قناة الإخبارية: الجامعة العربية تدين اعتداءات ميليشيا الحوثي على المملكة *** قناة الإخبارية: الحكومة اليمنية تطلب عقد جلسة خاصة لـ مجلس الأمن حول خزان النفط العائم صافر *** العربية: إيران تسجل 200 وفاة بكورونا في حصيلة قياسية خلال 24 ساعة *** العربية: البرلمان العربي يدين جريمة اغتيال هشام الهاشمي في العراق *** العربية: وكالة إيرانية تؤكد مقتل شخصين في انفجار وقع في مصنع بالعاصمة طهران
  • الاثنين 13 يوليو 2020م
  • الاثنين 22 ذو القعدة 1441هـ
المقالات ملفات إيرانية الحالة الدينيةالتحول المذهبي بين إيران والعراق
رسول جعفريان بازتاب

الصدى/27-12-2006

كان العامل الجغرافي أحد أهم العوامل التي حكمت العلاقات الإيرانية – العراقية وانتقل منها إلى إيران فكانت الكوفة مركز التشيع في القرن الأول والثاني والسابع والثامن ، وانتقل منها إلى سائر المناطق من بينها بغداد وقم .

وقد أثر التشيع العراقي الأصيل على التشيع الإيراني في أربع مراحل هي :

1- تأثير تشيع قبيلة أشعري في قم في القرن الثاني والثامن .

2- تأثير تشيع بغداد مدرسة بغداد ثم النجف على إيران في القرن الخامس والسادس والحادي عشر والثاني عشر .

3- تأثير مدرسة الحلة في التشيع على إيران في القرون السابع والثامن والثالث عشر والرابع عشر .

4- تأثير تشيع النجف وجبل عامل على إيران في القرنين العاشر والسادس عشر وعلى مدى القرون المتعاقبة ظهر التشيع بشكل أساسي في وسط العراق وانتشر من بغداد باتجاه الجنوب في شرق وغرب دجلة والفرات حتى جنوب العراق وخاصة في المدن المقدسة النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء .

وقبل ظهور الصفويين كان التشيع في حالة انتشار في العراق ، وظهر حكم الصفويين في تلك الأثناء ومع الهيمنة التدريجية للعثمانيين على العراق أغلق الطريق أمام نفوذ التشيع في ذلك الجزء وخاصة في شمال العراق ، وفي هذا الوقت عرف الشيعة بأنهم جواسيس الحكومة الصفوية وكانوا في عزلة كاملة .

وكانت النجف في القرن التاسع والنصف الأول من القرن العاشر تمثل المركزية العلمية للشيعة في هذا الوقت كان العلماء الشيعة العرب الأغلبية وكان الطلاب العجم هم الأقلية .

وكان أبرز العلماء الشيعة في العصر الصفوي هو محقق الكركي (940/1034) وقد استقر في النجف ولكن بسبب المشاكل التي ظهرت بين الصفويين والعثمانيين سرعان ما أصبح العراق مكانًا غير آمن لعلماء الشيعة وبالتدريج انتقلت هذه المركزية لإيران .

وفي العصر الصفوي أصبحت إيران نظرًا لأنها تحتوي على الأغلبية والهدوء والاستقرار السياسي المركز العلمي للتشيع ، أصحبت مدن تبريز وقزوين وبشكل أساسي في النصف الثاني من هذا العصر وأصفهان تحظى بالمركزية العلمية للشيعة .

ومع سقوط الدولة الصفوية في عام (1134 – 1722) وزوال الأمن في إيران وأيضًا السياسة المذهبية لنادر شاه عادت تدريجيًّا مركزية الشيعة للعراق مرة ثانية , وفي هذا الوقت كانت العلاقات قد تحسنت مع الحكومة العثمانية .

والعثمانيون نظرًا لتوجههم نحو أوروبا لم تكن لهم سياسة فاعلة في هذا الصدد. بناء على هذا استقر علماء الشيعة في العراق منذ أواخر القرن الثاني عشر والثامن عشر وفي القرنين الثالث عشر والتاسع عشر وما بعد ذلك .

انتشار التشيع في جنوب العراق في القرن الـ 13 و 19 :

لو أن التشيع في العصر الصفوي (907 – 1134 / 1501 – 1722) قد أصبح أغلبية في إيران ففي العراق وفي القرون الثالث عشر والرابع عشر والتاسع عشر والعشرين اعتنق أغلبية العراقيين وخاصة في الجنوب التشيع . وقبل ذلك كان وسط العراق بجانب مدن النجف وكربلاء والكاظمين شيعية بالكامل وكانت هناك أيضًا أجزاء مهمة من بغداد وقليل من الجنوب أيضًا قارب وجود التشيع فيها الألف عام .

وكان لانتشار التشيع بين عشائر الجنوب العراقي الذين كانوا يعيشون على أطراف دجلة والفرات أسباب خاصة داخلية وخارجية في القرنين الثامن عشر والعشرين .

1- العلاقة الوطيدة مع دولة المشعشعين التي كانت تهيمن على خوزستان الإيرانية ومناطق واسعة في العراق فكان سيد محمد فلاح 870 / 1465 – 1466 تلميذ ابن فهد الحلي " 841 / 1437 " مؤسس تلك الدولة شيعيًّا متطرفًا من مدرسة الحلة وقد استطاع أن يجمع حوله اتحادًا كبيرًا من القبائل واستولى على خوزستان واعتنق كثير من القبائل العربية في هذه الناحية مثل كعب وآل كثير وبني طرف التشيع في هذا العصر . كانت هذه القبائل تروح وتغدو داخل العراق بسهولة ، وأقام الكثيرون منهم في تلك النواحي بهذا الشكل ، يعتبر هذا الأمر السبب الأول في انتشار التشيع .

2- عدد كبير من العشائر الموطنة في جنوب العراق والتي جاءت إما من نجد أو إيران قد قام تدريجيًّا بالزراعة والتشجير ، وكانت مدن النجف أو الحلة مركزًا بالنسبة لهم لتبادل البضائع ، وكان هؤلاء غير ملمين بالمذهب السني جيدًا ، ومن ثم كان ترددهم على هذه المدن التي تعتبر مراكز للتشيع سببًا في اعتناقهم التشيع .

3- في العصر الصفوي كان كثير من الزائرين الإيرانيين يتوجهون إلى النجف وكربلاء عن طريق العشائر المقيمة جنوب العراق وكان هذا التردد يتم بهدف الزيارة للأماكن المقدسة وأحيانًا للبحث عن أراضي زراعية فكانوا يتركون آثارهم المذهبية على العشائر وكانوا يعقدون تحالفات مع هذه العشائر في تلك النواحي وواضح أن حب آل البيت والإمام الحسين كان يجذب العشائر نحو التشيع .

4- مع ظهور الوهابية في نجد وطرد كثير من القبائل المعارضة ومواجهة الوهابيين مع المذاهب الأخرى وخاصة التشيع الذي تبلور في الهجوم على النجف وكربلاء كل هذا جعل كثيرًا من هذه القبائل يعترضون وجعلهم يعتنقون التشيع . وهذا الأمر ينطبق خاصة على العلاقة مع خزاعة .

وبناء على المعلومات التي وصلت عن كاتب يدعى إبراهيم الحيدري البغدادي " 1882 – 1299 " فإن كثيرًا من عشائر جنوب العراق قد اعتنقت مذهب التشيع ومن المؤكد أن بعض هذه القبائل مثل " خزاعة " قد اعتنق مذهب التشيع منذ القرون الأولى للإسلام إلا أن الكثيرين كما كتب البغدادي في " عنوان المجد " قد تشيع في القرن الثالث عشر الهجري .

وقد انتشر التشيع في العراق بدءًا من بغداد أما في الشمال فقد وصل التشيع إلى مدينة بلد ولم يذهب إلى أبعد من ذلك ، وحتى سامراء على الرغم من أنها كانت من المدن الشيعية المقدسة فقد ظلت تحت سيطرة السنين ، والسبب الرئيسي في ذلك هو الاهتمام الخاص من جانب الدولة العثمانية قد انتهجت سياسة منع انتشار التشيع منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لكن الأمر كان خارج السيطرة .

وبالتدريج نزح مهاجرون كثيرون من الشروقيين – العشائر التي كانت تعيش في شرق العراق – إلى بغداد وقد أدى هذا الأمر إلى انتشار المحلات التي يقيم فيها الشيعة .

وفي هذا التطور اتجهت البصرة تدريجيًّا نحو التشيع ، وعلى مدى القرنين الفائتين أصبح الشيعة أغلبية في هذه المدينة وفي الأجزاء الجنوبية كانت مدينة الزبير الصغيرة هي المدينة السنية فقط ، وهذه المدينة تتكون في الوقت الحاضر من 50 % سُنَّة و 50 % شيعة .

عوامل ظهور النجف :

مع استمرار انتشار التشيع في جنوب العراق طرحت مرة ثانية العتبات المقدسة كمراكز علمية للشيعة وقد حدث هذا الصعود أثناء فترة مرجعية وحيد بهبهاني " 1205 / 1791 " وثمة عوامل لظهور النجف كمركز علمي أهمها :

1- توقف المراكز العلمية الإيرانية أثناء اضطرابات النصف الثاني من القرن الثاني عشر والثامن عشر .

2- قدسية هذه المدينة من وجهة نظر الشيعة حيث دفن فيها إمامهم الأول ويجب الأخذ في الاعتبار أن كون هذه المدينة مركزًا علميًّا للشيعة له تاريخ يرجع إلى عدة قرون ، وتراجع هذا التاريخ أثناء العصر الصفوي ثم عاد ثانية .

3- الأمن النسبي الذي كانت تتمتع به العراق وخاصة اتجاه عشائر كربلاء والنجف حتى الحلة في الجنوب نحو التشيع وتوحيد هذه المنطقة ، كما أن الدولة العثمانية في هذه الفترة لم تقدم على تسخين الأوضاع وتوترها ولم تفرض أي قيود على الشيعة حتى وهي تقوم بحشد السنة .

4- التردد الكبير للشيعة الإيرانيين الذين كانوا يتوجهون لزيارة العتبات المقدسة وإقامتهم في تلك المناطق ، الأمر الذي جعل ارتباط الشيعة بهذا المركز أمرًا طبيعيًّا ، وهذا الأمر من الممكن أن يكون مهمًّا لظهور مركز علمي لمذهب ما .

5- وبخصوص القضايا المذهبية وبشكل خاص اختلافات الشيعة والسنة ربما يكون العراق واحدًا من أكثر الدول ضجة في هذا الأمر ، وهذه المسألة لا ترتبط بأي حال من الأحوال بالفترة الأخيرة بل إن الخلافات المذهبية في القرن الرابع والخامس والعاشر والحادي عشر في بغداد هي دليل واضح على هذا الادعاء وقد جاء تفصيل ذلك في المصادر التاريخية مثل " المنتظم لابن الجوزي " 597 – 1201 ، ففي القرن العاشر والحادي عشر أدت الحروب الصفوية – العثمانية والدعايا العثمانية ضد الشيعة في القرون العاشر والحادي عشر علاوة على الإرث القديم من الخلافات بين الشيعة والسنة إلى أن يظهر في العراق نزاع طائفي بشكل عميق .

وقد تفاقمت هذه الخلافات بسبب ممارسة نوع من التفرقة المذهبية من جانب العثمانيين بحق الشيعة وكانوا يستخدمونه في مجال الامتيازات السياسية والاقتصادية .

إلى هذا الحد يجب اعتبار العراق على عكس سائر الدول العربية والإسلامية بسبب مثل هذا النزاع الطائفي الشديد النزاع الذي كان له تأثير مهم في تاريخ العراق الجديد .

الاختلاط العرقي في إيران:

في الوقت الحاضر يوجد في العراق نوعان من العرقيات الأكراد والعرب ، لكن لا يجب إغفال أن التعاطي القائم بين إيران والعراق على مدى القرون الطويلة منذ توطين الجماعات الأولى من الإيرانيين في الكوفة في العقد الثالث من القرن الأول الهجري والذين بلغ عددهم حوالي أربعين نسمة وحتى الفترة الأخيرة حدث نوع من الاختلاط العرقي بين العرب والعجم وخاصة في الجزء الشرقي والجنوبي من العراق .

وفي هذا الصدد هناك عدة عوامل تحظى بالأهمية منها الهجرة وتردد عشائر جنوب إيران على العراق والعكس وقد حدث ذلك في الغالب لأسباب اقتصادية .

تردد الزائرين الإيرانيين على العتبات وإقامتهم في تلك المدن للزيارة وفي بعض الأحيان يقضي بعض الأشخاص السنوات الأخيرة من حياتهم في تلك الأماكن إلى أن يموتوا فيها . وفي هذا الصدد لا يجب إغفال مقبرة وادي السلام التي يتمنى أي شيعي أن يدفن فيها ، وهذا الأمر أضفى تأثيرًا خاصا على الهجرة إلى النجف .

زيادة تردد التجار وخاصة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، وكانت هذه الجماعة تقيم في الغالب في بغداد وكربلاء وكانت تسيطر على جزء كبير من التجارة .

هجرة عدد كبير من طلبة العلم للدراسة في النجف وعدم عودتهم مرة ثانية ، وبعض الأسر أقام هناك حتى قبل تشكيل العراق الحديث منذ أكثر من قرن ونصف القرن وأصبحت ثقافتهم عربية تمامًا .

ويقال: إن تعداد المهاجرين الإيرانيين في أوائل القرن العشرين يتراوح ما بين خمسين ألفًا إلى ثلاثمائة ألف ، لكن لا توجد إحصائية دقيقة في هذا الصدد ، والسبب في ذلك عدم وجود وثائق صحيحة وكثرة التردد والاختلاط ، وكانت نتيجة هذا الاختلاط ارتفاع مظاهر التنافس بين العرب والعجم في أجزاء من العراق ، هذه المسألة ألقت فيما بعد بظلال كثيفة على العلاقات السياسية بين إيران والعراق .

وبهذا الشكل علاوة على النزاع الطائفي الشيعي – السني ظهر موضوع العرب والعجم .

ومن الممكن تتبع تأثير الاختلاط العرقي بين الإيرانيين والعراقيين في النجف في إطار آخر . ازدهرت حوزة النجف بعد ضعف حوزة أصفهان في عهد نادر شاه 1148 – 1160 ، 1735 – 1747 . من المؤكد أنه بسبب أن إيران كانت تمتلك الأغلبية الشيعية وكان لها تاريخ علمي كبير في العلوم الإسلامية والشرعية ، توجه عدد كبير من الطلبة إلى النجف هؤلاء الطلبة بسبب استعدادهم وصلوا إلى المناصب العلمية الرفيعة ، وكانت نتيجة هذا الأمر أن أصبحت حوزة النجف إلى حد كبير حوزة إيرانية وكان مراجع التقليد الشيعة في القرن الثالث عشر والرابع عشر إيرانيين بالأساس لكنهم درسوا في النجف .

إن الإقامة على مدى مائتي عام لكثير من الأسر الإيرانية في بيئة عربية وأيضًا نتيجة للوضع الاجتماعي والسياسي تحول كثير منهم إلى أسر عراقية أو على الأقل أصحبت ثقافتهم ثقافة عربية بالكامل ، ونسي كثيرون اللغة الفارسية وكانوا يتحدثون العربية ويكتبون بها حتى إن بعضهم عرف في الفترة الأخيرة بأنه أحد شعراء العرب .

وهناك عدد من الأسرة انقسم إلى قسمين أحدهما عربي والآخر فارسي ، هذه الأسر عندما أجبرت على تحديد هويتها اتخذ البعض الهوية العراقية بينما ظل البعض الآخر على فارسيته .

مرجعية النجف والتطورات الإيرانية 1308 – 1329 / 1891 – 1911

حقيقة المرجعية الشيعية أنها مرجعية فوق أممية ، ولهذا السبب ، المرجع الذي يتم اختياره يكون له مقلدون وأتباع في أنحاء الدول العربية وإيران وأفغانستان والهند وأذربيجان ، وبهذا الشكل من الممكن أحيانًا أن يكون أهل منطقة أو قومية ما تابعين أو مقلدين للمرجع الذي تربطهم علاقة إقليمية أو عرقية ، وما يركز عليه عموم الشيعة هو الأعلمية والتقوى التي يمكن تحديدها بسبل ومعايير خاصة ، ولهذا السبب لا يكفي أن يكون نجفيا فقط ، بل من الممكن أن تنتقل المرجعية من إيران إلى العراق وتعود ثانية إلى إيران ، أو أن تظل لفترة في النجف أو كربلاء أو سامراء .

بالإضافة إلى أنه على افتراض وجود مرجع مطلق فمن الممكن أن يكون هناك مراجع آخرين لهم أتباع ومقلدين ، لكن في هذا الصدد تكون زعامة الحوزة تحت تصرف المرجع الأساسي وفي بعض الأحيان وبالأساس بعد وفاة المرجع المطلق ونظرا لعدم وجود نظام لاختيار مرجع مطلق يظهر على الساحة عدد من المراجع وبمرور الوقت يشتهر من بينهم أعلمهم وأتقاهم ويحصل على المرجعية المطلقة .

النقطة الجديرة بالاهتمام في هذا الصدد ، هو أنه في العقود الأخيرة فرضت الدولة العثمانية قيودًا كثيرة غير رسمية على التشيع العراقي وشعرت نحوه بحساسية خاصة وبسبب الاشتراك في المذهب السني جعلت زعامة العراق السياسية لأهل السنة وفي هذه الأثناء كان المواطنون الشيعة يعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية ، ومع كل هذا كان مراجع الشيعة يرجحون كفة الدولة العثمانية .

في هذا الوقت أي في عام 1914 كانت مرجعية الشيعة لسيد محمد كاظم يزدي ، وقد توفي بعد ذلك بقليل في عام 1919 وأصبحت مرجعية الشيعة المطلقة لميرذا محمد تقي شيرازي " 1339 / 1920" ، وكان الشيعة قد قاموا بثورة في فترتين ، إحداهما في عام 1914 والأخرى في عام 1920 التي عرفت باسم ثورة العشرين .

ففي الأول ، وبناء على طلب شيخ الإسلام العثماني ، قبل مراجع الشيعة الأوضاع الجديدة على الرغم من الصعوبات التي خلقتها لهم الحكومة العثمانية وأصدروا بيانًا أعلنوا فيه تأييد الدولة العثمانية .

مع هجوم بريطانيا على البصرة في عام 1914 قام الشيعة بانتفاضة لكنها لم تصل إلى نتيجة .

وفي عام 1920 بدأت ثورة الشيعة على بريطانيا الذين كانوا بصدد تطبيق الحالة الهندية على العراق وحكم العراق بشكل مباشر ، ومع أن هذه الثورة فشلت وتم قمعها ، لكن بات واضحا أن بريطانيا لا يجب أن تحكم هذه الدولة بشكل مباشر ، وبعد ذلك أسسوا النظام الملكي بزعامة الملك فيصل في العراق .

كانت هذه أوج المشاركة السياسية للمرجعية الشيعية في التطورات العراقية وفي نفس الوقت جعلت المجتمع الشيعي في العراق أكثر فاعلية والحركة المذكورة بالأساس حركة إسلامية – عربية ، وعلى الرغم من هذا كان أحد زعمائها المرجع ، شيخ الشريعة الأصفهاني " 1339 / 1920 " وقد ظل العراق تحت الوصاية البريطانية حتى عام 1932 .

المرجعية الأصفهانية والقضايا الإيرانية:

في عهد مرجعية آية الله سيد أبو الحسن الأصفهاني " 1366 / 1947 " بدأت الحكومة الإيرانية تحركها نحو الاتجاه العلماني وكان هذا التحرك عقب قمع حركة مذهبية معارضة في قم عام 1937 ، واستمر التحرك ضد المؤسسة الدينية في سنوات حكم رضا شاه الذي انتهى في سبتمبر عام 1941 م .

وكان رضا شاه في بداية حكمه قد أقام علاقات طيبة مع رجال الدين ومراجع التقليد في النجف ، حتى يستفيد منهم في توطيد دعائم حكمه ، لكنه بعد أن استقر في الحكم تدنى مستوى هذه العلاقات .

وكان السيد أبو الحسن الذي كان مقيمًا في النجف له علاقات ضعيفة مع إيران ، وعلى مدى أعوام منع رضا شاه لأسباب مذهبية واقتصادية توجه الزائرين الإيرانيين إلى العراق ، وكان الأصفهاني من تلاميذ أخوند الخراساني وكانت له ميول إصلاحية .

وأثناء العملية الانتخابية التي قامت بها بريطانيا في بداية العقد الثالث من القرن العشرين لإضفاء الشرعية على وجودها في العراق ، عارض ثلاثة من المراجع هم خالص وأصفهاني وناييني هذه العملية وتم نفيهم إلى إيران ، وبعد فترة وجيزة توفي خالصي في مشهد وعاد الأصفهاني وناييني إلى العراق ، ومع وفاة ناييني في عام 1355 / 1936 ، حصل الأصفهاني على المرجعية المطلقة ، وفي نفس الوقت كان هناك الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء " 1294 – 1373 / 1877 – 1954 " من مراجع التقليد العرب ، من المؤكد أنه كان ذا نفوذ محدود ، ومن المؤكد أنه عالم بارز وكاتب مشهور وشاعر كبير .

وكان في العراق يدعم بعض التنظيمات العلمية العربية وكان له أبتاع من الشيعة العرب والعجم وبصفة عامة كان التصور كالتالي أن الأصفهاني لم يكن يميل كثيرًا للتدخل في السياسات الجارية ولا يتدخل إلا فيما يتعلق بالدين بشكل مباشرة ، وكانت هذه رؤية المؤسسة الدينية بعد فشل الحياة النيابية ووضعها على قائمة اهتماماتها .

في هذا الوقت في إيران كانت المرجعية المحلية لآية الله حائري لكن أهم ما قام به آية الله الحاج الشيخ عبد الكريم حائري أنه أسس حوزة قم العلمية في عام 1340 / 1922 ، وقد توفي عام 1355 / 1936 ، وهو من الناحية السياسية لم يكن يختلف كثيرًا عن آية الله الأصفهاني علاوة على أنه في إيران مع وجود حكومة استبدادية لم تكن هناك إمكانية للتدخل في السياسة .

 انتقال المرجعية إلى إيران في عهد آية الله بروجردي :

مع وفاة الأصفهاني في عام 1947 ، أصبحت مرجعية الشيعة ولمدة خمسة عشر عاما لآية الله بروجردي ، ومع أنه كان من الذين درسوا في النجف إلا أنه كان يقيم في قم منذ عام 1944 ، وأيضًا على الرغم من أنه كان في تلاميذ أخوند الخراساني ، إلا أنه من الناحية السياسية لم يكن يختلف عن الأصفهاني وحائري غير أنه وبسبب تهيؤ الظروف المناسبة في إيران فإنه قد تهيأ له المجال للتواجد خاصة وأن الحكومة كانت تسير تدريجيًّا نحو التصديق على القرارات التي لم تكن منسجمة مع القوانين الشرعية .

وفي هذه المرحلة سقط النظام الملكي في العراق على يد ثورة عبد الكريم قاسم ، وطوال هذه الفترة كان آية الله بروجردي يرسل مرتبًا شهريًّا لطلاب النجف وكان يتابع أعمال التعمير والتشييد في مدارس النجف .

وفي العراق بعد وفاة آية الله ناييني " 1355 / 1936 " وبعد السيد ضياء الدين في العراق " 1361 / 1942 " والشيخ محمد حسين كمباني الأصفهاني " 1361 / 1942 " تهيأ المجال تدريجيًّا لظهور جيل من مراجع التقليد مثل آية الله الحكيم وشاهرودي .

آية الله الحكيم والقضايا العراقية – الإيرانية :

امتدت فترة مرجعية آية الله الحكيم التي كانت بصورة مطلقة خمسة عشر عامًا " 1390 / 1970 " الفترة التي كان حزب البعث قد وصل فيها إلى السلطة .

وفي فترة الحكيم هناك عدة نقاط جديرة بالاهتمام :

- تفاقم النزاعات الطائفية : كان حزب البعث وريثًا لحرب طائفية كبيرة نشبت في العراق في عهد عبد السلام عارف " 1964 / 1967 " وكانت حكومة عارف ضد الأكراد والشيعة أيضًا ، وكان يعمل على مواجهة كلتا الطائفتين . وفي المقابل قاومت السياسة الطائفية لحزب البعث آية الله الحكيم ، وقاطعت الحرب مع الأكراد وبهذا الشكل دخل مع حكومة البعث في صراع فقامت بفرض قيود عليه وبدأ هذا العمل باتهام ابنه محمد مهدي الحكيم بالتجسس ، واستمر بإثارة الأوباش والغوغاء ضده .

- مشاركة العرب في حوزة النجف : من قبل هذا كان قد ظهر عدد من الطلاب العرب في حوزة النجف ، وساعد على هذا الأمر مجيء آية الله الحكيم والقوة الشيعية وأيضًا دخول معترك السياسة بعد فترة من الهدوء النسبي والواقع أنه حتى الآن يجب وصف حوزة النجف بأنها إيرانية عربية ، وفي حين أن كثيرًا من أعضاء مكتب آية الله الحكيم ووكلائه كانوا إيرانيين كانت قد بدأت حركة نحو تعريب الحوزة .

تشكيل حزب الدعوة في العراق :

من الأعمال التي تمت في هذه الفترة بمساعدة أبناء آية الله الحكيم تشكيل حزب الدعوة العراقي ، وقد تَكوَّنَ هذا الحزب بعد عدة شهور فقط من ثورة 1958 ، وقد شارك في تشكيل هذا الحزب كل من محمد باقر الصدر ومحمد مهدي ومحمد باقر الحكيم وسيد مرتضي عسكري وسيد طالب الرفاعي وعدد آخر ، ولم يكن آية الله الحكيم سعيد بوجود السيد الصدر في هذا الحزب ، ولهذا السبب خرج الصدر من الحزب وعمل في إطار زعامته المعنوية ، وكان لهذا الحزب نوع من الفكر الأممي وكان هو الحل الذي اختاره الشيعة للمشاركة السياسية في العراق وقد عارض حزب البعث هذا الحزب بضراوة وأعدم عددًا من زعمائه ونوابه في المدن ، وعلى أعتاب الثورة الإيرانية كان حزب الدعوة مصدر القلق الأهم لحزب البعث وقد فر زعماؤه هربا إلى سوريا وإيران . ومحمد باقر الحكيم الذي كان قد ذهب إلى سوريا توجه إلى إيران ، وكون بدعم الحكومة الإيرانية المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ، وبعد قليل تنحى محمد كاظم حائر أيضًا من الحزب ، وقد استطاع هذا الحزب بعد سقوط صدام لعب دور فعال في الحكومة العراقية الجديدة ورئيس الوزراء الأخيرين في العراق الجعفري والمالكي هما من حزب الدعوة .

- آية الله الحكيم والحكومة الإيرانية : في هذه الأعوام ، نظرًا لنفي آية الله الخميني إلى العراق ، قوي التيار المعادي للحكومة الإيرانية في النجف لكن آية الله الحكيم لم يكن مؤيدًا لهذا التيار وكانت رؤيته قائمة على وجهة نظر تقليدية وهي أن الشاه والحكومة الإيرانية يعرفان على أنهما داعمات للتشيع وآية الله الحكيم الذي كان يلاقي عنت البعثيين من الطبيعي أن يطمئن إلى هذا الدعم ويستحسنه ولم ترض هذه السياسة طلاب إيران الثوريين وبعض العراقيين .

طرد الإيرانيين من العراق:

هذه القضية كانت بدايتها في زمن آية الله الحكيم واستمرت بعد وفاته وقد استمر نزاع الحكومة الإيرانية والعراقية على المهاجرين الإيرانيين منذ بداية تأسيس الحكم الملكي في العراق وحتى إخراج عدد كبير من الإيرانيين في عام 1971 ، وفي هذه الأعوام كانت سياسة الحكومة العراقية واقعة بالأساس تحت ضغط الحكومة الإيرانية وتقييد نفوذ مراجع التقليد الإيرانيين في العراق واستغلال ذلك في النزاعات الإقليمية والدولية .

وفي فترة حكم البعثيين من عام 1967 وما تلاه تصاعدت وتيرة النزاع بين إيران والعراق وعلى الرغم من أن زعماء العراق كان قد توافقوا بشكل نسبي مع المناضلين الإيرانيين ضد الشاه فإنهم قد قاموا بأسوأ شكل بطرد الإيرانيين بما في ذلك الأشخاص العاديين والطلاب ورجال الدين وكانت آخر عمليات الطرد في عام 1975 ، وشملت عددًا كبيرًا من الوجوه المعروفة في النجف .

وكان هناك جانبًا آخر في هذا النزاع وهو ضبط الحدود وتشديد الإجراءات على تردد الزائرين وفي هذا الصدد أيضًا كانت توجد مشاكل منذ بداية العصر الملكي .

ففي فترة ما كانت الحكومة الإيرانية تفرض قيودًا على تردد الزائرين لتضغط بذلك على الحكومة العراقية وأحيانًا يكون الأمر بالعكس كانت تتعنت الحكومة العراقية لأسباب ما ، ومع توتر العلاقات بين الجانبين في مطلع عقد السبعينيات توقف تقريبًا توافد الزائرين .

هذه القضايا كان لها تأثيرها الخاص على العلاقات المتبادلة بين الأمتين الإيرانية والعراقية كدولتين ذات أغلبية شيعية . ومراجع التقليد في هذه الأثناء لم يكن بإمكانهم سوى إصدار البيانات .

وكانت عملية طرد الإيرانيين قد أثارت اعتراض كثير من مراجع التقليد الإيرانيين المقيمين في إيران وعدد من مراجع التقليد الإيرانيين في العراق . وفي هذا الصدد اعترض الإمام الخميني مرات ومرات ، وكانت نتيجة هذه الاعتراضات أن هدأت موجة الطرد هذه . وفي هذا الصدد أيضًا قلما اعترض آية الله الخوئي ومن المؤكد أنه قدمت قائمة بتوصية من آية الله الخوئي أو آية الله محمد باقر الصدر للحكومة العراقية ليتم استثناؤهم من عملية الإخراج وبعبارة أخرى يمدون لهم فترة الإقامة .

وكانت النتيجة الأساسية لهذه النزاعات ، الفصل الكامل بين العراق وإيران للذين على مدى تاريخهما كانا متمازجين في هذه الأعمال التي قام بها لأسباب أيديولوجية حزب البعث الحزب القومي العربي .

مرجعية آية الله الخوئي في النجف:

كانت المرجعية التقليدية للشيعة قد انتقلت إلى النجف منذ وفاة آية الله بروجردي وقد تبلورت هذه المرة في شخصية آية الله الخوئي . وفي هذه الفترة قام حزب البعث بالهجوم على حوزة النجف وكانت أحد مهام السيد الخوئي الدفاع عن الحوزة المنكوبة وكان الهدف الإبقاء على أكبر عدد من الطلاب والفضلاء الإيرانيين .

وفي هذا الوقت كانت الحكومة العراقية تتبنى إستراتيجيتين حيال المرجعية الشيعية الأولى ، أن يكون المرجع في حوزة النجف عربيًّا لتحد بذلك من نفوذ إيران الثانية ، أن يكون المرجع أداة طيعة في يد الحكومة تحركها كيف شاءت .

ومن المؤكد أنه اتخذت إجراءات في هذا الصدد ولكن نظرًا لطبيعة المرجعية لم يتحقق هذا المطلب ومن المؤكد أن حزب البعث قد عمل على التضييق على حوزة النجف ليقلل بذلك من نفوذها .

وفي أعوام " 1344 – 1357 / 1965 – 1978 " كان آية الله الخميني في حوزة النجف وكان له أتباع ومقلدون كثيرون في إيران ومن خلال إمكانياته المالية كان يلعب دورا في حوزة النجف مختلفًا عن آية الله الخوئي وكانت الحكومة البعثية تعمل على تكوين جبهة ضد الحكومة البهلوية من المعارضين الإيرانيين .

وكانت تعمل أيضًا على ضبط إيقاع نشاط المناضلين . ومع هذا لم يكن الإمام الخميني متفائلا بأعمال حزب البعث ولم يكن مستعدًّا لأي نوع من التوافق مع الحكومة البعثية وبمجرد تحسن العلاقات بين إيران والعراق وتزامنًا مع تصاعد المظاهرات في إيران ضد الشاه أجبرت الحكومة العراقية آية الله الخميني على ترك العراق .

ومع قيام الثورة ودخول حزب الدعوة ساحة النضال ضد حكومة البعث وأيضًا بداية الحرب الإيرانية العراقية ، أصبحت الأوضاع أكثر صعوبة بمراحل ودخلت تطورات الحوزة العلمية بالنجف في هذه الفترة مرحلة من الإبهام والغموض والصمت المميت ، وطوال فترة الحرب بين إيران والعراق لم يطلق آية الله الخوئي أي كلمة ضد إيران .

ومع هذا ، وعلى الرغم من طرد عدد كبير من العلماء وإعدام عدد آخر كان لا زال هناك عدد من الوجوه الكثيرة يعيشون في جنبات هذه الحوزة ، ولم يكن في نية حكومة البعث أن تزيد من حدة مواجهتها العلنية مع الحوزة بشكل أكثر من ذي قبل حتى تعزل نفسها عن العرب الشيعة في المنطقة ، وأثناء انتفاضة 1991 بذل آية الله الخوئي آخر مساعيه لتنظيم شؤون الشيعة في الجنوب الذي ظل لفترة خاليًا من أشكال الحكم ، وبعد ذلك تضاعفت القيود إلى أن توفي في الثامن من صفر 1413 الموافق 8 / 8/ 1992 م ودفن في عملية تعتيم تامة .

العمل على خلق مرجعية عربية :

مضى ذلك الزمان الذي كان يعمل فيه حزب البعث على السيطرة على المرجعية وتقييدها ، وكان الحل هو البحث من بين العلماء العرب في العراق على مرجع يدين بالولاء للبعث ويعترف له بالجميل ، وبهذا الشكل يكون مرجعًا عربيا ويكون أيضًا في قبضة الحكومة . وبهذا الشكل تم اغتيال شخصين هما آية الله غروي وبروجردي . وتمت مهاجمة آية الله السيستاني لكن لم يسفر الهجوم إلا عن قتل خادمه .

وأثناء حياة آية الله الخوئي ، كانت مرجعية سيد محمد صدر " 1362 – 1419 / 1943 – 1999 " الذي كانت أسرته إحدى أسر النجف الأصيلة ، موضع اهتمام وكان هو ومحمد باقر الصدر أيضًا من تلامذة آية الله الخوئي ، وبعد وفاة آية الله الخوئي أصبحت مرجعية سيد محمد صدر وبدعم من جهاز الحكومة الدعائي مطروحة أكثر من ذي قبل .

 



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل -4.38 من 5التصويتات 8تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع