قناة الحرة: السفارة الأميركية في بغداد تحذر رعايها من ارتفاع حدة التوتر *** قناة الإخبارية: البحرين: تخريب السفن قبالة الفجيرة عمل إجرامي يهدد حركة الملاحة البحرية *** العربية: قائد الحرس الثوري: الوجود الأميركي في الخليج "كان تهديدا وأصبح فرصة *** العربية: الأمم المتحدة: الحكومة اليمنية ستعيد انتشارها في الحديدة عندما يطلب منها ذلك *** العربية: مجلس التعاون الخليجي يدين تعرض سفن مدنية لأعمال تخريبية قرب المياه الإقليمية للإمارات
  • الخميس 27 يونيو 2019م
  • الخميس 24 شوال 1440هـ
تحليلات إخباريةالبعد المنهجي في مواقف الإمام القرضاوي
سالم الشيخي

جريدة المصريون 17-10-1429هـ / 17-10-2008م

إن من المقدمات الممهدات في قواعد الموضوعية والإنصاف -وهي التي يتغنى الكثير بها اليوم -أن تؤخذ مواقف العلماء والمفكرين في سياقها، وأن توضع في نسيجها المتكامل المترابط، وأن يجمع النظير إلى نظيره ليتشكل بعد ذلك الحكم النهائي -وهو حكم اجتهادي -على مواقف هؤلاء العلماء وآرائهم واجتهاداتهم.

وهذه المقدمة -وعلى الرغم من وضوحها- إلا أنها قد غابت عن كثير ممن أثارتهم التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الإمام القرضاوي –حفظه الله-حول الموقف من المد الشيعي في المنطقة السنية من العالم الإسلامي، ودور الحكومة الإيرانية في ذلك وهو الدور الذي يتم عبر جهود منظمة تسير وفق خطط مرسومة ما عادت تخفى على العامة فضلاً عن أهل الرأي والحكمة.

فبعض الذين كتبوا منتقدين - وهم للأسف من المقربين للإمام القرضاوي - وعلى رأسهم بعض الصحفيين - الذين كانوا ولفترة قريبة يُعدّون عند جيل الصحوة الإسلامية من المؤلفة قلوبهم على المشروع الاسلامي، إلى أن سعى الإمام القرضاوي إلى تقريبهم بأقواله ومواقفه لأبناء الصحوة؛ لينالوا بعض الثقة والطمأنينة - هؤلاء خاطبوا الإمام القرضاوي ببديهيات القول ومقدمات الفهم حول ضرورة إعمال فقه الموازنات والأولويات فيما يتعلق بالموقف من المشاريع الإيرانية، وكذلك مقدمات الفهم حول ضرورة التمسك بوحدة الأمة في وجه المشروع الأمريكي الصهيوني، وكأن الإمام القرضاوي -حفظه الله -قد دخل الى الساحة العلمية والفكرية بالأمس القريب ولا علاقة له بوحدة الأمة في مواجهة أعدائها ومناوئيها، وللأسف فإن هؤلاء قد خاطبوا الإمام بلغة الصحفيين المعهودة في استبطان روح الاستعلاء والأُستاذية، وكان خطابهم كالذي يعلّم إماماً من أئمة القراءات وعَلم التجويد درساً في أحكام النون الساكنة والتنوين !! وقد نسي هؤلاء أو تناسوا أن هذا الإمام قد عاش كقدر أعمارهم يعلّم ويكتب ويعظ ويحاضر في ضرورة التمسك بوحدة الأمة وتجميع صفوفها ضد أعدائها.

وإن تعجب فعجب حديثهم للإمام عن ضرورة نسيان البعد التاريخي للخلاف بين الشيعة والسنة، وحتمية البدء من نقطة الصفر الواقعية في العلاقة بينهما وكأنهم قد سمعوا من الإمام القرضاوي تباكياً على الأحداث المؤلمة والمآسي التاريخية في هذه العلاقة حتى يظن القارئ لما قالوا أن الإمام القرضاوي-حفظه الله -ممن يقذف بعمامته ويلطم وجهه وصدره ويمزق ثيابه على هذه المآسي كما يفعل بعض من تحدث إليه عن ضرورة نسيان أحداث الماضي ومآسيه العظام.

أعود فأقول إن القضية المركزية التي غابت عن كثير من هؤلاء - وهي الأصل المنهجي والقاعدة التصوّرية التي يصدر عنها الإمام القرضاوي في كل مواقفه وآرائه ومن ذلك الموقف الأخير بشأن المد الشيعي - هي مفتاح الفهم لمواقف الإمام القرضاوي واجتهادته، وقبل أن أبدأ في بيان هذه القضية أحب أن أذكر أن السجال الفكري الذي حدث خلال شهر مضى بشأن تصريحات الإمام القرضاوي قد وقع وأنا في حالة سفر ثم أعقبته وعكة صحية تأخرت بسببها عن الكتابة في الموضوع ولو بالقليل.

أقول هذا حتى أدفع الظن عن شيخنا وإمامنا في أننا تأخّرنا في الكتابة دفاعاً عنه وإنصافاً لمواقفه.

وبعد هذا التأخير ظننت أنه قد كفاني غيري مؤونة الكتابة في هذه القضية، فلما أرجعت البصر كرتين فيما كُتِب، رأيت ضرورة المشاركة بهذه الكلمات إنصافاً لشيخنا ونصرة لعلمائنا.

وخلاصة البعد المنهجي الذي لم يفهمه خصوم الإمام القرضاوي أن موقف الإمام قد ارتكز على قاعدة التفريق بين المشروع الفكري والثقافي الإيراني والذي يرتكز على المذهب الشيعي عقيدة وفهماً، وبين المشروع السياسي الذي يرتكز في ظاهره على مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني، وأهل العلم والفكر في مواقفهم من مخالفيهم باعتبار هذه القاعدة وهذا الأصل على طرفين وواسطة.

فالطرف الأول ويمثله مجموعة من العلماء والمفكرين من أهل السنة الذين رأوا ضرورة الوصل بين المشروعين وتبني موقف العداء والمواجهة ضد المشروع السياسي لإيران بحجة رفضهم وعدائهم للمشروع الفكري و الثقافي لها.

وهؤلاء رأوا أنه لا ينبغي الوقوف بحال إلى جانب الحق الإيراني في المسألة النووية، ولا ينبغي كذلك الوقوف بالدعم والمساندة لحزب الله في لبنان عندما وقف في مواجهة الاعتداء الصهيوني على لبنان عام 2006 وغير ذلك من المواقف السياسية، كل ذلك بحجة الخلاف العلمي والفكري بين السنة والشيعة، وكذلك لأن إيران لا تفصل بين المشروعين، فدعمها في مشاريعها ومواقفها السياسية يتضمن لا محالة دعمها في مشاريعها الفكرية والثقافية.

ولبعض هؤلاء موقف من الإمام القرضاوي لا يقل ضراوة عن الموقف الحالي لأقطاب وآيات النظام الإيراني، ولهم في ذلك مقالات ومؤلفات وردود على منهجية الإمام القرضاوي تتركز حول الاتهام للإمام بأنه يخلط بين السنة والبدعة، وأنه يُداري الشيعة على حساب أهل السنة والجماعة وغير ذلك من الاتهامات والأباطيل.

أما الطرف الثاني فهم مجموعة ممن يحبون أن يوصفوا بالمفكرين الإسلاميين، وبعض الصحفيين والإخباريين الذين رأوا ضرورة الغفلة والإهمال في التعامل مع المشروع الفكري والثقافي الإيراني -ذي الخصائص الشيعية - ؛ بحجة التمحور حول المشروع السياسي الإيراني في مواجهة المشروع الأمريكي في المنطقة، وهؤلاء يدافعون بشدة عن هذا الموقف ويكاد الإنسان أن يحكم عليهم بمواقفم أنهم سفراء لإيران عند أهل السنة، خاصة في المؤسسات الكبرى كاتحاد علماء المسلمين ونحوه وذلك من شدة ولائهم للمشروع السياسي الإيراني في المنطقة.

والإنسان لا ينقضي عجبه من هذا الموقف الذي يُنبني على قراءة قاصرة للماضي والحاضر بكل تجاربه وتفاعلاته. فهم إما أنهم لا يعرفون الواقع ولا يدركون تفاصيله ولا يقدّرون حجم المد الشيعي في المنطقة السنية وآثاره السلبية على مستقبل الوحدة الإسلامية التي يعزفون على لحنها - وهو المد الذي لم يعد خافيا على الرأي العام السني فضلا عن من يزعم المتابعة والتأمل- وإما أنهم يعلمون ذلك ويتستّرون على الحقيقة ويغلّفونها بمعسول القول بالحديث عن وحدة الأمة وضرورة تماسكها وهم بذلك يخونون الأمة التي يكتبون في صحفها ويسترزقون من جرائدها ومجلاتها. وإما أنهم لا يرون بأساً من هذا المد أصلاً ولا فرق عندهم أن يكون الإنسان على أي مذهب كان، حتى لو كان فيه من الانحرافات والغلو ما فيه في ظل موازين مذهب أهل السنة الذي ينتمون إليه.

وهذا عندي أقرب الاحتمالات للواقع وذلك أن أكثر هؤلاء لا علاقة لهم بفقه السنة وحقائقها والتي تمثل الشطر الأول من تسمية الطائفة التي ينتمون إليها وهم أهل السنة والجماعة، وسوف نتحدث بالتفصيل عن خطورة الفصل بين السنة والجماعة في مقال آخر بإذن الله.

هذان هما الطرفان في الموقف من القضية المنهجية التي ذكرناها.

أما الواسطة، فيمثلها الموقف الذي وفـّق إليه الإمام القرضاوي -وهذا ليس بالغريب عنه فهو الذي قضى قرابة نصف قرن يُؤصّل ويؤسس لمنهج الوسطية والاعتدال -، فقد فرّق بوضوح بين الموقف من الاختراق الثقافي والفكري ذي الأسس الشيعية -وهو الذي تدعمه إيران ومواليها في المنطقة السنيّة بكل قوة -وبين الموقف من المشروع السياسي الإيراني وهو الذي ظاهره الوقوف ضد المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة الإسلامية.

وهذا المنهج لدى الإمام واضح جلي لمن أراد أن يسلك طريق الإنصاف والعدل، فالكل قد تابع دفاع الإمام عن حق إيران في المسألة النووية، مع دفاعه عن كثير من مواقفها السياسية العادلة، والكل سمع بمواقفه من وجوب نصرة حزب الله ضد الاعتداء الصهيوني على لبنان.

وفي ذات الوقت فإنّ للإمام مواقفَ عملية لإظهار الحرص على وحدة الصف الإسلامي - والتي اتُّهِمَ بالغفلة عنها-، من ذلك اختيار التسخيري أن يكون نائبا له في اتحاد علماء المسلمين والكل يعلم أنه لولا دفع الإمام القرضاوي وحرصه على ذلك لما دخل التسخيري أروقة الاتحاد أصلاً.

وبمصاحبة هذه المواقف العلمية والعملية المتعلقة بالموقف من المواجهة بين إيران والعالم الغربي بشأن المسألة النووية وما شابهها وبالموقف من وحدة الصف الإسلامي: لم يغفل الإمام عن الموقف الصحيح من اختراق البنية التصوّرية لأهل السنة والجماعة من أتباع الحكومة الإيرانية الذين يبذلون كل ما استطاعوا في سبيل نجاح هذا الاختراق، وقد كانت كلمة الإمام صريحة صادقة في عدة مؤتمرات ولقاءات جمعته مع القادة السياسيين والدينيين في إيران وغيرها من أتباع المذهب الشيعي ناصحا لهم صادقا في نصحه: أن لا يتجاوزوا الحدود الفكرية والفقهية في المناطق السنية وأن لا يستثمروا ولا يستغلّوا روح الوحدة والائتلاف التي امتلأ بها قلب الإمام القرضاوي -حفظه الله -لتمرير مشاريع الاختراق الشيعي للمناطق السنية.

وبهذا يَبرُز البُعْدُ المنهجي الوسطي لموقف الإمام القرضاوي حفظه الله والذي أعلنه بوضوح خلال الأسابيع الماضية.

وقبل الختام أحب أن أؤكد على أن هذا الموقف الوسطي - فضلاً عن كونه يمثل المنهج الوسط الذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة في باب الانصاف ونحوه - فهو كذلك مما دلّت عليه العقول السليمة والفطر السوية فاجتمع على حسنه الشرع والعقل والفطر.

فالمتابع لهذه المنهجية في المواقف السياسية والفكرية والثقافية لعدد من قيادات الغرب السياسيين والاجتماعيين، يكتشف أنها واضحة لديهم وضوح الشمس في رابعة النهار، فهم رغم توافقهم - أحياناً - في المشاريع السياسية الخارجية، وإجماعهم - أحياناً أخرى - على بعض المواقف السياسية: إلا أنهم وفي كل دولة من دول العالم الغربي لا يسمحون لأي طرف من الأطراف أن يخترق البنية الثقافية والخصوصية الفكرية للطرف الآخر.

فهذا جاك شيراك يرفض وبكل قوة -وهو في منصب الرئاسة- السماح بافتتاح مطعم ماكدونالد الأمريكي في برج إيفل رمز الثقافة الفرنسية، ويعتبر ذلك نوعاً من الاختراق الثقافي الأمريكي للمجتمع الفرنسي، وهذه أمريكا في المقابل تعتبر أن لحظة النصر على الاتحاد السوفييتي - سابقاً - ليست هي سقوط هذا الاتحاد وتفكك أوصاله بل هي في افتتاح أول مطعم ماكدونالد في باحات موسكو، وهذه وسائل الإعلام الأمريكية ما زالت تحارب الأفلام والمسلسلات الفرنسية بحجة الخوف من اختراق نمطية الفن الأمريكي؛ ما دعا أهلَ الفن في فرنسا أن يطالبوا المعاملة بالمثل مع الأفلام الأمريكية. ولعل في الإنذار الذي صدر عن عدد من علماء الاجتماع في بريطانيا تحذيراً من اختراق الثقافة الأمريكية للثقافة البريطانية التقليدية عبرةً لمن يعتبر.

فقد تناولت بعض الدراسات في هذا الصدد أدنى أنواع الاختراق حتى على مستوى اللباس والزي، وذكرت بعضها أنه منذ عشرين سنة كان ارتداء الأساتذة في الجامعات الزّيّ الأمريكي لا يزيد عن عشرة في المئة وأنه قد وصل في السنوات الأخيرة إلى أكثر من ستين في المئة، واعتبرت ذلك نذيرَ سوء على هذا النوع من الاختراق.

فإذا كان هذا شأن العقلاء في قضايا فكرية وثقافية لا علاقة لها بوحي السماء، فكيف هو شأن العلماء في قضايا مرتبطة بآخر الرّسالات السماوية وبهدي خاتم الأنبياء صلّى الله عليه وسلّم ؟ فجزى الله الإمام القرضاوي خيرا وكتب له ذلك في موازين الحسنات والحمد لله رب العالمين.

وللحديث بقية.

سالم الشيخي

مدير مركز السلام لدراسات المسلم الأوربي وعضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث

 



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل 0.00 من 5التصويتات 0تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع