قناة الإخبارية: الجامعة العربية تدين اعتداءات ميليشيا الحوثي على المملكة *** قناة الإخبارية: الحكومة اليمنية تطلب عقد جلسة خاصة لـ مجلس الأمن حول خزان النفط العائم صافر *** العربية: إيران تسجل 200 وفاة بكورونا في حصيلة قياسية خلال 24 ساعة *** العربية: البرلمان العربي يدين جريمة اغتيال هشام الهاشمي في العراق *** العربية: وكالة إيرانية تؤكد مقتل شخصين في انفجار وقع في مصنع بالعاصمة طهران
  • الجمعة 10 يوليو 2020م
  • الجمعة 19 ذو القعدة 1441هـ
تحليلات إخباريةانتصار لبناني في الاتجاه المعاكس
فيصل جلول

ميدل إيست أون لاين 17-9-1429هـ / 17-9-2008م

لبنان الذي يقيم علاقات دبلوماسية مع سوريا لم يعد ذلك البلد الذي زعمت نخبته 'ان قوته في ضعفه' بل في تصديه لعدوه الاسرائيلي الوحيد وفي عقيدة جيشه الجديدة.

وصف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي اقامة علاقات ديلوماسية بين لبنان وسوريا بـ"الخطوة التاريخية"، وهو محق في وصفه، ذلك أن فرنسا التي أخترعت حدود الدولتين في بلاد الشام ورسمت خطوطها الفاصلة خلال الحرب العالمية الثانية كانت تتطلع إلى اعتراف كل منها بالاخرى عبر التمثيل الدبلوماسي وتوقيع وثائق الخرائط الحدودية حتى تنتظم صناعتها لتاريخ منطقتنا المعاصر وتمهر باختام المؤسسات الدولية.

ويتراءى لي أن باريس كانت تتوجس من اهمال دمشق وقسم وافر من اللبنانيين للعلاقات الدبلوماسية وترسيم الحدود كما يتوجس رجل وضع يده على عقار وأخذ ينتفع به ثم سجله في الدوائر العقارية دون أن يحصل على صك الملكية وإذ جاءه اطلق العنان لمشاعر احتفالية مشوبة بغصة ستضح خلفيتها في السياق.

وإذا كان تبادل السفارات بين لبنان وسوريا يختم سيرورة تاريخية تعكس الارادة الفرنسية في ترسيم بلاد الشام، وإذا كان يعكس انتصارا لفريق متنوع من اللبنانيين المناهضين لسوريا فانه بالمقابل يطرح سؤالا كبيرا حول معنى هذا "الانتصار" و وجهته.

يستدعي السؤال فرضيتين أولاها أن ترسيم السفارات والحدود يختم سيرورة هجومية كان فريق من اللبنانيين يستخدمها في الصراع مع سوريا معتبرا ان اصرارها على رفض التمثيل الدبلوماسي بين الدولتين يعكس نظرتها الى لبنان بوصفه اثرا من اثار اتفاقية "سايكس بيكو" التي يتوجب محوها.

ولربما يرى هذا الفريق ان انشاء سفارة لبنانية في عاصمة الامويين يشكل اعترافا سوريا صريحا بـ"سايكس بيكو" وبالتالي يردع دمشق عن التدخل في الخيارات السياسية اللبنانية ويوفر لبيروت تغطية دولية لتلك الخيارات حتى لو كانت مناهضة لسوريا.

والفرضية الثانية تقول أن تبادل السفارات يتيح لسوريا هامشا أكبر للمناورة في تعاطيها مع لبنان لانه يحررها من الاطماع المنسوبة اليها بضم هذا البلد ومحوه من الوجود دون الاضطرار الى تغيير حرف واحد في الايديولوجيا البعثية الوحدوية وبالتالي يطلق يدها في التصرف بحدودها مع جيرانها اللبنانيين وفق مصالحها ودون لومة لائم:

فرض نظام التأشيرة إذا احبت.

فرض ضرائب على البضائع والمعاملات التجارية وفق ما تشتهي.

تحويل السفارة في بيروت الى مقر نفوذ شرعي علني لا يقل اهمية عن السفارات الاخرى والغربية بخاصة.

اقفال الحدود مع لبنان اذا ما اقتضت الضرورة السورية.

اقفال المجال الجوي...الخ. مع التذكير أن سوريا هي البوابة الوحيدة للبنان واللبنانيين نحو العالم العربي. تبقى الاشارة الى ان التمثيل الدبلوماسي يحرر اصدقاء سوريا في لبنان من تهمة التفريط بـ"الكيان" ويضفي المزيد من الشرعية على استراتيجيتهم النازعة لاقامة علاقات استراتيجية مع دمشق تحت شعار "دولتان في بلد واحد".

كان يمكن لتبادل السفارات وترسيم الحدود ان يتحول الى هزيمة لسوريا وانتصار للسياديين اللبنانيين "المزعومين" لو توفرت الشروط التالية:

اولاً: سقوط النظام الحالي في دمشق وقيام نظام ـ دمية على غرار النظام العراقي الخاضع للاحتلال والهيمنة الاميركية.

ثانيًا: لو لم يستخدم فريق واسع من اللبنانيين مفهوم السيادة في اطار ايديولوجي مؤيد لسوريا ومناهض لاعدائها وبخاصة اسرائيل ولعل هذه الفريق هو الاقوى في لبنان اليوم وهو الضامن لعلاقات ثابتة بين البلدين ولتحويل التبادل الدبلوماسي الى ورقة دفاعية عن سوريا وتجريده من نزعته الهجومية.

ثالثًا: لو ان التمثيل الدبلوماسي جاء تتويجا لثقافة سياسية لبنانية شاملة ملائمة للكيانيين اللبنانيين الذين اعتبروا ويعتبرون ان السيادة اللبنانية تكون ضد سوريا حصرا.

رابعًا: لو أن الحدود بين الدول كانت من نفس الطبيعة التي تميزت بها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين حيث كان نظام الدولة ـ الامة هو السائد في العلاقات الدولية.أما اليوم فان حدود الدول فقدت قدسيتها وصارت الدول المتوسطة القوة كفرنسا وبريطانيا مضطرة للتخلي عن قسم كبير من سيادتها وفتح حدودها والتخلي عن عملتها حفاظا على مصالحها.

خامسًا: لو أن العولمة لم تجرد القسم الاكبر من دول العالم من السيادة على اجوائها ومقدراتها الاقتصادية والثقافية.

سادسًا: لو أن النظام الدولي لم ينتهك بعد نهاية الحرب الباردة من طرف القوة الاعظم في العالم بحيث صارت الامم المتحدة وهي الجهة الوحيدة الضامنة لسيادات الدول واستقلالها اشبه بحائط مبكى لايضمن سيادة احد ولا استقلاله ولا حتى مصيره والعراق مثال ساطع هذا اذا اردنا اهمال امثلة اخرى لا تقل سطوعا.

يملي ما سبق القول أن "الانتصار" الدبلوماسي المذكور قد يكون تاريخيا في الاعتقاد الفرنسي بوصفه استكمالا للخريطة السياسية التي رسمها الفرنسيون في بلاد الشام اواسط القرن الماضي وقد يكون صالحا لرواية فرنسية تاريخية وليس لعلاقات القوى الراهنة التي حولت الكيان اللبناني من مكان اريد له في "سايكس بيكو" أن يكون مناهضا لسوريا وظهيرا للدولة الصهيونية فإذا به يتحول الى قاعدة حقيقية تصدر الكوابيس للصهاينة في معرض الدفاع عن النفس.

إن لبنان الذي يقيم علاقات دبلوماسية مع سوريا لم يعد ذلك البلد الذي زعمت نخبته "ان قوته في ضعفه" بل في تصديه لعدوه الاسرائيلي الوحيد وفي عقيدة جيشه الجديدة ولم يعد ذلك البلد الذي يطبق دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة وانما "اتفاقية الطائف" التي ترسم علاقات استراتيجية مع سوريا حصرا.

ولعل حال الفريق اللبناني الذي كافح من اجل التمثيل الدبلوماسي مع سوريا اقرب في هذا السياق الى "هزيمة المنتصر" منه الى انتصار المهزوم.



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل 0.00 من 5التصويتات 0تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع