قناة الإخبارية: الجامعة العربية تدين اعتداءات ميليشيا الحوثي على المملكة *** قناة الإخبارية: الحكومة اليمنية تطلب عقد جلسة خاصة لـ مجلس الأمن حول خزان النفط العائم صافر *** العربية: إيران تسجل 200 وفاة بكورونا في حصيلة قياسية خلال 24 ساعة *** العربية: البرلمان العربي يدين جريمة اغتيال هشام الهاشمي في العراق *** العربية: وكالة إيرانية تؤكد مقتل شخصين في انفجار وقع في مصنع بالعاصمة طهران
  • الجمعة 10 يوليو 2020م
  • الجمعة 19 ذو القعدة 1441هـ
تحليلات إخباريةالاتفاقية الأمنية وصراع الإرادات بين واشنطن وبغداد
د. سعيد الشهابي

جريدة القدس العربي 29-10-1429هـ / 29-10-2008م

ثلاثون عاما من الاضطراب الأمني والسياسي لا تبدو كافية، وما تزال بغداد تستعد لدخول معترك خطير، قد لا يقل خطرا عما سبقه، ان لم يكن أشد منها. فالمواجهة "السياسية" مع الامريكيين اصبحت شبه محتومة، ولا يبدو هناك مخرج يسير منها، خصوصا مع تخندق الطرفين في مواقعهما وشعور كل منهما بصعوبة التراجع او التنازل او المساومة بشأن قضايا يعتبرها جوهرية او استراتيجية.

يبدأ المشهد العراقي المعاصر بحرب ضروس انطلقت في ايلول (سبتمبر) 1980 باجتياح عراقي للاراضي الايرانية. استمرت الحرب ثمانية اعوام مخلفة وراءها مئات الآلاف من القتلى والمعوقين من الطرفين، ودمارا ما تزال آثاره شاهدة على ضراوة الحرب. وحصلت حرب أخرى دفع الشعب العراقي ثمنها غاليا، عندما شنت قوات التحالف في مطلع 1991 بقيادة الولايات المتحدة حربا عارمة لـ "تحرير الكويت". تلك الحرب دمرت العراق للمرة الثانية خلال عقد واحد. ودخل العراق بعدها مرحلة الحصار الدولي الذي أدى الى الموت والدمار على نطاق لم يكن له مثيل قبل ذلك. ثم تجددت معاناة اهل العراق عندما شنت القوات الانكلو ـ أمريكية في 2003 الحرب ضد بغداد وأسقطت نظام حزب البعث بقيادة صدام حسين. وربما افترض البعض ان تلك الحرب كانت الفصل الأخير من مأساة العراقيين. ولكن حوادث السنوات الخمس الماضية كشفت ان الوضع العراقي مرشح للمزيد من الأزمات والتعقيدات والاضطرابات.

فقد جاءت الفتنة الطائفية لتكرس التوتر الامني والسياسي ولتضعف الهوية الوطنية وتوفر للمحتلين فرصة البقاء الأطول، وتضعف الحماس لمشروع التحرير من الاحتلال. ولذلك تمكن الامريكيون من البقاء وتمديد محنة العراق، بابقائه محكوما بالبند السابع من قرارات مجلس الأمن الدولي التي تجيز استخدام القوة ضد أية دولة لا تلتزم بالقرارات المدرجة تحت هذا البند. وكان العراق قد أدرج تحت ذلك البند في أعقاب الاجتياح العراقي للكويت.

اما الفصل الأخير الذي بدأت ملامحه تتضح بشكل ملفت للنظر في الفترة الاخيرة فيتمثل بالاصرار الامريكي على توقيع الاتفاقية الامنية مع العراق، وهي وثيقة مثيرة للجدل، وتعتبر التحدي الأكبر للوضع السياسي القائم حاليا. فعلى مدى الشهور الماضية طرح ما يسمى "الاتفاقية الاستراتيجية" التي أعدتها الولايات المتحدة على الجانب العراقي بهدف اقرارها، ولكن أدرك العراقيون انها تحتوي على بنود غير مقبولة ولا تنسجم مع مبدأ السيادة. ولا تبدو خلافات كبيرة حول الجانب الاول من الاتفاقية، المتعلق بتنظيم العلاقات الثقافية والاقتصادية، ولكن المشكلة تبرز في القسم الثاني الذي يسمى "اتفاقية وضع القوات(SOFA) Status of Forces Agreement.

والمعروف ان وجود تلك القوات سوف ينتهي قانونيا في نهاية شهر كانون الاول (ديسمبر) المقبل، طبقا لقرار مجلس الامن الدولي. وبالتالي فامام العراق خياران: ان يطالب بتمديد قرار مجلس الامن الذي ينظم وجود تلك القوات، او الدخول في اتفاقية امنية مع الولايات المتحدة. وتسعى واشنطن لتمرير الاتفاقية قبل نهاية كانون الاول (ديسمبر)، وتلمح الى احتمال عدم قبولها بالعمل تحت مظلة قرار مجلس الامن، فيما لو تم تمديده. وكان العراق قد طلب من مجلس الامن الدولي العام الماضي تمديد وجود القوات الاجنبية للتعاطي مع التحديات الامنية التي لم تنخفض حدتها الا مؤخرا. اما الاتفاقية المزمعة مع الولايات المتحدة فمدتها ثلاثة اعوام، قد تمدد او تلغى. ووفقا لهذه الاتفاقية فعلى القوات الامريكية الانسحاب الى المعسكرات مع نهاية 2009، على ان تنسحب "القوات القتالية" بشكل كامل مع نهاية 2011.

ماذا تعني "القوات القتالية"؟ وماذا يعني مصطلح "قوات التدريب" التي "قد تبقى بعد انتهاء مدة الاتفاقية؟ ولماذا ربط الانسحاب بالاستقرار الامني في كل هذه البنود؟ هذه العبارات الفضفاضة وغيرها من بين سمات الغموض في الاتفاقية المقترحة التي أحدثت بلبلة شديدة في الاوساط العراقية، ما تزال قائمة. وحتى الجهات العراقية القريبة من الولايات المتحدة كمجموعة أياد علاوي، دعت الجانب الامريكي الى "الشفافية" بعد ان ادركت ان الترجمة العربية للاتفاقية المزمعة غير مطابقة للنص المكتوب باللغة الانكليزية، والنسخة المترجمة هي التي ستعرض على البرلمان العراقي للنظر فيها.

الامريكيون حددوا شرطا بان الانسحاب يكون مشروطا بتحسن الاوضاع الامنية، الامر الذي يرفضه العراق. فهناك شعور عام بقدرة العراقيين على ادارة الملف الامني بشكل قد يكون افضل من الجانب الامريكي، ويكفي الاشارة الى العمليات الامريكية في افغانستان وباكستان التي يسقط ضحيتها يوميا عشرات القتلى من المدنيين بسبب "الأخطاء" الفنية والعسكرية من القوات الامريكية. وقد عانى العراق كثيرا من هذه "الأخطاء".

ولا تقتصر التحفظات العراقية على التفصيلات في الجانب العسكري، بل تصل ايضا الى الجوانب التشريعية. وهنا تبرز حصانة الجنود الامريكيين عقبة كأداء في طريق توقيع الاتفاقية المزمعة. فالامريكيون يرفضون اخضاع جنودهم للاجهزة القضائية في الدول الاخرى، وقد رفضت واشنطن التوقيع على اتفاقات روما التي تنظم عمل المحكمة الجنائية الدولية، انطلاقا من رفضها اخضاع جنودها لتلك المحكمة. وتجدر الاشارة الى ان الثورة الاسلامية في ايران تعود بجذورها الى قرار البرلمان الايراني في 1963 بمنح الجنود الامريكيين حصانة من القضاء الايراني في حال ارتكابهم جرائم على الاراضي الايرانية. منح الحصانة للامريكيين دفع الامام الخميني لرفض ذلك القرار واعتبر ذلك هزيمة للشعب الايراني، ودفعه للثورة ضده، فكانت المظاهرات والاحتجاجات التي قتل فيها آلاف المتظاهرين. ومن هنا يصر العراقيون على رفض البنود التي تتضمنها الاتفاقية والتي تنص على حصانة الجنود الامريكيين امام القضاء العراقي. وهذه مسألة حساسة جدا لدى الامريكيين، كما هي لدى القادة العراقيين خصوصا المرجعية الدينية. هذا مع العلم ان كافة الدول العربية والاسلامية التي وقعت اتفاقات دفاعية مع الولايات المتحدة، بما فيها دول الخليج، قد وافقت على منح الامريكيين حصانة من المثول امام اجهزتها القضائية. الفرق ان الاتفاقات الموقعة بين تلك الدول والجانب الامريكي لا تطرح للنقاش العام، ولا يصوت عليها علنا نظرا لعدم وجود برلمانات ديمقراطية حرة. اما في العراق، فبرغم الدعاية المضادة، فمن غير المتوقع ان يقر البرلمان العراقي الاتفاقية اذا كانت تنص على اعفاء الجنود الامريكيين من القضاء العراقي.

ما هي خيارات واشنطن؟ لا يبدو الجانب الامريكي في وضع يؤهله لفرض الاتفاقية بالقوة لأسباب عديدة، ومنها:

أولا: ان الانتخابات الرئاسية وانتخابات اعضاء مجلس النواب والشيوخ اصبحت في اوجها، وبالتالي فهناك انشغال سياسي من جانب، وغموض حول هوية الرئيس الجديد واعضاء الكونغرس من جهة اخرى.

ثانيا: ان الامريكيين لا يريدون ان يظهروا امام العالم مجددا على خلاف مكشوف مع النظام السياسي في بلد خاضوا حربا شرسة لاحداث تغيير جوهري في كيانه السياسي. ثالثا: ان المعارض الاساسي للبنود المثيرة للجدل هو الائتلاف الاسلامي الشيعي الذي يمثل الكتلة الكبرى في البرلمان، الامر الذي يجعل الامريكيين في مواجهة مع اغلبية الشعب العراقي اذا ارادوا التصدي للائتلاف.

رابعها: ان اي توتر مع بغداد سوف يصب لصالح القوى المعادية لامريكا، سواء ايران ام المجموعات المسلحة داخل العراق.

اما الجانب العراقي، فهو الآخر يواجه موقفا صعبا وهو يصر على احداث تغييرات في الاتفاقية. فحكومة المالكي أصرت على ذلك التغيير، الى الحد الذي دفع جون نغروبونتي، مساعد وزير الخارجية الامريكي، لمحاولة تجاوز رئيس الوزراء العراقي عندما زار العراق مؤخرا، وحصر المفاوضات حول الاتفاقية بالجانب الكردي الذي هو الأكثر استعدادا لاقرارها. بينما لم تعرب الاطراف الاخرى عن موقف حاسم بشأنها، حتى ان جبهة التوافق لم تبد الا اعتراضا خجولا للاتفاقية وأرجعت الامر الى الائتلاف الشيعي، بصفته المجموعة الكبرى.

وكان رئيس الوزراء العراقي قد زار المرجع الديني آية الله السيستاني في وقت سابق من هذا الشهر للتشاور معه بشأن الاتفاقية، وكان موقف المرجع الديني واضحا بان يكون للشعب العراقي رأيه من خلال ممثليه في البرلمان، وان تحفظ سيادة العراق بأي ثمن. هذه المواقف دفعت المسؤولين الامريكيين لعدد من المواقف:

اولها ما أعلن عنه قبل بضعة اسابيع باخضاع مكاتب رئيس الوزراء للتجسس المباشر من قبل الامريكيين.

وثانيها الايحاء بان واشنطن لن توافق على تمديد قرار مجلس الامن بشأن العراق، اذا لم يتم توقيع الاتفاقية قبل نهاية العام.

وثالثها: التهديد المبطن بسحب الحمايات التي توفرها للمسؤولين العراقيين، ورابعها تصعيد الضغوط الاعلامية على الجانب العراقي، وادعاء ان عدم توقيع الاتفاقية يعني ان الائتلاف أصبح أداة بأيدي النظام الايراني. وليس خافيا على احد ان ايران ترفض الاتفاقية وتعتبرها انتقاصا لسيادة العراق. وقد اصدر عدد من الفقهاء مواقف ضد توقيع الاتفاقية، ومن بينهم آية الله السيد محمد حسين فضل الله الذي اعتبر التوقيع مخالفة شرعية. خامسها ان الامريكيين يقاتلون على جبهة اخرى في أفغانستان لا تقل خطرا.

ما هي خيارات العراقيين؟ لا شك ان الوضع العراقي يتميز بالتعقيد والتداخل، خصوصا في ظل نظام سياسي غير متجانس في داخله. ومن اسباب ذلك نظام المحاصصة الذي يخضع الممارسة الديمقراطية للاعتبارات العرقية والمذهبية، والتوجه لاضعاف الحكومة المركزية من خلال اقتراح نظام فيدرالي يضعف المركز ويعطي الاطراف دورا يفوق حجمها، وقدرة الولايات المتحدة على استغلال التناقضات المجتمعية والدينية والعرقية للتأثير على قرارات المركز. فمع ان مشروع "مجالس الصحوة" قد أضعف دور تنظيم "القاعدة" فانها مرشحة لان تكون اداة لاضعاف الحكومة المركزية ايضا. مع ذلك فالعراقيون، فيما لو قرروا انهاء الاحتلال الامريكي لبلادهم، قادرون على رفض توقيع الاتفاقية الاستراتيجية خصوصا في شقها الامني. فالولايات المتحدة مقبلة على تغيير سياسي بعد الانتخابات المقبلة، وتدرك ان اي شرخ بينها وبين العراق سوف يفيد ايران والمجموعات الاخرى، وتعلم ان من غير مصلحتها ايصال العلاقة مع الحكم المركزي في العراق الى حالة التوتر الذي يظهر فشلا سياسيا لقادتها، ويساهم في تقوية التوجه العام ضدها في المنطقة. العراقيون يملكون اوراق ضغط غير قليلة، فلديهم ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، ويتوفرون على قدرات بشرية ذات كفاءة عالية.

صحيح انهم يعانون من مشاكل في مواجهة التحديات الامنية واعمال الارهاب، ولكنهم قادرون على الاعتماد على انفسهم برغم تلك التحديات. ومن المؤكد ان فك ارتباطهم الامني والعسكري مع الولايات المتحدة سوف يساعدهم كثيرا على الاعتماد على الذات وعدم الاتكال على الآخرين. وقد اثبتت التجربة ان العراقيين أقدر على ادارة الملف الامني من الامريكيين الذين تعاملوا مع الوضع بعقلية عسكرية بحتة بعيدة عن الانسانية وعن فهم الواقع العراقي وتعقيدات التركيبة الاجتماعية.

فالقوة وحدها لا تكفي لحسم اي صراع، ويؤكد ذلك عدم قدرة الامريكيين على حل الازمات السياسية في البلدان التي تدخلوا فيها بالقوة وحدها. يضاف الى ذلك ان الاوضاع الاقتصادية العالمية المتداعية والازمة المالية الحادة ساهمت في تحجيم الامكانات الامريكية واظهرت الحدود الطبيعية لما تمتلكه من قوة مالية ومادية. كما ان تلبد السماء السياسية بسحب "الحرب الباردة" نتيجة الاجتياح الروسي لجورجيا، أظهر ضعف واشنطن في مواجهة التحديات الاستراتيجية التي تواجهها.

العالم مذهول للتداعي الذي عصف بالاقتصاد العالمي ويهدد النظام المصرفي الذي يمثل عصب النظام الرأسمالي البشع. فما الذي استطاعت واشنطن عمله حتى الآن؟ انها تعاني من تداعي اسواق العقار منذ عام ونصف تقريبا، ولم تستطع التأثير عليها. وقد بلغ تململ الامريكيين من اوضاعهم الى الحد الذي يتوقع ان يدفعهم للتخلي عن المرشح الرئاسي الجمهوري لصالح باراك اوباما، للتعبير عن استيائهم ازاء سياسات الرئيس جورج بوش الجمهوري. ان امام العراق فترة صعبة، سوف يتجسد فيها صراع الارادات في أجلى صوره، بين واشنطن وبغداد. وما العملية العسكرية التي قامت بها القوات الامريكية في العمق السوري الا تأكيد بعدم اعتراف واشنطن بالسيادة العراقية.

وبالتالي لن تستطيع ايران مثلا الاعتماد على التطمينات التي قدمها الزعيم الكردي، مسعود بارزاني في زيارته الاخيرة لطهران، بان العراق لن يكون منطلقا لعدوان ضد الدول الجارة. وعلى العراقيين ان يستوعبوا معنى الوجود الامريكي على اراضيهم، ويعملوا بكل جهد لانهائه وعدم توفير شرعية قانونية له.

لقد أفتى العديد من الفقهاء بعدم جواز توقيع الاتفاقية وفق الشروط الامريكية، لان في ذلك تنازلا عن سيادة البلاد وحقوق شعبها. وليس هناك سياسي واحد مخول بهذا التنازل. فاذا لم يستطع مجلس النواب حسم الموقف، فليس هناك خيار سوى العودة الى الشعب لاستفتائه حول واحدة من أخطر القضايا التي تهمه وتؤثر على مستقبله. فليكن رأي الشعب هو الفيصل في هذه القضية الاستراتيجية التي تفصل بين السيادة والاحتلال، بين العراق المنتمي للأمة، والعراق المسلوب الارادة والموقف.

 

" كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

 



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل 0.00 من 5التصويتات 0تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع