذربيجان، وأخيرًا لا أنسى أن أشير إلى أن روسيا تطلق على هذه المنطقة في سياستها الخارجية مصطلح "خارج قريب" وتوليها اهتمامًا كبيرًا.

ont-family: ''Traditional Arabic''; mso-bidi-language: AR-EG">"الأيكو" كعضو مراقب، وقد اعتبر أن قيام الاتحاد الاقتصادي "اسلاف" مؤشرًا لإزالة التهديدات التي صاحبت تنمية منظمة "الأيكو".

أما عن المنافسة التركية الإيرانية للتواجد في المنطقة، فهي تقوم على نموذجين: الأول ديني إيراني، والثاني علماني تركي، وتركيا تسعى لتثبيت نفوذها في المنطقة من منطلق تاريخي؛ دعمًا لارتباطها بالاتحاد الأوروبي، لذا طرحت تركيا بحث التوازن وتنمية الامبراطورية التاريخية التركية, لكن من المؤكد رفض هذه القضية لعدم اهتمامها بواقع المنطقة، وبالتالي عدم قبول فكرة الأخ التركي الأكبر أو الأخ الأكبر للمسلمين.

وباستثناء المنافسة بين إيران وتركيا في المنطقة، يجب الاهتمام بموقف روسيا وأمريكا باعتبارهما إطارًا مؤثرًا في العلاقات في المنطقة، أشرنا كثيرًا إلى نقاط الخلاف في وجهات النظر تجاه آسيا الوسطى والقوقاز، ومفهوم انفصال واستقلال الجمهوريات عن بعضها البعض في النصف الأول من عقد التسعينيات، هذه القضية في حاجة إلى إعادة النظر في النصف الثاني من نفس العقد، فلم ترغب روسيا ولا الجمهوريات في الاستقلال من الناحية الأمنية، يتضح ذلك من خلال الأحداث التي شهدتها جمهوريات: طاجيكستان، جورجيا مولدفيا والشيشان، كما يتضح من أن نظرة روسيا لتلك المنطقة تواجه برفض أمريكي قاطع، فالنظرة الأمنية الروسية لتلك الجمهوريات تواجه باستراتيجية أمريكية هي نفس استراتيجية السيطرة على فيدرالية روسيا، ولا شك أن هذا الوضع هو صحة جديدة لأفكار الحرب الباردة بين البلدين، لذا فقد وقعت العلاقات الإيرالنية التركية -على الرغم من النقاط التي أشرنا إليها- تحت تأثير التطورات في العلاقات الروسية الأمريكية فضلاً عن ذلك، وفيما يتعلق بالعلاقات الإيرانية الروسية أعتقد أننا لم نهتم بالدرجة الكافية بظروف وإمكانيات ممارسة السياسة الخارجية الإيرانية بين باقي الدول المعنية بشئون المنطقة، وبالتالي فإننا لم نراع نقل وعناصر العلاقات بين روسيا وإيران، لدرجة أن بعض أوجه العلاقات القائمة تتيح الفرصة لفيدرالية روسيا، وتحقيق أهداف هذه الفيدرالية تلك الأهداف طرحت تطورات العلاقات الروسية الأمريكية وتجعل من روسيا تابعًا لأمريكا بصورة أكثر جدية. بناء على هذا ، يجب الاهتمام بالتنافس القائم بين إيران وتركيا للتنمية في آسيا الوسطى والقوقاز، مع الوضع في الاعتبار النظرة الأمنية الروسية والطوق الأمني الذي تطالب به روسيا, ورفض التعريف الأمريكي للإطار الأمني الروسي في المنطقة نبذًا للتبعية ورفضًا لأي تدخل أمريكي بهدف حل القضايا الأخرى المتعلقة بهذا البحث.

د. أطهري: أشارت د. "كولايي" باستفاضة إلى مفهوم نموذج التنمية الإيراني والتركي، إن تركيا لديها عدة قضايا للانضمام للاتحاد الأوروبي منها على سبيل المثال، توفيق قوانينها حماية حقوق الإنسان الحريات, كذلك ما يطرحه رئيس تركيا من انعدام الحرية العقائدية كل هذه القضايا توضح إلى أي مدى تركيا بعيدة عن الديمقراطية.

ثانيًا: أؤكد أن شعوب تلك المنطقة ترفض النموذج التركي للتنمية وذلك يتضح من عدم اكتراث الأقليات القومية به، وأيضًا التيارات الإسلامية، قضية أخرى أريد أن ألقي الضوء علهيا، نعتقد أن روسيا مدركة للخطة الأمريكية للمنطقة، فهل حقًا ما زال الروس يفكرون على طريقة الحرب الباردة بنفس القدر؟ يعني هل ننتظر من روسيا أن تلعب الدور الذي لعبته ضد أمريكا في فترة الحرب الباردة؟ لماذا يحاط موضوع مشاركة إيران في حلف "الناتو" بهذا القدر من الحساسية على الرغم من أنه يضم في عضويته غالبية دول العالم؟

هناك قضية أخرى تتعلق بالتركيبة الأمنية في المنطقة، ألا وهي قضية إسرائيل -آسيا الوسطى- تركيا, وإمكانية الربط بين آسيا الوسطى وإسرائيل عن طريق الأردن وهذه القضية على درجة عالية من الأهمية، وأخيرًا هناك نقطة أطرحها للمناقشة هي قرار جمهورية أذربيجان بمنح "الناتو" قاعدة على أراضيها.

د. سجادبور: فيما يتعلق بتركيا وإيران، فالملاحظ أن المنافسة بين البلدين هي ذلك النوع الذي يريده الطرفان الآخران, فإيران لا تسعى في زيادة المنافسة حتى تسبق تركيا في هذا المضمار, وتجدر الإشارة إلى تصريحات المسئولين الإيرانيين في تلك الفترة أن كلاً من الحرب المفروضة والسلام المفروض ليسا بالأمر الحسن، كذلك الحال في المنافسة المفروضة.

النقطة الثانية في المنافسة بين إيران وتركيا هي أن كليهما واقع تحت تأثير الظروف الداخلية العامة فالقطاع الخاص في تركيا أكثر فاعلية وجدية منه في إيران، أما السواد الأعظم من التعاملات الاقتصادية في إيران فيخضع للحكومة، وهو الأمر الذي انتهى في تركيا فمعظم التعاملات الاقتصادية يسيطر عليها القطاع الخاص، الذي وفق أوضاعه بالارتباط بالشبكات الدولية، وفي اسطنبول هناك قاعدة للشركات الكبرى متعددة القوميات والنموذج لذلك هو بنك "مانهاتن" أريد أن أؤكد على أهمية القطاع الخاص والتخلص من سيطرة إدارة الحكومة على هذه العلاقات.

النقطة الثالثة فيما يتعلق بإيران وتركيا، وهي التناقض في السياسة التركية تجاه تلك المنطقة، فالفكر "الأتاتوركي" هو المسيطر على السياسة التركية الخارجية، وليس من شك أن الاختلاف قائم بين الثورية والأتاتوركية، وقضايا الممكن والمحدود هي التي تفسح الطريق لأوروبا إلى آسيا الوسطى، لذا فتركيا أيضًا ليست في وضع مناسب.

د. سجادبور: حقيقة أن الخلاف قائم، ولكن ليس على النحو القائم في الدوائر الساسية، وليس واردًا تهميش أي من البلدين لدور البلد الآخر، أما بخصوص الدور الأمريكي، والذي يحوز أهمية فائقة من وجهة نظري، فهو أن السياسة الأمريكية في المنطقة تقوم على منع مد خطوط أنابيب البترول عبر إيران بهدف منع تنمية العلاقات الإيرانية مع دول المنطقة، ومن هذا يتضح أن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران أيديولوجية، وهذه النقطة مهمة جدًا، والنقطة الثانية هي اتباع نفس السياسة ضد الروس وخاصة خلال الفترة التي مضت من حكم الرئيس بوش الذي تحتوي حكومته على مجموعة يكنون العداء لروسيا، ويتضح ذلك من خلال تاريخهم السياسي.

أما النقطة الثالثة فهي شركات البترول الأمريكية والضغط الذي تمارسه على الحكومة تحقيقًا لمصالحها المالية، وكانت آمالهم معقودة على بوش وحكومته ولكنهما خيبا آمالهم بأكاذيبهما، إننا الآن أمام عدة معادلات، هي: حكومة بوش الجديدة حديثة العهد بالحكم، وخاصة في مجال السياسة الخارجية. عدم الاهتمام بشئون السياسة الخارجية على كافة المستويات وبالتالي عدم الاهتمام بمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز، يتزامن ذلك مع معاداة الروس, وفي رأيي أن حل كل هذه المعادلات يكمن في البترول.

المهندس "الشيخ العطار": لا شك أن للروس في هذه المنطقة حضور تاريخي له أبعاده الحضارية والعسكرية والاقتصادية، وعلى الرغم من انهيار الاتحاد السوفيتي وأثره على روسيا ودول المنطقة إلا أن روسيا لا تعتبر أن هذه المنطقة من خلال سياستها الخارجية خارج تلك السياسة, بل يطلقون عليها مصطلح "خارج قريب" وينظرون إليها كونها منطقة نفوذ ومنطقة حيوية بالنسبة لهم, ويرغبون في استعادة مكانتهم في تلك المنطقة، وتؤكد تصريحات المسئولين الروس بأن الانسحاب الكامل من جورجيا كان قرارًا خاطئًا، ما زالت آثاره تنعكس على الوجود الروسي في المنطقة، وفي الجانب المقابل، كان التواجد الروسي في أرمينيا إيجابيًا، وساعد في دعم المكانة الروسية في تلك المنطقة, نجد التواجد الروسي في حلف شنغهاي، والذي يضم في عضويته -فضلاً عن روسيا- الصين, قازاقستان، قرغيزستان, طاجيكستان، ومن المتوقع أن يعمل على تعزيز التعاون العسكري والأمني، والرغبة الروسية تلك لا تأتي من منطلق تحقيق مكاسب أكبر، بل لتقليل الخسائر الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفيتي وقيام الجمهوريات المستقلة، ومن المؤكد الآن أن البواعث الروسية في تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة قد ازدادت بسبب قضايا طالبان والشيشان والخطر الذي يستشعرونه من الإسلاميين من جهة أخرى، وعلى الرغم من محاولات التقارب الروسية إلى الغرب، إلا أن النظرة الغربية لروسيا كانت أدنى بكثير مما توقعه الروس، ويرى الساسة الغربيون أنه لا بد من الحذر من روسيا؛ لأن استعادتها لمكانتها ستجعلها أكبر وأقوى مما كانت عليه في زمن الاتحاد السوفيتي، ومن هنا نجد أن دول منطقة آسيا الوسطى والقوقاز نفسها قد سلكت هذا المسلك، ويتضح ذلك من خلال سعي جورجيا, أذربيجان, مولديفيا وأوزبكستان لإقامة اتحاد أمني –اقتصادي- عسكري مع الغرب، ولهذا يطرح بحث توسيع الناتو في الشرق بصورة جدية.

كذلك نتج عن وضع روسيا في المنطقة أن سمحت تركيا لأربعة سباحين أمريكيين بالإبحار في بحر قزوين، وهذه سابقة هي الأولى من نوعها منذ توقيع اتفاقيات 1921، 1940 والتي أكدت على عدم السماح بتواجد قوات أجنبية من جانب الغرب في حق روسيا، قد يولد لديهم دوافع أقوى لاستعادة مكانتهم في المنطقة، وهذه السياسة واضحة منذ تولي بوتين مقاليد الحكم.

هناك دليل نسوقه على متانة العلاقات الروسية مع دول المنطقة وهو تركمانستان التي باعت الغاز التركماني لروسيا بسعر مناسب من خلال اتفاقيات طويلة الأجل بعد أن لهثت في أثره شركات البترول الغربية، مما دفع الشركات الإنجليزية التي كانت تسعى للحصول على اتفاقية الغاز إلى غلق مكتبها في عشق آباد معلنة عدم إمكانية اكتشاف آبار بترول جديدة في منطقة "آفشور" التركمانية في بحر قزوين. وبخصوص أذربيجان نجد الشعور بالارتياح يسود عقب زيارة بوتين لها وعدم الاعتراض الروسي على مرور خط أنابيب البترول من الأراضي الأذربيجانية، على الرغم من الضوضاء التي صاحبت خط أنابيب باكور -جيحون جاء الاتفاق على خط أنابيب بترول باكو- نوفروسك. في الواقع ارتباط هذه الدول بموسكو يؤكد أن الإلمام الكامل بدول آسيا الوسطى والقوقاز لا يأتي إلا من خلال المعرفة الكاملة بروسيا باعتبارها العامل الأساسي في هذه المنطقة. حتى أرمينيا التي تتمتع بلوبي قوي النفوذ في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أكثر دول الكومنولث حصولاً على المساعدات الأمريكية، فتتمتع بعلاقات طيبة للغاية مع موسكو، وعلى الرغم من أن الدعاية الأمريكية في صالح أذربيجان إلا أن المساعدات لصالح أرمينيا. أما بخصوص تركيا فالمسئولون الأتراك يدركون جيدًا أن التورانية، اللغة التركية، مجموعة الأتراك والذئب الرمادي ، ليست إلا شعارات لا تلقي صدى لدى شعوب تلك المنطقة؛ حيث اللغة التركية هناك غير مفهومة، والتعامل بين هذه الدول يأتي باللغة الروسية في المقام الأول، وذلك لعدم فهمهم لغات بعضهم البعض، إن هدف تركيا هو زيادة نفوذها في منطقة تعتبر منطقة حضارة إيرانية وقوة روسية، في الواقع أن سعي تركيا لزيادة نفوذها في هذه المنطقة يأتي كونهم مندوبين للغرب، أمريكا, الناتو وبمساعدة إسرائيل، وتنفيذ هذه المخططات يأتي من خلال مراكز قوى داخل تركيا وليس عن طريق الحكومة التركية، وهنا يلزم أن نصرح أن نفوذ تركيا في آسيا الوسطى والقوقاز لن يقوم على العلمانية، يتضح ذلك من خلال نشاط الإسلاميين الأتراك، سواء حزب الفضيلة أو من هم أكثر تشددًا منه، في تفعيل القطاع الخاص التركي، والذي يمثل العمود الفقري في العلاقة بين تركيا ودول آسيا الوسطى والقوقاز، لذا فإن النموذج العلماني التركي في تلك المنطقة يواجه فشلاً ذريعًا. أما من ناحية التورانية فقد ثبت أيضًا فشلها وتعارضها مع الأتاتوركية، فضلاً عن كونها تضعف من فرص تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي، ونستطيع أن نستدل على مكانة تركيا بين دول تلك المنطقة، من خلال عقد مقارنة بين التبادل التجاري التركي مع كل من روسيا ودول آسيا الوسطى والقوقاز، لنجد أن الكفة تميل لصالح روسيا عنها في دول آسيا الوسطى والقوقاز. وكذلك في مجال الاتفاقيات الموقعة بين تركيا وروسيا، فهي تفوق تلك الموقعة بين تركيا ودول آسيا الوسطى والقوقاز عددًا، مما يعني أن تركيا أكثر توفيقًا مع روسيا عنها مع الجمهوريات المستقلة، وقد يرجع السبب في ذلك إلى تردي الأوضاع الاقتصادية في تركيا وانعكاس ذلك على القطاع الخاص بها وعلاقاته التجارية مع دول المنطقة. كذلك توتر الأوضاع بين تركيا وأوزبكستان, والذي يتزامن مع تحسن ملموس في العلاقات الأزبكية - الأمريكية في حين أن العلاقات التركية والأمريكية مع أذربيجان طيبة للغاية ومرجع ذلك هو موضوع الطاقة، بصفة عامة ، فإن التواجد الأمريكي في المنطقة بهدف الحد من التواجد الروسي والإيراني بها, والهدف من توسيع حلف الناتو هو تحجيم روسيا, والآن يجب علينا أن نقرر كيفية بناء علاقاتنا مع هذه المنطقة؟ من المؤكد أنه لا يمكننا تجاهل روسيا، وفي نفس الوقت لا يجب أن نمنحها دورًا أكبر مما تستحق، وكذلك لا يجب أن نطل على المنطقة من النافذة الروسية، ولكن يجب أن نعمل على أن تكون "روسيا وحدها صاحبة الحضور مع إبداء أسباب توضح لروسيا أن مصالحها في المنطقة لن تتم إذا لم نتعاون مع إيران بصورة ما". وهذا التصور يمكن تطبيقه بدرجات متفاوتة، أعلاها في طاجيكستان وأدناها في أرمينيا، أما في باقي الدول فهناك مشاكل لازالت عالقة، وفيما يتعلق بتركيا فإن المشاكل بينها وبين إيران أكثر من أن يضاف إليها مشكلة التنافس على النفوذ بين البلدين في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، حتى لا تتأزم الأمور ويصبح الحل عسيرًا.

د. كولايي: أريد أن أشير إلى التغير في الأساليب التركية في التعاطي مع دول المنطقة، ففي عهد تورجوت أوزال، اتبعت الحكومة التركية منهجًا قوامه الثورية ولعبت دور الأخ الأكبر، وهو المنهج الذي رفضته دول المنطقة، كما رفضت منهج الأخ الروسي الأكبر، لذا تحولت الحكومة التركية إلى الميادين الاقتصادية، وكان دعمها للقطاع الخاص الذي تستحيل فعاليته دون الدعم الحكومي، وهذا الوضع تفتقر إليه السياسة الإيرانية؛ حيث لا تدعم الحكومة الإيرانية القطاع الخاص الإيراني في دول آسيا الوسطى والقوقاز، وهذا الأمر يوضح مدى إدراك الحكومة التركية لإيجابيات والتزامات المنطقة، وكذلك هناك نقطة هامة، ألا وهي المنافسة التركية -الروسية في المنطقة التي تقع تحت تأثير الميراث التاريخي والجغرافية- السياسية، وقد نتج عن هذه المنافسة تبادل الاتهامات بين الحكومتين حول أحداث الشيشان والقضايا التركية، وتنقلنا هذه النقطة لأن نبحثها من خلال العلاقات الروسية - الأمريكية وتطور هذه العلاقات، وعلاقة إيران وتركيا بكلتا الدولتين.

المهندس "الشيخ العطار": أريد أن أضيف نقطة أخرى بخصوص الدول المعنية بشئون المنطقة، وهي متعلقة بالدور الفرنسي الأخير، حيث اجتمع شيراك برئيس أرمينيا وأذربيجان بمباركة روسية أمريكية، وتوصلا معًا لنتائج طيبة فيما يتعلق بقرة باغ، والجدير بالذكر أن فرنسا قد لعبت دورًا مماثلاً في الفترة بين 1919 ، 1921 قبل استيلاء ستالين على أذربيجان, أرمينيا وجورجيا وأصبح لها نفوذًا إيجابيًا في المنطقة، لذا يجب إضافتها لمجموعة الدول المعنية بشئون جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز.

د. أطهري: الآن ما هي الأطر التي من خلالها يمكن لجمهورية إيران الإسلامية أن تبسط نفوذها في جمهوريات أسيا الوسطى والقوقاز؟ وما هي نقاط الضعف؟ وما هي المقترحات التي يمكن من خلالها طرح السياسة الخارجية؟ وما هي المجالات التي يجب أن تنفذ من خلالها؟ هل هي المجال السياسي والاقتصادي, التجاري الأمني أم العسكري؟

د. لطفيان: بخصوص المجالات، أعتقد أنه يمكننا إنجاز العديد من المهام من خلال المجالات الأمنية بمعناها الجامع، والتي تحتوي على أبعاد اقتصادية، اجتماعية, ثقافية، عسكرية ودفاعية، لكن هناك مجالات أخرى يمكن العمل من خلالها على المدى القصير، مثل حل القضايا المشتركة بين إيران ودول المنطقة، إحدى هذه المجالات هو مجال البيئة، فمن جملة الميراث الذي ورثته هذه الجمهوريات عن الاتحاد السوفيتي، التلوث البيئي، وتتجلى هذه القضية في تلوث بحيرة "آرال" وقد طرحت قيرغيرستان هذه القضية مؤخرًا, حيث دفن الاتحاد السوفيتي نفايات نووية وصناعية سامة في أماكن مختلفة في قرغيزستان دون علم الحكومة هناك، وقد جاء طرح قرغيزستان لهذه القضية في مؤتمرات عقدت مؤخرًا، وطالبوا دول المنطقة والمحافل الدولية بالمساعدة لحل هذه القضية، وأيضًا من مجالات التعون في مجال البيئة، والمراعي والبيئة الجبلية الخلابة لجذب السياح، وهناك مجال آخر أكثر حيوية، ألا وهو التعاون مع الجمهوريات في مجال المصادر المائية، والمثال على ذلك المباحثات الإيرانية - التركمانية لإقامة سد على نهر "شجن" ويمكننا تعميق فاعليتنا في تركمانستان في هذا الصدد, ومن مجالات التعاون الأخرى، التعاون لحل مشكلة أفغانستان، فعلى الرغم من فاعليات مجموعة 2 + 6 التي تكونت تحت رعاية المنظمة الدولية وبمساعدة روسيا وأمريكا إلا أنها لم تصل لحلول تلك المشكلة، وعلينا التعاون مع دول المنطقة لحل هذه المشكلة من جهة، ومن جهة أخرى الحيلولة دون أفغنة هذه الدول. وفي نفس الإطار، يمكننا لعب دور الوساطة بين أرمينيا وأذربيجان لحل مشكلة "قره باغ" وهي نفس الممارسة التي مارستها فرنسا وإن كانت وساطتنا غير مقبولة من الجانب الأذري، إلا أنها موضع ترحيب واستجابة من الجانب الأرميني. ومن مجالات التعاون على المدى القصير، مكافحة الإرهاب، وهي القضية التي تحظى باهتمام عالمي، وصحيح أن الدول الأربع، باستثناء تركمانستان، قد وقعت اتفاقًا أمنيًا يعني بالأمن الداخلي لكل دولة ولا يرقى إلى أمن المجموعة، إلا أننا يمكننا القيام بدور فعَّال في منع المتسللين من الوصول إلى الحدود، وخاصة المتشددين, والهجرة من الخارج وهي القضية المشتركة بين إيران وطاجيكستان، وتهريب المواد المخدرة عن طريق مجموعات إرهابية تسعى لتأمين موارد تمويل الإراهاب عن طريق تهريب المخدرات، وذلك بما لنا من خبرة سابقة في مجال مكافحة المخدرات والتصدي لمهربيها. لكن يبقى السؤال ما هي النتائج التي حققناها في آسيا الوسطى منذ عام 1991 حتى الآن؟ نحن نرى أن دولة مثل إسرائيل قد تمكنت من تحقيق نجاحات أكثر، على سبيل المثال تمكنت من تحقيق فعاليات اقتصادية في أوزبكستان جديرة بالاهتمام، وعلى الرغم من تناقص معدلات الاستثمار الإسرائيلي الآن، إلا أن سوق الواردات والحكومة تحمي التجار والمستثمرين الإسرائيليين, كذلك لا يمكن إغفال دور الغرب في هذه النجاحات، لقد دخلنا أسواق آسيا الوسطى والقوقاز في بدايات عقد التسعينيات، ولكن على الرغم من الفرص التي تتيحها هذه الأسواق إلا أننا لم نحسن استثمارها وعلينا الاعتراف بأن الجميع مقصرون في هذا المجال.

نقطة أخرى هامة، أشار إليها جميع المشاركين، ألا وهي قضية الطاقة وأهميتها في المنطقة، حيث يجب إجراء بحوث موسعة في مجال الحظر الأمريكي على الشركات الأجنبية التي تزيد استثماراتها في قطاع الطاقة في إيران، أو مد خطوط أنابيب لنقل بترول بحر قزوين من شمال إيران إلى جنوبها، والسؤال الآن هو: هل لدى إيران الإمكانيات لمد هذا الخط بالجهود الإيرانية الذاتية؟ أعتقد أنه إذا ما توافرت هذه البدائل وتم تنفيذها على أرض الواقع، سيكون ذلك بمثابة خط دولي يساعد دول المنطقة على نقل بترولهم إلى الخارج، وبذلك يتم إجهاض الخطر الأمريكي على إيران ووضع أمريكا أمام الأمر الواقع.

د. أطهري: هل يمكن طرح اقتراح إقامة منظمة للأمن والتعاون في آسيا الوسطى والقوقاز؟ يعني ما هي الموانع التي تقف أمام إيران ودول المنطقة لتحقيق هذه الفكرة؟

د. لطفيان: مع مراعاة الأطر التي تبحث فيها الجلسة فروسيا وأمريكا يشكلان المانع الرئيسي في هذا الصدد للأسباب الآتية:

أولاً : السياسة الأمريكية تقوم على فرض الهيمنة الكاملة والسيطرة لكن هذه السياسة باءت بالفشل.

ثانيًا: سياسة التحجيم التي أشارت إليها د. "كولايي"، والتي تهدف لتوسيع حلف الناتو في آسيا الوسطى والقوقاز لتأمين الدفاع عن هذه المنطقة على المدى البعيد، لكن هذه السياسة أيضًا ستفشل، ومرجع ذلك إلى استياء دافعي الضرائب الأمريكيين من تحمل كلفة حفظ الأمن في آسيا الوسطى والقوقاز، وقد يكون هناك أسباب أخرى ستضح فيما بعد.

في ظل هذه الظروف، نقترح إقامة نظام أمني جماعي برعاية الناتو أو الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المؤكد أن هناك نظمًا أمنية قائمة تحت رعاية دول الكومنولث، لكن قيام نظام أمني كامل ومستقل بين إيران ودول آسيا الوسطى والقوقاز بدون تدخل روسي أو أمريكي، أمر ليس مستبعدًا.

د. كولايي: فيما يتعلق بسبل تنمية التعاون والإمكانيات في المجالات الباقية بين إيران ودول المنطقة لتأمين المصالح القومية لإيران في تلك الجمهوريات، لا شك أن خبرتنا في هذه المجالات ستكون موضع استفادة بالغة، ومما لا شك فيه أيضًا أن المعطيات والنتائج في هذه الجمهوريات في التعامل مع دول من المنطقة أو من خارجها، قد اختلفت خلال السنوات الماضية نتيجة للتجارب التي مرت بها مؤخرًا، ولا يجب غض البصر عن الأوضاع الجغرافية لهذه المنطقة وتأثيرها على النماذج وتنميتها، ونسوق مثالاً على هذا الوضع في قزاقستان، حيث وقعت مع شركة أمريكية اتفاقية في عام 1992 أثمرت شركة "شورون" وهي من أنشط الشركات التي تعمل في مجال البترول، لكن بعد استخراج الخام، واجهتهم مشكلة صعوبة نقله مع محدودية النقل عبر خط الأنابيب الروسي، وحيث إن سعر المنتج النهائي يجب أن يكون ذا قدرة تنافسية في الأسواق العالمية، لذا وقعت المنافسة في تلك الجمهوريات تحت تأثير الوضع الجغرافي.

كذلك الوضع في أذربيجان، التي وقَّعت اتفاقية "بترول باكو" عام 1994، إلا أن البحث ما زال جاريًا حول خط سير خطوط أنابيب نقل هذا البترول، ومرجع ذلك للأوضاع السياسية للمنطقة والتي يرجع بعضها للرؤى الروسية، حيث تسعى هذه الدول لاستمرارية دورها داخل تلك الجمهوريات كما كانت عليه الأوضاع قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، ويرجع بعضها الآخر إلى العلاقات مع الجمهوريات الأخرى، ومع الوضع في الاعتبار موقع إيران كأفضل السبل لمد خطوط الأنابيب التي تخدم هذه الجمهوريات، وخاصة أذربيجان، يتضح مدى تأثر استراتيجية الاحتواء الأمريكي ضد إيران في إضاعة الفرص من تلك الجمهوريات، والإخلال بمصالحها في الأسواق العالمية.

وفي الواقع فإنه يجب الاهتمام بتطورات العلاقات الأمريكية الإيرانية، والدور الأمريكي في المنطقة والفرص الضائعة من جراء فرض هذا النوع من العلاقات والتطورات الناجمة عنها، حتى تصل مصادر الطاقة لهذه الجمهوريات إلى الأسواق العالمية. يجب وضع آسيا الوسطى والقوقاز ومنطقة بحر قزوين وأوراسيا في إطار السياسة الخارجية العليا لإيران، ولا يغيب عن بالنا، أن السياسة الخارجية هي استمرار للسياسة الداخلية واضعين في الاعتبار أن الميراث التاريخي والثقافي في هذه المنطقة يزيد من فرص تواجد النفوذ الإيراني بها، ولا شك أن النظام الاقتصادي والصناعي في فترة الاتحاد السوفيتي قد أتاح الفرص لإيران بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في سد العجز في احتياجات دول آسيا الوسطى والقوقاز من الصناعات الاستهلاكية، ومن ثم الولوج إلى أسواق تلك المنطقة بصورة طبيعية وتنمية التعاون التجاري والاقتصادي معها. لكن مع بالغ الأسف، لم تتم الاستفادة من هذه الفرص، بسبب عدم خبرة كافة الأجهزة ذات الشأن في هذا المجال، ونفوذ وسيطرة الحكومة على قطاع التجارة وعوامل أخرى متعددة لا يتسع المجال لإحصائها، ومن وجهة نظري أن إدراك هذه المعطيات سيفتح أسواق دول آسيا الوسطى والقوقاز على مصراعيه لتنمية العلاقات التجارية والاقتصادية مع هذه الجمهوريات. وعلى صعيد المجالات الاجتماعية سيطر على السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية شعار "لا شرق ولا غرب" لكن الآن بات على رأس الأولويات تنمية العلاقات مع الغرب، لسد الفجوة الشاسعة في التكنولوجيا بين الاتحاد السوفيتي والغرب، وهو نفس النهج الذي اتبعته جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز في سعيها إلى الغرب، ومن هنا تبرز مكانة جمهوريات إيران الإسلامية بالنسبة لهذه المنطقة, ومن المؤكد أن الحرب الداخلية في طاجيكستان (الجمهورية الوحيدة التي سمحت بقيام حزب إسلامي ومشاركته في الحياة السياسية) أوجدت نوعًا من الإحساس بعدم الأمن تجاه جمهورية إيران الإسلامية والإسلام السياسي.

أعتقد أن التطورات التي شهدتها السياسة الخارجية الإيرانية في السنوات الأخيرة، والتأكيد على تقوية العلاقات التجارية الاقتصادية والثقافية الكفيلة بإزاء هذه الكبوة لدى دول آسيا الوسطى والقوقاز, والمتمثلة في أن الخطر الإسلامي في المنطقة مرتبط بالتفعيل الإيراني أعتقد أن الفرص سانحة اليوم أمام جمهورية إيران الإسلامية لتغيير هذه الفكرة مع مراعاة ما تقوم به طالبان والتهديدات الأمنية الناتجة عن فاعلياتها والمجموعة الؤيدة لها في تلك الجمهوريات, وأيضًا مع مراعاة الدور الإيراني لإقرار السلام في طاجيكستان، كذلك يمكن لإيران الاستفادة مما تقدم في العلاقات مع روسيا للتحرك تجاه نظام متعدد الأقطاب ومجابهة الرغبات والسياسات الأمريكية في المنطقة.

يجب الاهتمام بكافة المضامين التي تصلح من شأن السياسات الإيرانية المعمول بها والتي من بينها السعي لتوفير الخبرة لدى الأجهزة الإيرانية المعنية بشئون المنطقة والإلمام بالبيئة نظرًا لأهميتها، وخير مثال على ذلك نجاح إسرائيل في تلبية حاجات تلك الجمهوريات في مجال الزراعة، في بيئة تندر فيها المياه، حيث تعاني دول المنطقة من قلة المياه، هكذا نلاحظ أن نجاح المعنيين بشئون المنطقة منوط بالمعرفة الصحيحة لدول المنطقة، ونخلص من ذلك إلى وجوب دراسة المنطقة دراسة مستفيضة واستخلاص عناصر علاقاتنا بها وتحليل هذه العناصر تحليلاً وافيًا؛ حتى لا يتعارض تواجدنا في المنطقة مع الإلمام بها, والاستفادة من تلك النتائج أفضل استفادة حتى نلقنها للخبراء والمتعاملين مع هذه المجتمعات، كذلك يجب الإقرار بعدم إمكانية فصل الاهتمام بالسياسة الخارجية عن الاهتمام بالسياسة الداخلية.

د. أطهري: هل تعتقدون بإمكانية ترجيح الشمال عن الجنوب، إذ ما أردنا إقامة علاقات مع هذه الدول؟ وهل يمكن التحالف مع هذه الدول؟

د. كولايي: في تصوري أن الواقع والظروف الجغرافية السياسية لجمهورية إيران الإسلامية قد أتاحت إمكانيات يمكننا الاستفادة منها في هذا الخصوص، وهو الأمر الذي لا يتوافر لكافة المعنيين بشئون المنطقة، ولكن الاستفادة من هذه الإمكانيات يجب أولاً تحديدها ورصدها، وعندئذٍ لن يكون الدور الذي نلعبه في المنطقة قاصرًا على المجال الأمني، والمثال على ذلك التواجد الفرنسي الفعال في قره باغ وأثر اللوبي الأرميني في فرنسا على هذا المجال.

د. سجادبور: إن ما أشارت إليه د. "كولايي" يطرح ثلاثة محاور: أولها مجال المواصلات والعلاقات التي يمكن أن نقوم من خلالها في النواحي الجغرافية والإمكانيات التي توفرها، وهذا المجال تنفرد به إيران عن غيرها من بين الدول المعنية بشئون تلك المنطقة، ثانيها: مسألة الطاقة ثالثها: ثقافة تلك المنطقة والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحضارة والثقافة الإيرانية، ويمكن لإيران الاستفادة من تلك المحاور خاصة في المحور الأول، ويمثل المحور الثاني أكبر الميادين التي يمكن لإيران أن تبسط نفوذها من خلاله في المنطقة. أما فيما يتعلق بالمعوقات التي يمكن أن تعوق السياسة الإيرانية على المحاور الثلاثة، فمن وجهة نظري أنها معدومة، وقد حققت إيران نجاحات حقيقية على هذه المحاور الثلاثة، إلا أن الحديث عنها قليل للغاية، سواء على الصعيد الداخلي أو الصعيد الخارجي، وهذه النقطة بالذات موضع اهتمام المتخصصين من الخارج الذين يهتمون بشئون هذه المنطقة، سواء كانوا أوربيين أو غير أوربيين، وأنا أرى أن وسائل الإعلام هي نقطة ضعف إيران، ومن المؤكد أن إيران من الناحية الإدارية قد تمركزت في منطقة بكر، فإذا ما قارنا بين وضع إيران في لبنان سواء قبل الثورة أو بعد الثورة، والذي يحتوي على عشرات الجماعات والمنظمات الإيرانية، ووضع إيران في تلك الجمهوريات الحديثة النشأة، لأدركنا إلى أي مدى حققت إيران نجاحًا في تلك الجمهوريات على أية حال من وجهة نظري أننا لم نعالج تحركاتنا إعلاميًا بالقدر الكافي.

نقطة ثانية: من وجهة نظري أيضًا, وهي افتقار إيران للتوازن في الاهتمام بالأشياء، وهذه عادة ثقافية لدى الإيرانيين، فهم يقبلون على الشيء إذا استحسنوه، وبعد فترة يفتر هذا الإقبال ويخبو لقد زاد الاهتمام بمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، واليوم يتجه اهتمام إيران إلى العرب وأوروبا ولا يعني هذا أننا أسقطنا من حساباتنا الاهتمام بآسيا الوسطى والقوقاز، ولكننا في حاجة إلى اهتمام متوازن، وهذه النقطة أيضًا تعد من نقاط الضعف في الرؤية الخاصة بالسياسة الخارجية. وفي النهاية فإن نقطة الضعف الرئيسية في السياسة الخارجية لإيران هي افتقارها للتنسيق الكامل, للتدليل على ذلك يمكننا طرح مجموعة الأسئلة على النحو التالي: كم سيمنار عقد في الجامعات لمناقشة هذه القضايا خلال السنوات العشر التي مرت على انهيار الاتحاد السوفيتي، وكم كتاب ومقالة كتبت عن آسيا الوسطى والقوقاز؟ الإجابة هي أن تناول الموضوعات الرسمية لا يكون إلا عن طريق العاملين في السياسة الخارجية، وهم أفراد معدودون ، وعدد محدود منهم هم المهتمون بهذه القضية، وهذا يوضح غياب التنسيق بين القطاع الخاص والحكومة وبين القطاع التنفيذي والقطاع الفكري، من المؤكد أن هناك مقالات مهمة كتبت، وترجمات أهم ترجمت، ولكن كم عدد المستفيدين منها؟ كل ذلك يوضح أن أحد نقاط الضعف في إيران هو الغياب النسبي للتنسيق في السياسة الخارجية بخصوص الاقتراحات أعتقد أنه يجب أن يكون لدينا مفهوم إيجابي وخلاق، يجب دراسة المنطقة دراسة وافية؛ لأن آسيا الوسطى تختلف عن القوقاز، وبعد الدراسة الوافية، نعقد جلسات للتحليل الدقيق وترتيب الأولويات والخروج بمفهوم إيجابي وخلاق، مثلاً منظمة التعاون الأمني فكرة يجب بحثها جيدًا، تلك الفكرة يمكن أن تكون جزءًا من المفاهيم, وجهة نظري هي أننا نحتاج إلى مفهوم إيجابي وخلاق بالنسبة لهذه المنطقة.

الاقتراح الثاني: مسألة القطبية, من وجهة نظري, تمثل "مشهد قطبًا طبيعيًا لمنطقة آسيا الوسطى" والتي يمكن من خلالها الطيران إلى "بيشكك" في الوقت الذي لا يمكن فيه ذلك من طهران، وأيضًا يمكن من مشهد الطيران إلى "دوشنبه" وطاجيكستان هذا القطب الطبيعي يمكن عن طريق قرارات أكثر دقة تحويله إلى قطب سياسي وهذه القطبية لا تتوافر في القوقاز ولا تبرز الاقتراح الذي أتبناه في النهاية هو البحث والحور أكثر بخصوص آسيا الوسطى.

د. أطهري: وماذا عن الأولوية بين الشمال والجنوب.

د. سجادبور: إنني أنظر لهذه القطبية نظرة متوازية، فلا نقدر على إهمال العالم العربي ولا يمكن الانسحاب من ملعب الشمال، ولذا ستكون الأولوية للموضوعية، مثلاً قضيتنا في الجنوب هي إشاعة جو من الثقة، ومع الشمال هي مرور خطوط أنابيب نقل البترول عبر إيران.

المهندس الشيخ العطار: الجهل وعدم الإدراك الكافي هما السبب في الفشل، وأنا أؤيد وجهة نظر د. "سجادبور" بالكامل، حيث من المحتم أن نحقق نجاحًا في تلك المنطقة, والسبب في قلة هذه النجاحات يرجع إلى أننا نحارب أنفسنا، فمثلاً لو حققت وزارة الخارجية نجاحًا، تقلل من شأنه وزارة الخارجية وتحقره وتظهره على أنه فشل ذريع، إن قراءتنا للأحداث فردية, وهناك تداخل في عمل الهيئات والوزارات ومن المحتمل أن أسهب في هذا المجال نظرًا لأنني عملت في تلك المنطقة لفترات طويلة، ولذا أؤكد على ضرورة الإلمام الكامل بالمنطقة, ولتحقيق ذلك يجب توظيف أفراد على علاقة وصلة بالمنطقة ومتخصصين فيها، وهذا ليس بالأمر الصعب؛ لأن هذه المنطقة امتداد طبيعي لحضارتنا ويوجد بها العديد من المؤيدين، وعدم توظيف مثل هؤلاء الأفراد يعد إحدى نقاط ضعفنا، يجب أن يلم العاملون لدينا إلمامًا كاملاً بالمنطقة فمن النادر إيفاد إرسال وزارة الخارجية لبعثات إلى هذه المنطقة لإرجاء بحوث متعمقة، حتى على مستوى الجامعات، لا يحدث أن يحصل الطلبة على التشجيع الكافي لإجراء بحوث حول هذه المنطقة.

إن تقييمنا لأهمية المنطقة يتضح من خلال الأفراد المعنيين من جانب إيران, في تلك المنطقة نقطة أخرى يجب طرحها وهي العلاقات الشخصية، فللسيد محمد خاتمي، وكذلك السيد هاشمي رفسنجاني، علاقات شخصية واتصالات مع قادة المنطقة وزعمائها، وهناك تبادل للزيارات والاتصالات بين الطرفين، لكن للأسف قل الاهتمام بهذه المنطقة، إن عنصر العلاقات الشخصية يعد من أهم عناصر نجاح السياسة الخارجية، والذي بسببه فشلت تركيا في هذه المنطقة بعد وفاة تورجوت أوزال. يمكننا إقرار علاقات في مختلف الميادين، السياسية، الاقتصادية، والثقافية، لكن شريطة ألا تقر من جانب شخصية حكومية، يجب أن تكون العلاقات بين إيران وتلك الجمهوريات على المستوى الشعبي.

إن الأولوية في العلاقات -من حيث بناء الثقة- اقتصادية ثم ثقافية ثم سياسية ثم أمنية، وفي المجال الثقافي يجب أن تقوم العلاقات بين الشعوب بمعنى أن تكون ثقافة شعبية بعيدًا عن الحكومة، ولا تقتصر على النواحي الدينية، أما فيما يتعلق بالعلاقات السياسية فقد أثبتت التجارب نجاح السياسة الإيرانية في القضايا متعددة الأطراف، مثل القضية الأفغانية، أما على صعيد العلاقات الأمنية مثل قضايا الإرهاب والمواد المخدرة التي أشارت إليها د. "لطفيان"، فيمكن أن تكون بداية جيدة لمضمار العلاقات الأمنية، ويجب أن لا نتقوقع، وألا نخشى تهديدات مسئولي الأحزاب في تلك البلدان، خاصة أذربيجان، وفي نهاية عرضي أود أن أوضح الاهتمام المتزايد من جانب روسيا بتلك الجمهوريات والواضح من خلال سياسة "فلاديمير بوتين" بعد أن سخر منهم "بوريس يلتسين" بالأمس أن أكبر المشاكل التي كانت تواجه الروس في تلك المنطقة هي جمهورية أذربيجان، وأخيرًا لا أنسى أن أشير إلى أن روسيا تطلق على هذه المنطقة في سياستها الخارجية مصطلح "خارج قريب" وتوليها اهتمامًا كبيرًا.

 



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل -1.63 من 5التصويتات 19تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع