قناة الإخبارية: الجامعة العربية تدين اعتداءات ميليشيا الحوثي على المملكة *** قناة الإخبارية: الحكومة اليمنية تطلب عقد جلسة خاصة لـ مجلس الأمن حول خزان النفط العائم صافر *** العربية: إيران تسجل 200 وفاة بكورونا في حصيلة قياسية خلال 24 ساعة *** العربية: البرلمان العربي يدين جريمة اغتيال هشام الهاشمي في العراق *** العربية: وكالة إيرانية تؤكد مقتل شخصين في انفجار وقع في مصنع بالعاصمة طهران
  • الجمعة 10 يوليو 2020م
  • الجمعة 19 ذو القعدة 1441هـ
تحليلات إخباريةالقاعدة والعشائر ومصائب العراق الأخرى
د. عبد الوهاب الأفندي

القدس العربي/21-1-1429 هـ

في دراسة أعدها أحد ضباط الجيش الأمريكي عام 2005، طرح التساؤل: هل القاعدة حركة إرهابية أم حركة مقاومة مسلحة؟ وخلص في إجابته إلي الخيار الثاني. وبحسب الضابط فإن الفرق الأساسي بين الحركة الإرهابية وحركة المقاومة المسلحة هو أن الأولي في الغالب حركة سرية معزولة ذات عمق سياسي محدود وأهداف سياسية محدودة. أما الثانية فهي تتمتع بعمق سياسي ودعم شعبي ولوجيستي من قطاعات تساند أهدافها السياسية التي تتمثل في الغالب إلي السعي إلي قلب نظام الحكم او تغيير الأوضاع الإقليمية.

ويري الضابط (وهو المقدم مايكل موريس) أن القاعدة نشأت في أفغانستان كحركة مقاومة مسلحة، ولكنها تحولت إلي السرية بعد إسقاط الطالبان، ولكنها ما تزال تملك مقومات العودة إلي وضعها ذاك عبر توسيع تحالفاتها في الوسط الإسلامي. ويخلص موريس إلي ضرورة تغيير استراتيجية محاربة القاعدة لأخذ هذا الوضع في الاعتبار. فمحاربة الحركات الإرهابية المعزولة يختلف عن التعامل مع حركات المقاومة التي تملك سنداً شعبياً مقدراً.

المقدم موريس كتب دراسته هذه قبل أن تتحول القاعدة بالفعل إلي تنظيم مقاومة مسلحة في العراق وتتخذ منه قاعدة جديدة بعد أن فقدت مؤقتاً قاعدتها الخلفية في أفغانستان، مما يجعل من استنتاجاته نبوءة أكثر منها تحليلاً لواقع. القاعدة بدأت بالفعل كجزء من حركة مقاومة مسلحة في أفغانستان ولكنها في تجليها الأخير (عندما أعلنت إنشاء الجبهة العالمية لمحاربة اليهود والصليبيين في عام 1998) كانت عبارة عن تحالف بين تنظيمات سياسية مسلحة من عدة بلدان، أهمها السعودية ومصر وليبيا. وقد كان لها من قبل امتدادات غير رسمية بين الحركات السلفية في الجزائر (تحولت إلي علاقة رسمية فيما بعد).

هذا التحالف خلق مشاكل جديدة لحركات كانت تعاني أصلاً من مشاكل تتمثل في فشل الجولة الأولي من مواجهتها مع الأنظمة وفقدانها للملاذات الآمنة. وكانت أبرز هذه المشاكل تحالف الأنظمة ضدها وتحول الدول الغربية إلي العداء المكشوف معها بعد إعلانها الحرب علي الولايات المتحدة. وقبل ذلك كانت معظم الدول العربية لا تبالي كثيراً بالحركات المسلحة التي تستهدف دولاً أخري، بينما كانت الدول الأوروبية تمنح اللجوء السياسي للهاربين من تلك الدول. ولكن مع إعلان هذه التنظيمات العداء السافر لدول غربية، وتحالفها معاً، تغيرت الصورة، وأصبحت هذه التنظيمات مطاردة في كل مكان، حتي قبل الحادي عشر من ايلول (سبتمبر). أما بعده فقد أصبح الأمر مختلفاً. المفارقة أن حرب أمريكا المزعومة ضد الإرهاب أعادت للتنظيم قواعده التي فقدها في أفغانستان وباكستان، وفتحت له أقاليم جديدة في العراق. وقد استفادت القاعدة من الفضاء الذي فتحته المقاومة العراقية التي استضافتها القاعدة وسمحت لها بالعمل في ساحتها الخلفية. ولكن هذا الوضع كان إشكالياً منذ البداية، لأن نجاح القاعدة في تثبيت أقدامها في مناطق معينة من العراق كان يعني أن تصبح هي ومناطقها هدفاً للقوات الأمريكية. فالإدارة الأمريكية التي تذرعت بأعذار واهية لغزو العراق ما كانت لتسمح بأن تقع أجزاء منه تحت سلطة القاعدة علناً. فمن الممكن أن تنسحب القوات الأمريكية من مناطق في العراق لصالح فصائل من المقاومة المحلية، ولكن أي إدارة لن تستطيع أن تبرر انسحابها لصالح القاعدة.

مهما يكن فإن أهم مزية تتمتع بها حركات المقاومة للجيوش النظامية هو صعوبة تحديد أماكن وجودها. أما إذا أصبحت هذه القوات تحتل مناطق معينة وتتولي إدارتها فإن الجيوش النظامية تستطيع القضاء عليها بسرعة. ولهذا كان من السهل علي القوات الأمريكية أن تهزم الجيش العراقي أو قوات الطالبان، ولكنها واجهت مشكلة كبري مع فصائل المقاومة التي ظهرت بعد ذلك. ومن هنا فإن القاعدة لم يكن لها مستقبل في العراق إلا إذا ذابت في فصائل المقاومة الأخري، وتوقفت عن التصرف كشركة عابرة للقارات، مثل ماكدونالدز أو مايكروسوفت، تصر علي إعلان ماركتها المسجلة في كل موقع وكل عملية.

التنظيم واجه مشكلة أخري نبعت من إصراره فوق ذلك في العراق علي انتهاج موقف أيديولوجي ضيق يشبه ذلك الذي أدي إلي انهيار الجماعات السلفية المتشددة في الجزائر، وذلك بإثارة القضايا الخلافية واستخدام القوة المسلحة لحسم هذه الخلافات. وكان نتيجة ذلك تعدد الانشقاقات علي نهج الخوارج، وانفضاض الأتباع عن القيادات المتحاربة. وفي العراق أضاف رجال القاعدة وحلفاؤهم استهداف المواطنين العراقيين من غير المحاربين، خاصة الشيعة، مما أورثهم عداء قطاع واسع من المواطنين. وكانت نهاية المطاف نفاد صبر المحيط السني من قياداتها، وثورة زعماء العشائر ضد القاعدة وتحالفهم مع القوات الامريكية.

عودة سلطان زعماء العشائر يمثل في حد ذاته نكسة أخري من النكسات التي مني بها العراق، وهي ظاهرة برزت منذ أواخر عهد نظام صدام حسين. وقد مثل إحياء النعرات العشائرية والطائفية في العراق ـ وفي بلدان عربية أخري كثيرة ـ أحد مظاهر فشل وانهيار الأنظمة السياسية ذات الدعاوي العريضة، وتحولها إلي ما يشبه عصابات المافيا. وقد عمدت هذه الأنظمة إلي إحياء هذه النعرات الانقسامية بعد أن كانت أوشكت أن تتلاشي لصالح فكرة المواطنة المشتركة والتنظيمات السياسية والمدنية الحديثة، وذلك لضرب المواطنين بعضهم ومنعهم من التوحد ضد النظام الاستبدادي الحاكم.

في العراق نجد أن النظام العشائري قد تقاطع مع النظام الطائفي، كما هو الحال في حركة مقتدي الصدر التي تمثل تحالفاً طائفياً عشائرياً. وبينما كانت الطائفية والعشائرية تتنكر في العهد السابق في أزياء قومية أو حداثية، فإنها مع النظام الذي نشأ مع الاحتلال أصبحت عارية من كل تنكر. فقد أصبحت الطائفية هي أساس تقاسم السلطة في ردة أعادت العراق إلي زمن البويهيين، مع الفرق هو أن الخليفة التي يحكم باسمه الناس ويدعون له علي المنابر هو الإمام جورج بن بوش التكساني نفعنا الله به آمين. وقد ولدت هذه الطائفية ـ العشائرية (أو العشائرية التي تكتسي أزياء متنوعة منها الزي الطائفي) ردة فعل مضادة من القطاعات الأخري، فأصبحت الطائفية مفروضة علي الجميع، حتي من يرفضها. فالمرء يقتل أو يختطف أو ينسف لأن أسرته من هذه الطائفة أو تلك بغض النظر عن موقفه الشخصي.

من ناحية المبدأ، ليس هناك ما يعيب في الانتماء إلي عشيرة أو طائفة معينة والاعتزاز بذلك. ولكن الإشكال يأتي في العشائرية والطائفية، وهي تحول الطائفة أو العشيرة إلي سجن لأفرادها وحرب علي من هم خارجها. ويتبع هذا عودة أشكال متخلفة من القيادات الوراثية تخضع الجميع لنسقها الاستبدادي الوراثي. ومن المؤسف أن نري قيادات كنا نظنها عاقلة مستنيرة تنساق وراء هذه النعرات وتتعبد في محرابها، فيسمعون ويطيعون لصبية سودوهم عليهم لأنهم من أسرة فلان وسلالة علان، في مسلك لا يمكن وصفه إلا بالانتهازية والعجز.

من المنطق أن يقال ان الاستبداد ومن بعده الاحتلال عمل علي إحياء النعرات الطائفية علي مذهب فرق تسد ، ولكن لهذه الحجة محدوديتها، لأنه كان بوسع القيادات المعنية أن ترفض هذا النهج القبلي. فما يسمي بالمذهبية أو الطائفية ما هو في الحقيقة إلا قبلية ضيقة. فليس كل من ولد في أسرة شيعية هو من أنصار الأئمة، وليس كل من ولد في أسرة سنية من أتباع المذاهب السنية. بل إن كثيراً ممن يرفعون هذه الرايات لا يؤمنون بالإسلام أصلاً، أو لا يلقون بالاً لأي من تعاليم الدين. ولكنا نراهم في الخنادق يدعون بدعوي الجاهلية، وينادون بنصرة هذا المذهب أو ذاك ضد المارقين عليه، وإنما هي عصبية قبلية لا غير. ولو رأي الإمام الحسين أو الخليفة عمر أيا من الفريقين لتبرآ منهما، خاصة حين يرون الرايات التي تدعي بهم وصلاً تخفق وراء الدبابات الأمريكية، وكفي به إثماً مبيناً في حق أئمة الإسلام.

ومن المؤسف أن نري أن القيادات ذات التوجه العلماني ترفع راية الطرح اللاطائفي، وتدعو إلي وحدة الشعب العراقي تحت راية المواطنة المتساوية، بينما نري القيادات التي تدعي التوجه الإسلامي تتدثر وراء أقبح الشعارات الطائفية، وتمارس القتل والتعذيب والإقصاء باسم الله ورسوله والأئمة الصالحين، والله ورسوله أبرياء من هؤلاء ومنكراتهم.

كما كررنا مراراً فإن الذنب ليس هو ذنب الاحتلال الذي زعم تحويل العراق إلي واحة للديمقراطية في العالم العربي، وحوله إلي مستعمرة يحاول الآن تسليمها إلي ميليشيات قبلية لا تعرف الديمقراطية ولا تريد أن تسمع بها. ولكن اللوم علي القيادات قصيرة النظر التي انتهجت النهج الماكيافيلي الذي يمني النفس باستغلال ثنائي الاحتلال والعشائرية لكي يحقق أغراضاً يراها نبيلة، فيكون كمن يغتسل بمياه المجاري حتي يتطهر!

الطريف في الأمر هو أن السنة العرب كانوا (أو بعضهم علي الأقل) الوحيدين الذين صدقوا هذا الوعد حول الديمقراطية، ولذلك دخلوا اللعبة السياسية بأحزاب وتنظيمات حديثة غير مدعومة بميليشيات قبلية. والمفارقة أيضاً هي أن ما يسمي بالصحوات حالياً في الوسط السني سيعيد هذا الوسط إلي الساحة في نفس الصورة التي دخلتها بها القوي الأخري، أي أن السنة العرب ستكون لهم ميليشياتهم القبلية مثل الشيعة والأكراد، مما يعيد بعض التوازن إلي اللعبة غير الديمقراطية، ويؤكد نهائياً عودة العراق إلي ما قبل العصور الوسطي.

من هنا يجب أن نفهم وجه اعتراض حكومة المالكي علي قيام حركات الصحوة (الأصح أن تسمي حركات الردة العشائرية) وتعامل الجيش الأمريكي معها. فالقاعدة كانت تمثل رصيداً سياسياً لأنصار الحكم الطائفي، ليس فقط لأنها كانت تقسم وتضعف السنة العرب وتوفر حافزاً للقوات الأمريكية لدعم أعدائهما بغض النظر عن هويتهم، بل إنها كانت بأساليبها الدموية في القتل علي الهوية وطائفيتها المتطرفة تساعد في استمرار التفاف الشيعة حول الميليشيات التي تدعي الدفاع عنهم. فإذا تم إقصاء القاعدة فإن ميزان القوي قد يتحول. ذلك أن تصميم أمريكا علي استهداف إيران سيجعلها تصطدم مع شيعة العراق عاجلاً لا آجلاً، وهي لم تثق يوماً بقياداتهم. وعليه فإن إضعاف القاعدة قد يجعل الولايات المتحدة تتجه إلي دعم تحالف بين الأكراد والسنة العرب و الشيعة المعتدلين بهدف عزل أنصار إيران. وقيام الميليشيات العشائرية المتحالفة مع أمريكا سيدعم هذا التوجه.

الخلاصة هي أن المرض العراقي هو مرض عراقي أصيل، تجذر في قيادات البؤس وضيق الأفق، وليس اللوم في ذلك علي القاعدة أو الاحتلال أو المقاتلين الأجانب، فلولا أن الأجانب من محتلين وقاعديين وجدوا الضيافة والترحيب لما أقاموا في العراق. فليتق هؤلاء القادة الله في أنفسهم وبلادهم ويسارعوا بالتوصل إلي وفاق حقيقي قبل أن تمتد الحرب التي أشعلوها فتحرق كل بلاد العالم الإسلامي.

ہ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن

 



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل 0.00 من 5التصويتات 0تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع