قناة الإخبارية: الجامعة العربية تدين اعتداءات ميليشيا الحوثي على المملكة *** قناة الإخبارية: الحكومة اليمنية تطلب عقد جلسة خاصة لـ مجلس الأمن حول خزان النفط العائم صافر *** العربية: إيران تسجل 200 وفاة بكورونا في حصيلة قياسية خلال 24 ساعة *** العربية: البرلمان العربي يدين جريمة اغتيال هشام الهاشمي في العراق *** العربية: وكالة إيرانية تؤكد مقتل شخصين في انفجار وقع في مصنع بالعاصمة طهران
  • الجمعة 10 يوليو 2020م
  • الجمعة 19 ذو القعدة 1441هـ
تحليلات إخباريةحتى لا تكون فتنة بين السنة والشيعة
د. عبد الوهاب الأفندي

جريدة القدس العربي 23-9-1429هـ / 23-9-2008م

دارت خلال العام الماضي حوارات مكثفة بين مجموعة من المهتمين بالشأن الإسلامي في بريطانيا كان محورها تدهور العلاقة بين السنة والشيعة على خلفية ما يشهده العراق من مصائب. وقد أسفرت هذه المشاورات عن إنشاء منبر سمي منتدى الوحدة الإسلامية رسالته تتلخص في وقف هذا التدهور عبر فتح أبواب الحوار والتقريب بين وجهات النظر. وقد عقدت لهذا الغرض عدة لقاءات إضافة إلى مؤتمر دولي عقد في لندن في صيف هذا العام للإعلان عن المنتدى وأهدافه وأيضاً لإطلاق الحوار المطلوب.

ولعل كثيرين لم يسمعوا بهذا المنتدى ونشاطه إلا بعد البيان الذي صدر باسمه مؤخراً حول الضجة التي أثارتها تصريحات الشيخ يوسف القرضاوي ورد بعض المصادر الإيرانية عليها، حيث دعا البيان إلى تجنب إثارة القضايا الخلافية بصورة تعمق الشقاق، وإلى تشكيل لجان عمل مشتركة لمعالجة هذه القضايا في هدوء وبين أهل الاختصاص. ولكن إذا كانت الضجة المذكورة وتصدي المنتدى لها تؤكد أهمية مثل هذه الجهود لبناء الجسور وإطفاء الحرائق، فإنها أيضاً تذكر بأن مثل هذا الجهد وحده لا يكفي. فلابد أولاً من النفاذ إلى جذور المشكلة حتى تكون المعالجة بالمستوى المطلوب.

وفي الحوارات التي دارت بين يدي تأسيس المنتدى كان من الواضح أن جذور الخلاف الحالي هي سياسية لا مذهبية. فالصراع الدائر في العراق هو صراع سياسي اكتسب صبغة طائفية ذات طابع قبلي (حتى لا نقول جاهليا). ففي زمان القتل على الهوية لا يمكن وصف من يفجرون المصلين في المساجد في وقت الإفطار في شهر رمضان المعظم بأنهم بشر، ناهيك عن أن يكونوا مسلمين من هذ المذهب أو ذاك. وبين الطرفين نجد أن الانتماء للفئة بالهوية يصبح مقدماً على المذهب والإيمان به. فمن كان سنياً بالانتماء الأسري والتاريخ لا يتم الالتفات إلى عقيدته الحقيقية، وما إذا كان ملحداً أو مجرماً، بل ينصر ظالماً أو مظلوماً. وبالمثل فإن الشيعي أصلاً يلقى الانحياز إليه حتى إن كان لا يؤمن بالله ورسوله، فضلاً عن ان يكون نصيراً لآل البيت. وبينما يدافع كثير من السنة عن تجاوزات نظام صدام حسين ويقللون من شأنها، رغم أن صدام لم يكن يرفع راية سنية، فإننا نجد بالمثل أن كثيراً من الشيعة، رغم تضخيمهم لتلك التجاوزات، يغضون النظر عمن شارك فيها من الشيعة بدعوى أنهم كانوا مكرهين.

لكل هذا كنا نقول إن من تضييع الوقت التعامل المذهبي مع هذا الخلاف، ومعالجته عبر حشد علماء دين يتحدثون عن القواسم المشتركة بين المذاهب وغير ذلك من التكرار الممل لما هو معلوم بالضرورة. ذلك أن ما جعل الحالة العراقية جرحاً نازفاً وشرخاً يهدد وحدة الأمة هو أمر لم يبدأ بالخلاف المذهبي ولن ينتهي بزواله، بدليل أن هناك خلافات داخلية في الطائفتين السنية والشيعية حول القضايا موضوع النزاع، بينما نجد أن الأكراد وهم من السنة أقرب في هذه المعركة إلى الشيعة منهم إلى السنة العرب الذين يشاركونهم المذهب. وبنفس القدر فإن السهولة التي تجد فيها الدعاية الطائفية آذاناً صاغية في العالم العربي حين يكون العراق هو الموضوع تقابل برفض الغالبية لأطروحات القلة التي تريد إثارة النعرات الطائفية لكي تنال من 'حزب الله' اللبناني.

من هنا يتضح أن بداية الحل لا بد أن تكون البحث عن توافق عراقي-عراقي على أساس التعايش المتكافئ في الوطن. وقد كنا ننعى على إخوتنا في الحكومة العراقية عدم بذل الجهد الكافي لحل إشكالاتهم مع أخوتهم في الوطن بدل تضييع الوقت في انتقاد بقية العرب لعدم تضامنهم معهم، إذ لو أن الائتلاف الحاكم قدم للسنة العرب ربع ما قدم للأكراد من تنازلات لكانت المشكلة انتهت، ولحل الوئام في العراق بعد التوافق على مطالبة عراقية إجماعية لانسحاب قوات الاحتلال.

وبالمقابل كان بعض الإخوة يريد الدخول في جدل عقيم حول نفي وجود احتلال في العراق، أو القول بأن كل الدول العربية محتلة، وغير ذلك من صنوف السفسطة التي لا تقدم أو تؤخر في الوقت الذي يموت فيه عشرات العراقيين يوماً، وتتمزق فيه الأمة مع تمزق العراق وأشلاء أبنائه المقتولين ظلماً وعدواناً.

كون الخلاف السياسي هو جوهر المشكلة لا ينفي أن الخلاف المذهبي يمكن أن يكون بدوره مصدر توتر. وقد شهدنا هذا في الفتاوى التي تصدر من البعض بالتكفير، أو ما يثار من اتهامات من قبل المتطرفين في الجانبين. وقد كشفت تصريحات القرضاوي والردود عليها أن هذا الجانب بدوره يحتاج إلى معالجة. وقد أثار القرضاوي نقطتين، الأولى سب الصحابة من قبل بعض غلاة الشيعة، والثانية المساعي المنهجية لنشر المذهب الشيعي في البلاد السنية.

وتجدر هنا الإشارة إلى أن هذه لم تكن هذه أول مرة يورد فيها الشيخ القرضاوي هذه الاعتراضات، فقد أوردها بصورة أقوى في مؤتمر الدوحة للتقارب بين المذاهب في كانون الثاني/يناير عام 2007، حين قال إنه لن يحدث تقارب بين السنة والشيعة ما لم تحسم قضية سب الصحابة ووقف ما وصفه بالتبشير المبرمج بالمذهب الشيعي في المناطق السنية إضافة إلى وقف القتل المذهبي في العراق. وقد رفض القرضاوي حينها احتجاج آية الله التسخيري بأن نشر المذهب الشيعي لم يكن عملية منظمة وإنما يقوم بها أفراد، قائلاً إن 'التبشير الشيعي هو أمر مبرمج وترصد له ميزانيات وله برامجه العملية'. وأضاف القرضاوي في كلمته إن فكرة التقريب على المحك، وأنها تواجه امتحانا كبيرا، 'إما أن تنجح وتؤتي أكلها وإما أن نفض السيرة'، خاصة وأن جهود التقريب بدون مصارحة وتحديد أسباب المشاكل لن تؤدي إلى شيء.

ولا شك أن النقطة التي أثارها القرضاوي لا يمكن تجاوزها. ذلك أن كل محاولات تجاوز الخلاف تنطلق حالياً من أن الخلافات المذهبية هي خلافات تاريخية تجاوزها الزمن، وأنه ليس من المفيد اجترار مناكفات تاريخية تعود إلى حقب سابقة. ولكن الترويج للمذهب الشيعي في مناطق السنة لا بد أن يستتبع إحياء تلك المجادلات. فمن حق الشيعة بلا جدال الدعوة لمذهبهم، لأنهم لو لم يكونوا مقتنعين بأنه حق لما اعتنقوه. ولكن بنفس القدر فإن من حق السنة عندها الدفاع عن مذهبهم وأنه الأصح، وبالمثل الدعوة له في المناطق الشيعية. وهذا يفجر الخلافات التاريخية مجدداً لأنه يعني استعادة كل السجالات القديمة.

وهنا لا بد من قرار استراتيجي: هل نريد أن نفتح أبواب الصراعات المذهبية من جديد، أم هل نريد احتواءها؟

كنت قد قلت في أحد هذه الملتقيات إن أضعف الإيمان في لقاءات التقارب ألا تتحول بدورها إلى أسباب جديدة للشقاق، خاصة وأن البعض يصر في هذه الملتقيات على إثارة عين القضايا الخلافية التي لم تحسمها قرون من الجدل. وقد كشف السجال الذي حدث في مؤتمر الدوحة العام الماضي (وأيضاً بعض لقاءات منتدى الوحدة الإسلامية في بريطانيا) وتمت استعادته عقب تصريحات القرضاوي الأخيرة أن هذه مشكلة ما تزال قائمة.

وفي رأيي أن هناك منهجين ضروريين (ومتلازمين) لإنجاز التقارب بين المذاهب. أما المنهج الأول فهو النقد الذاتي من قبل كل أصحاب كل مذهب، إذ أنه من غير المفيد أن يأتي كل طرف إلى الحوار بمسلماته ويطلب من الآخرين القبول بها. وكما هو الحال في كل خلاف من هذا النوع، فإن كل طرف يملك جزءاً من الحقيقة، وهو ما أشار إليه القرآن في النعي على 'الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون'. ولكن من يفرح بما عنده من نصف الحقيقة أوربعها أو دون ذلك، ويتمسك بها تمسكاً أعمى، يغفل بالضرورة عن النصف الباقي عند الآخر. وعليه لا بد من أن يقوم كل مذهب بنقد متعمق لمقولاته ولممارسات أصحابه التاريخية والحالية بغية استبعاد كل ما يخالف الأصول القرآنية المتفق عليها حتى لا يبقى إلا ما يفيد التقارب. وليس من المناسب، كما هو الحال في معظم اللقاءات التي تعقد للتقارب أن يأتي كل طرف وهو يريد من الآخر أن يقدم التنازلات على طريقة 'اخلع صاحبك ولأثبت صاحبي'، وهو ما لن يؤدي إلى نتيجة.

أما المنهج الثاني فهو محاولة تخطي عين فكرة الانقسام المذهبي والتقارب بين المذاهب بغية الانطلاق إلى مرحلة ما بعد المذاهب. فالتهديد الذي يواجهه الإسلام، بل الدين عموماً، في العصر الحديث لا يخص مذهباً دون مذهب. ولكي تكتسب المذاهب الإسلامية القابلية للبقاء والتكيف في عصر الهجمة المادية الإلحادية المعاصرة لا بد من أن تطهر نفسها من كثير من الشوائب التاريخية والإضافات على الأصل القرآني. وعندما ينتهي هذا التطهير سنجد أن الناتج لن يحتاج إلى 'تقريب'، بل سيكون ناتجاً يجده الطرفان مقبولاً. وقد شهدنا سوابق عملية طور فيها مفكرون شيعة (مثل السيد جمال الدين الأفغاني وعلي شريعتي والسيد حسين نصر) وسنة (مثل محمد إقبال ومالك بن نبي وسيد قطب) نظماً فكرية وجدت القبول عند السنة والشيعة معاً، بل إن غالبية من يتلقون فكر هؤلاء الأعلام لا يكادون يذكرون إلى أي مذهب ينتمي المفكر.

وفي هذا العصر الذي توفرت فيه أدوات علمية للتدقيق في الوقائع التاريخية والأقوال المنسوبة للأولين، لا بد من أن تستخدم هذه الأساليب الحديثة لنقد التاريخ الإسلامي بمجمله نقداً علمياً متعمقاً ومتجرداً. ويمكن أن تنشأ لهذا الغرض أكاديميات إسلامية يشارك فيها علماء (بالمعنى الأوسع، وليس بالمعنى الضيق لدارسي النصوص التقليدية) من الجانبين لتقديم دراسات مشتركة تتناول الجوانب المختلف عليها من التاريخ الإسلامي بالتدقيق، وتتولى تمحيص النصوص وتاريخيتها بتجرد علمي بعيداً عن التعصب الطائفي. ولا شك أن صعوبات كثيرة سوف تعترض مشروعاً كهذا، كما أن القيادات التاريخية قد لا تقبل النهج العلمي حكماً في الخلاف، ولكنها إن أمكن البدء فيها ستكون خطوة طيبة لتجاوز الخلاف كلية بدلاً من البقاء أسرى له حتى من قبل من يتصدون للمعالجة.

' كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن

 



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل 0.00 من 5التصويتات 0تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع