العربية: المتظاهرون الأحوازيون يقطعون الطرق الرئيسية في المدينة *** العربية: زعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي: على المجتمع الدولي دعم مطالب الإيرانيين *** العربية: السفير الأميركي في برلين: واشنطن تستطيع مساعدة الشعب الإيراني في التغلب على قطع الإنترنت *** العربية: وكالة مهر للأنباء: الاحتجاجات في إيران هى الأعنف مقارنة باحتجاجات عام 2017 *** قناة الإخبارية: إطلاق النار في شوارع مدينة الفلاحية بالأحواز
  • الثلاثاء 19 نوفمبر 2019م
  • الثلاثاء 22 ربيع الأول 1441هـ
تحليلات إخباريةالدب الروسي وثورات الربيع العربي.. سوريا أنموذجًا
عبد الرحمن أبو عوف
 

إذا سقط الأسد خسرنا كل شيء في المنطقة". من المؤكد أن هذا التصريح الذي جاء على لسان مسئول روسي رفيع المستوي يقدم مبررا للدعم السياسي المفتوح والغطاء الجيوستراتيجي الذي توفره الدبلوماسية الروسية لحليفها السوري، المتداعي بفعل ثورة شعبية دموية، وضعت مستقبل نظامه على المحك، ومعه معاهدة الصداقة والتعاون المبرمة بين موسكو ودمشق في بداية ثمانينات القرن الماضي، إبان الحقبة السوفيتية، وهي الاتفاقية التي يراهن عليها النظام العلوي لتوفر له طوق نجاة ضد أي عملية عسكرية غربية، بهدف إسقاطه وإنقاذ السوريين من أنياب قواته وشبيحته.

ولا شك أن خسارة حليف بحجم الأسد يشكل أزمة استراتيجية بالنسبة لساسة الكرملين، ولذا نراهم يسبغون جميع أشكال الدعم للحليف العلوي، ويوفرون غطاء دبلوماسيا له لم يوفر لدولة في التاريخ، باستثناء التأييد الأمريكي للدولة العبرية، مما جعل النظام حتى الآن بعيدا عن مواجهة أية عقوبات أممية أو حتى قرارات إدانة قد تستغل في المستقبل كذريعة لحملة عسكرية يشنها الناتو ضد قواته وعصابته، وتنهي أكثر من 40 عاماً من حكم الأقلية العلوية على بلد يشكل السنة أكثر من 90% من عدد سكانه، وعانوا كثيرا من عصف وقمع أجهزته الأمنية، ولم يعد أمامهم إلا الثورة حتى النهاية للخلاص من هذا النظام القمعي.

لعبة مصالح

ومن المؤكد أن هناك حزمة من الأهداف الاستراتيجية التي تسعى موسكو لتحقيقها من وراء استمرار دعمها اللامحدود للنظام السوري، بل وتحدي القوى الغربية، وتجاهل حالة الامتعاض العربي من الموقف الروسي، رغم أن موسكو أبدت حرصا كلاسكيًا على الحفاظ على علاقات استراتيجية مع الجامعة العربية ودولها، إلا أن لعبة المصالح الاستراتيجية لموسكو تقف فوق أي اعتبارات أخرى.. فالدب الروسي يبدو حريصا على احتفاظه بموطئ قدم ونفوذ في المنطقة، ولم يعد أمامه إلا النظام السوري، لاسيما أن كل حلفائه قد سقطوا، واحدا تلو الآخر، عبر الاحتلال الأمريكي للعراق، وانهيار النظام الليبي، وخروج مصر منذ عقود من الحلف السوفيتي، وارتمائها طوال عهدي السادات ومبارك في أحضان العم سام.

ولا تقف الأهداف الروسية عند هذا الحد، فقادة الكرملين يبدون حرصا شديدا على الاستمرار كلاعب أساسي في سوق السلاح في المنطقة والعالم، وهو أمر يؤمنه بقاء نظام الأسد الذي أبرم عقودا مع المؤسسة العسكرية الروسية بقيمة 6 مليارات دولار بشكل آمن لموسكو، تصدر قائمة الدول الأكثر تصديرا للسلاح في العالم، ناهيك عن أنها لا تستطيع خسارة حليف مهم مثل الأسد، بعد أشهر من تجرعها السم مكرهة، وافتقادها القدرة على الوقوف ضد حملة الناتو ضد القذافي، الذي كان مرتبطا بعقود تسليح مغرية مع موسكو فاقت المليارات العشرة، مما دعا موسكو للتمترس خلف الأسد، وتغيير نمط تعاطيها مع المواقف المماثلة، فهي ورغم قوتها في العهد السوفيتي لم تستطع منع الغرب من طرد القوات العراقية من الكويت أو غزوه في مراحل لاحقة، ناهيك عن إخفاقها في منع الحصار الغربي الذي ضُرب على ليبيا القذافي في تسعينات القرن الماضي، ولا الضربات التي وجهها للنظام الليبي البائد أخيرا، ولا وقف حرب الناتو على صربيا، الحليف الأرثوذكسي الأول في أوروبا والعالم.

طوق نجاة

وتمتد حزمة الأهداف الروسية إلى أن الحليف السوري يبقى مهما جدا، فهو وعبر إمساكه بأوراق عديدة في الملفات الفلسطينية واللبنانية، وحتى الإيرانية، قد سمح ببقاء موسكو مطلعة ومؤثرة في هذه الملفات، بالإضافة إلى أن سوريا الأسد وعبر ميناء طرطوس على المتوسط توفر طوق نجاة للبحرية الروسية ومنفذها الوحيد للوصول للبحار الدافئة، ولعب دور مهم في حفظ الأمن العالمي، وإمكانية الوصول إلى المضايق الاستراتيجية الخاضعة للسيادة الاستراتيجية الغربية، في ظل التطورات الدولية المتلاحقة، والتي زادتها ثورات الربيع توترا.. كل هذا فرض على موسكو ضرورة أن تكون بالقرب من مركز الحدث للاطلاع على تطوراته والتأثير فيه في مرحلة لاحقة، باعتبار أن وصول أجواء الربيع العربي وتصاعد نفوذ الإسلاميين إلى أراضي الاتحاد الروسي، لاسيما في القوقاز والفولجا، كفيل بتمزيق أوصال هذا الاتحاد.

جمهوريات القوقاز

وتخشى موسكو بشدة من تداعيات ثورات الربيع العربي وموجة صعود الإسلاميين في كل من مصر وتونس والمغرب وليبيا، على الأوضاع في الجمهوريات الإسلامية التابعة لها، والتي تشهد تصاعد النزعات الانفصالية، لاسيما في الشيشان وتترستان وداغستان، في ظل النفوذ الشديد والحضور الطاغي للقوى الإسلامية الأصولية في هذه البقاع المختلفة، لذا لا تألو جهدا في العمل على محاصرة ثورات الربيع العربي ومنع سيطرة الإسلاميين السُّنة على الأوضاع في سوريا، باعتبار ذلك يشكل قوة دافعة لإسلاميي القوقاز لتكرار نفس السيناريو، والضرب بقوة في الفناء الخلفي للدب المتعب، بفعل التوترات المتتالية في المنطقة العربية، ناهيك عن إثارة المتاعب للجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى الموالية للكرملين.

وليس أدل على المكانة التي توليها موسكو للحفاظ على النظام السوري من أنها حافظت على علاقاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية معه، ولم ترتكب الخطأ ذاته الذي وقعت فيه واشنطن حين جمدت استثماراتها في مصر حينما واجه حليفها الأول مبارك صعوبات بفعل الثورة، ولكن موسكو استفادت من هذا الخطأ، وحافظت على استمرار استثماراتها في مجالي السياحة والبنية الأساسية في سوريا، والمقدرة بـ 19مليار دولار، سعيا لتوصيل رسالة لحليفها الأسد باستمرار دعمها له حتى آخر الشوط.

ولا يخفى على أحد أن موسكو تبقي الدعم مفتوحا للأسد لتوصيل رسالة للغرب أن الخديعة التي تعرضت لها في الأزمة الليبية عندما انتزع الغرب قرارا من الأمم المتحدة برقم 1973والخاص بفرض حظر جوي على ليبيا واستخدامه في مرحلة لاحقة لقصف كتائب القذافي دون تفويض صريح من مجلس الأمن باستخدام القوة لن تتكرر، بشكل فرض عليها العزف على وتر التشدد، ورفض دعم قرار ولو ملتبس ضد الأسد، اعتقادا منها أن الغرب سيستخدم هذا القرار في توقيت لاحق لتبرير تكرار السيناريو الليبي، وإسقاط حليفها الوحيد حاليا في المنطقة.

الضحية والجلاد

بل إن موسكو صعّدت من لهجتها ضد بلدان الخليج العربي، واتهمت العديد منها، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، بتهريب الأسلحة للجيش السوري الحر، تمهيدا لإيصال المسلمين السنة إلى سدة الحكم، وكأنها تتعامل مع الأزمة من منظور طائفي، بل إنه طالب هذه البلدان بالتدخل لوقف هجمات المعارضة على القوات السورية، وكأنها تساوي بين الضحية والجلاد، وهي مساواة تعكس قلقا روسيًّا من المد الإسلامي الجارف الذي يهدد بتفكيك أوصالها عبر تشجيع الحركات الراديكالية على السعي لتنفيذ نفس السيناريو في الأراضي الروسية.

من البديهي التأكيد على أن موسكو لا تخفي رغبتها في استعادة دورها كقوة دولية عظمى، لا تجد أفضل من الساحة السورية لتوصيل رسالة مفادها أنها لن تقبل أي غبن بحقوقها في حالة تقسيم أي كعكة، كما حدث في الساحة الليبية، عندما خرجت من حرب تقسيم الغنيمة الليبية خالية الوفاض، وهو أمر فاقمته نذر وصول المواجهة الغربية -الإيرانية لمراحل متقدمة، وتصاعد الحديث عن قصف غربي وشيك للأهداف النووية الإيرانية، وهو أمر يشكل قلقا شديدا لموسكو، التي تستخدم دفاعها عن النظام السوري كبروفة لإدارتها لملف الصراع مع إيران.

ولكن في النهاية يبقى تساؤل، يتمثل في قدرة روسيا على الاستمرار في دعم الأسد للنهاية، رغم الانتقادات الدولية والإقليمية لدورها في إسباغ الحماية عليه، رغم سقوط ما يزيد على 10آلاف سوري في مسيرة الخلاص الدامية من حكمه، وهل تستطيع مقاومة الضغوط الغربية المتصاعدة عليها لتليين موقفها، ورفع الدعم عن ديكتاتور دمشق.. والواقع أن الإجابة عن هذا التساؤل تبدو شديدة الصعوبة، فرغم أن سوريا لم تكن تمثل الأهمية الاستراتيجية لبلدان مثل العراق وليبيا ويوغوسلافيا في الميزان الروسي، إلا أن موسكو تخلت عن هذه البلدان، وتركتها لقمة سائغة لأنياب الغرب، ولم يشفع لهذه الأنظمة علاقاتها الوثيقة وتحالفاتها مع موسكو السوفيتية والروسية.

متغير مهم

ولكن يبدو أن هناك متغيراً مهماً في الأمر، فالظروف التي أجبرت الدب الروسي خلال العقود السابقة على التخلي عن حلفائه تغيرت حاليا، والضائقة الاقتصادية التي عانى منها طويلا انفرجت حاليا، حيث تحولت موسكو للمنتج الأول للنفط والغاز في العالم، بشكل كانت له انعكاسات إيجابية على ميزان المدفوعات الروسي، مما مكنها من نفض غبار حقب التبعية للغرب، وجعلها تفكر في كيفية استعادة دورها كقطب عالمي، وبالتالي فليس هناك مكان أفضل من الساحة السورية لاختبار عضلاتها، باعتبار أن موقفها المتشدد من أي أزمة هو ما سيحدد مكاسبها حال الوصول لصفقة أو تسوية للأزمة السورية مثلا.

لكن حديث الصفقات فيما يخص الحالة السورية مازال بعيدا، فتصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجيه لافروف توحي بأن الدعم الروسي مرشح للاستمرار فترة ليست بالقصيرة، وأن العروض الغربية التي وصلت موسكو لم تسل لعابها حتى الآن للبحث في تبديل موقفها، وهو ما يشير إلى أن موسكو لن تقبل بالسيناريوهات التونسية أو المصرية أو الليبية، بل إنها لن تتنازل عن تسويق انقلاب قصر يطيح بالأسد من جانب الدائرة الضيقة به إذا لم يكن أمامها خيار آخر، وهو سيناريو يحفظ لموسكو هيبتها، ويعيد إليها كرامتها التي مرغها الغرب في الوحل لعقود طويلة.

موقع الإسلام اليوم 11 جمادى الأولى 1433هـ / 3 أبريل 2012م

 



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل 0.00 من 5التصويتات 0تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع