قناة الإخبارية: الجامعة العربية تدين اعتداءات ميليشيا الحوثي على المملكة *** قناة الإخبارية: الحكومة اليمنية تطلب عقد جلسة خاصة لـ مجلس الأمن حول خزان النفط العائم صافر *** العربية: إيران تسجل 200 وفاة بكورونا في حصيلة قياسية خلال 24 ساعة *** العربية: البرلمان العربي يدين جريمة اغتيال هشام الهاشمي في العراق *** العربية: وكالة إيرانية تؤكد مقتل شخصين في انفجار وقع في مصنع بالعاصمة طهران
  • الجمعة 10 يوليو 2020م
  • الجمعة 19 ذو القعدة 1441هـ
المقالات ملفات إيرانية الحالة السياسيةإيران من الداخل بين اختلاف أهلها وخطط أعدائها
د. سعيد الشهابي

مشاهدات حية من زيارة متعمقة

إيران من الداخل بين اختلاف أهلها وخطط أعدائها

جريدة القدس العربي 9-11-1430هـ / 28-10-2009م

ربما ما يزال الوقت مبكرا للاستمتاع بمنظر الجليد الذي يغطي قمم جبال البورز في شمال طهران، ولكن أشعة الشمس المختلطة بما يشبه الضباب الناجم عن كثافة التلوث تدفع الناظر للتفكر في ما يجري في الشارع الايراني. انه شارع تختلط فيه حركة الناس بحركة السيارات واضطراب الأفكار، ويحتاج المارة الى مهارة في تلمس الطريق لا تقل عن مهارة السائقين الذين يسعون لتحاشي الاصطدام بالبشر، ولكن بدون التوقف الكامل. انه صراع يومي متواصل قلما يوجد له نظير.

هذا المشهد مصحوب بمشهد سياسي آخر يسعى فيه الفرقاء الذين لم ينسوا استحقاقات الانتخابات الرئاسية للاستمرار في طريقهم بدون الاصطدام المباشر مع الفريق الآخر.

هذا المشهد يصحبه مشهد آخر ايضا، تسعى فيه فرق التفتيش الدولية لتحاشي التصادم مع السلطات الايرانية حول اساليب تفتيش المنشآت النووية مع الاحتفاظ بالحق في التفتيش والبحث عن كل صغيرة وكبيرة في ما يتعلق بالمشروع المثير للجدل في العواصم الغربية. هذا المشهد مصحوب كذلك بمشهد يعكس صراعا مريرا بين ايران الثورة والدول الكبرى التي تسعى للامساك بالمارد الايراني الذي نجح في الإفلات من قبضتها منذ ثلاثين عاما، واصبح يتقن ذلك الفن بدرجة لا يرقى اليها نظام آخر.

هذا التمازج في انماط التعامل مع القضايا الملحة بين الداخل والداخل وبين الداخل والخارج، يجعل من الصعب على المراقب، مهما كانت تجربته وبراعته، التنبؤ بالحركة المقبلة من اللاعب الايراني الذي يجيد لعب الشطرنج جيدا، ويخطط، كما هم الآخرون، لاستهداف رأس الملك على لوحة الشطرنج في ضربة يأمل كل طرف ان تتوفر امامه، لينهي الشوط بالضربة القاضية. ولكن تجربة العقود الثلاثة الاخيرة تجعل تلك 'الضربة القاضية' من اي من الأطراف وضد أي منها أمرا أقرب منه الى الحلم منه الى الخيال. ولذلك تستمر الألاعيب السياسية والخدع الماكرة وتتعمق مشاعر التشكيك في النوايا، بشكل مضطرد برغم التصريح بغير ذلك والتأكيد المتكرر على 'الرغبة في فتح صفحة جديدة'.

فمن الذي يفتح هذه الصفحة؟ ومن الذي يطويها؟ من الذي لا يسمح للاعبين بالاستراحة فترة أطول من اللحظات التي تسمح بها طبيعة اللعب في مضمار السباق؟ وربما السؤال الأهم:

هل هناك من يستوعب تعقيدات الساحة الايرانية في هذا الخضم الهائل من المتغيرات؟ قد يعتقد البعض ان مهمة التعرف على فسيفساء السياسة الايرانية تكون أيسر عندما يضع رجليه في شارع 'ولي عصر' في قلب العاصمة الايرانية، ولكن التجربة الشخصية للكاتب أكدت ان ذلك غير متيسر. فالمشاركة في معرض الإعلام الذي نظمته وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي الاسبوع الماضي، أكدت تلك الحقيقة.

ولان المشاركة كانت ضمن الركن البريطاني، فقد وفر ذلك فرصة التحدث الى الشباب الايراني الذي يبحث عن جهات خارجية لبث همومه اليها. بعضهم يشيد بدور الـ بي بي سي التي تبث باللغة الفارسية، ما تعتبره السلطات 'سما مدسوسا في عسل'. بينما البعض الآخر يسأل عن الجامعات والتخصصات العلمية في الخارج. الشابات الجامعيات يبدين حماسا أكبر للحديث حول السياسة والخوض في الجدل حول ما جرى في ايران بعد المعمعة الانتخابية، فيما الشباب اكثر التصاقا بالمؤسسات الرياضية التي شاركت في المعرض. ولكن الامر تغير عندما جاء الشيخ مهدي كروبي، احد المرشحين الخاسرين في الانتخابات الاخيرة الى المعرض الذي أقيم في قاعة 'مصلى'، الذي شيد ليكون واحدا من أكبر مساجد العالم لكي يتسع لصلاة الجمعة التي تقام حاليا بجامعة طهران.

كان الاعلاميون يتوقعون تدخل قوات الشرطة والامن لفض 'التظاهرة' الصاخبة، برغم تواضع عدد المشاركين فيها، ولكن ذلك لم يحدث. فقد بدأت 'الحركة الاحتجاجية' وكأنها لفتة نظر لمن يهمه الامر بان مشاعر الجناح الذي خسر الانتخابات ما تزال متأججة. وربما سجل الشيخ نقطة احتجاجية وفرت للاعلاميين فرصة لالتقاط الصور وتضمين تقاريرهم شيئا من الاثارة، ولكن السلطات حققت، هي الاخرى نقاطا لا تقل اهمية. فكان عدم تدخل السلطات الامنية امرا حظي باعجابهم، وقال رئيس تحرير صحيفة بريطانية: لو حدث ذلك في بريطانيا لاعتقل المشاركون بتهمة 'اقتحام صالة عرض واثارة البلبلة'. وسجلت السلطات نقطة اخرى بان المعارضين فئة شبابية محدودة تحيط برموز الفريق الذي يعتبر نفسه 'اصلاحيا'. وقد تكرر الأمر نفسه عندما زار المعرض أحمد بهشتي، نجل الرمز الذي استشهد في السنوات الاولى بعد الثورة في حادثة تفجير مركز الحزب الجمهوري.

وثمة ابعاد لهذه الحركة المحدودة تعكس الواقع السياسي الايراني في الوقت الراهن. اولها ان ايران الدولة تمارس حياة طبيعية سواء على صعيد الادارة الداخلية ام على مستوى العلاقات مع الخارج. ثانيها ان الدولة اصبحت قادرة على التعايش مع الاحتجاجات طالما بقيت ضمن الاطر السلمية ولم تمارس العنف، ولذلك لم تعد هناك مواجهات الا بين المتظاهرين انفسهم، عندما تنبري فئة لدعم الرئيس احمدي نجاد والدفاع عن النظام في مواجهة مهاجميه. الثالثة: ان المعسكر الاصلاحي يشعر بالتلاشي التدريجي لحماس مؤيديه، وكان واضحا من خلال الحديث المباشر مع الشباب الايراني (ذكورا واناثا) حالة الاضطراب في الموقف السياسي، وحتى الذين صوتوا لصالح الفريق الاصلاحي اصبحوا يطرحون تساؤلات حول جدوى الاستمرار في الاثارة والاحتجاج بعد ان حسم الامر ولم يعد هناك مجال للدولة لكي تتراجع. الرابع: ان الفريق الاصلاحي بدأ يرتكب أخطاء استراتيجية تقلص شعبيته تدريجيا، خصوصا عندما يمارس اعمالا تبدو في نظر الرأي العام المحلي دعما لاجندات خارجية. ويشير المحايدون الى تنظيم الاصلاحيين مسيرة معارضة للمسيرة المليونية التي خرجت في شهر رمضان لاحياء يوم القدس العالمي. فقد كان هناك امتعاض كبير من ظهور المعارضين للنظام السياسي وكأنهم مناوئون لمسيرة تدافع عن القدس وتهتف ضد الصهاينة. وهناك اعداد لمظاهرة مناوئة للتظاهرات المتوقع خروجها في ذكرى السيطرة على السفارة الامريكية في 1979، عندما احتجز الدبلوماسيون الامريكيون احتجاجا على التدخلات الامريكية في الشؤون الايرانية.

انه خطأ استراتيجي يرتكبه الطرف المناوئ للرئيس احمدي نجاد، وبشكل غير مباشر لمرشد الثورة، آية الله السيد علي خامنئي. فتلك التظاهرات المناوئة لها بعدان: اولها انها تعطي الانطباع بان المعارضين غير ملتزمين بأجندة النظام التي كانت، وما تزال مرتبطة بفلسفة الثورة واهدافها. ثانيها انها تكرس حالة التمايز بين النظام الذي يعتبر نفسه مدافعا عن قضايا المسلمين عامة واستقلال ايران بشكل خاص، والفريق الاصلاحي الذي يعارض تلك الاجندة، ويسعى لاعادة صياغة هوية الدولة ضمن اطاريها العرقي والجغرافي. ويشير بعض المحسوبين على الاصلاحيين الى ضرورة التخلي عن ايديولوجية المواجهة مع الدول الغربية، واطروحة الاممية الاسلامية، واستبدال ذلك بعلاقات صداقة مع الغرب خصوصا الولايات المتحدة، والتخلي عن الاطروحة الدينية الاممية. ويؤكد ذلك الشعارات التي رفعت لمواجهة مسيرة يوم القدس، التي يقول احدها: 'حزب الله، حماس، انني أفدي ليران'، اي لا علاقة لي بالجهتين المذكورتين. الفريق الاصلاحي يسعى لاستغلال سياسات الرئيس نجاد للاثارة ضده، ولكنه لم يطرح بدائل حقيقية مقبولة، برغم ان نجاد، هو الآخر، ارتكب أخطاء ازعجت مؤيديه داخل النظام كتباطئه في اتخاذ اجراء ضد احد مستشاريه، السيد مشائي، بعد تصريح حول ما اسماه 'الشعب اليهودي'.

وتثار حاليا ضجة اخرى حول عزم نجاد على الغاء الدعم للسلع الاساسية مثل البنزين والخبز، التي يساء استخدامها بسبب تدني اسعارها المدعومة، وهي نقطة يعتبرها انصار البيئة ضرورية لتقليص التلوث والحفاظ على الموارد الطبيعية.

وفيما وصل فريق التفتيش التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية الى طهران، في إثر الاتفاقات الاخيرة بين ايران والدول الغربية، يبدو المسرح مهيأ للمزيد من المفاجآت السياسية والاستراتيجية وعلى صعيد العلاقات العامة. فايران في ظل ادارة نجاد وتوجيه المرشد الاعلى تواصل دبلوماسيتها التي تعتمد مبدأ 'الثبات على المبادئ والمرونة في التكتيكات'. فهي ملتزمة بمشروعها النووي والاحتفاظ بحق التخصيب وامتلاك التقنية اللازمة للتطوير، ومن جهة اخرى تمارس دبلوماسية مرنة، تتأرجح بين التحدي والانحناء امام العاصفة. طهران تدرك ان مناوئيها متورطون في أزمات تزداد حدة. فالولايات المتحدة وبريطانيا تواجهان ازمة حقيقية في افغانستان وما تزال حكومتا البلدين مترددتين في ارسال المزيد من الجنود في ظل تصاعد الرغبة الشعبية لوقف الخسائر البشرية المتواصلة. وكلا البلدين تواجهان ازمة اقتصادية حادة تتمثل بتصاعد ديونهما بشكل غير مسبوق. ففيما اعلنت الحكومة البريطانية ان ديونها بلغت 820 مليار جنيه استرليني ذكرت صحيفة 'التايمز' مؤخرا ان الديون الحقيقية تبلغ ثلاثة اضعاف ذلك. هذا الخلل الاقتصادي الرهيب يمثل أزمة عميقة خصوصا مع استمرار الانفاق الهائل على الحروب وتراجع الانتاج التكنولوجي الحقيقي لهذه الدول. ولولا الصادرات العسكرية العملاقة لكان الوضع أسوأ. ولذلك تعتمد سياسات هاتين الدولتين على اثارة الحروب والصراعات لتستمر الحاجة لأدوات الموت من طائرات وصواريخ وغيرها.

ايران ما تزال خارج دائرة تدوير الاموال النفطية بهذه الطرق غير الشريفة، فقد ساهمت عقود الحصار في زيادة الاعتماد على النفس في جوانب كثيرة، ولذلك لم يعد ثمة خطر يهدد امنها المعيشي او التكنولوجي برغم استمرار الحصار، وربما تكثف في الشهور المقبلة بسبب الملف النووي. مشكلة ايران الاساسية في الوقت الحاضر الصراع الايديولوجي الداخلي بين رموزها السياسية والدينية الذي ينخر في جسد الثورة ويصيب شبابها بالاحباط.

ايران والصراع مع الذات او اعادة النظر في الهوية ربما يكون العنوان الاوسع لما يبدو من حوار طرشان بين رموزها، وثمة حقيقتان يجدر استحضارهما لتحليل الوضع السياسي واستشراف المستقبل. اولاهما ان الأزمة لم تبدأ بالانتخابات الرئاسية الاخيرة وان كانت قد تفاقمت بسببها، بل تعود للمراحل الاولى بعد الثورة، وبالتحديد منذ عشرين عاما اي بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية حيث بدأ بعض اعمدتها يعيد النظر في ما كان يعتبره 'ثوابت' لا تتغير.

ثانيتهما ان الصراع الحالي ليس محصورا بهوية الرئيس، بل يتصل بمدى الاتفاق او الاختلاف حول القيادة، وبتحديد اكثر حول شخص الولي الفقيه. ويرى الجناح المحافظ ان منصب الولي الفقيه هو مادة الصراع، وان اية مساومة بشأن ذلك من شأنها التأثير على المسار العام للدولة والثورة. وبرغم المحاولات المتواصلة لانزال هذا الاختلاف الى الشارع، فما يزال في اطره العامة محصورا بالنخب السياسية والدينية، ويتضح ذلك من خلال الاحاديث مع الجيل الشاب من الفتيات والفتيان الذين يرددون بعض المقولات بدون وعي مضامينها الحقيقية. فايران التي لم تنقطع الكهرباء في اي من مناطقها طوال شهور الصيف الحارة (في الوقت الذي تعاني فيه بعض دول الخليج الصغيرة من هذه المشكلة) تعاني من ازمة بطالة متفاقمة كما يحدث في اغلب الدول في الوقت الحاضر، ولكن من يسبر غور شوارع طهران وضواحيها لا يستطيع الا ان ينظر باعجاب للتطور المعماري والتكنولوجي الذي تحقق في السنوات الاخيرة، ومتانة البنية التحتية التي يقوم عليها البناء الاقتصادي للبلاد، خصوصا في مجال التصنيع المتطور بما في ذلك المجالات الطبية والصناعات الصاروخية والطائرات والسيارات. انها قفزة نوعية فريدة، تحتاج لامن سياسي لكي تستمر وتزدهر.

مع ذلك فمن الضروري قرع اجراس الانذار ازاء ما يجري التخطيط له من الخارج، خصوصا ما يبدو من خطط لنقل ميدان المعارك مع تنظيم 'القاعدة' الى العمق الايراني. وما التفجير الذي حدث في بلوشستان قبل اسبوعين الا مؤشر للمحاولات الحثيثة من قبل التحالف المناوئ لايران، لاعادة صياغة ايديولوجية التنظيمات الارهابية الاسلامية لتصبح جزءا من الصراع الطائفي والمذهبي والعرقي كأسلوب مؤثر للضغط على ايران. هذه الخطط جميعا لا تستطيع التأثير على القاعدة الصلبة للنظام الاسلامي، ما لم تكن الارضية مهيأة لذلك، تلك الارضية التي توفر الخلافات بين القيادات السياسية والدينية منطلقا متينا لها. وما لم تتحرك الجهود لاحتواء المشكلة، فلا يستبعد دخول ايران في دوامة من التوتر الداخلي في الوقت الذي تحتاج فيه لتوافق ذاتي لمواجهة تحديات الخارج.

كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن.



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل 0.00 من 5التصويتات 0تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع