قناة الإخبارية: الجامعة العربية تدين اعتداءات ميليشيا الحوثي على المملكة *** قناة الإخبارية: الحكومة اليمنية تطلب عقد جلسة خاصة لـ مجلس الأمن حول خزان النفط العائم صافر *** العربية: إيران تسجل 200 وفاة بكورونا في حصيلة قياسية خلال 24 ساعة *** العربية: البرلمان العربي يدين جريمة اغتيال هشام الهاشمي في العراق *** العربية: وكالة إيرانية تؤكد مقتل شخصين في انفجار وقع في مصنع بالعاصمة طهران
  • الجمعة 10 يوليو 2020م
  • الجمعة 19 ذو القعدة 1441هـ
المقالات ملفات إيرانية التسلح الايرانيسلاح حزب الله وقنبلة ايران: حين تتحول القوة ضعفًا
د. عبد الوهاب الأفندي

القدس العربي 17/1/2006

فيما يبدو أنها مصادفة لا تخلو من دلالات رمزية، أصبح كل من برنامج إيران النووي وسلاح حزب الله محور جدل واسع خلال الأيام القليلة الماضية، وفي إطار حملات متزامنة للسيطرة والاحتواء، وهناك كما لا يخفي ترابط وثيق بين الوضع الايراني وحالة حزب الله، تبدأ من التحالف السياسي العسكري والايديولوجيا المشتركة وتنتهي بالعدو المشترك، وهو اسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة.

وهذا بدوره يفسر تزامن الحملة علي الطرفين، وعلي حليفهما الثالث، سورية. فالوقت وقت تصفية حسابات، وهناك اوكازيون وتخفيضات هائلة، بحيث يحصل المشتري علي ثلاث او اربع سلع بثمن الواحدة، وهو ثمن مخفض اساسا.

واشنطن تشعر هذه الايام بأن الوقت مناسب لتصفية حسابات قديمة، والانتقام لهزائمها وهزائم اسرائيل امام سورية في لبنان، والتخلص من بعض الظواهر المزعجة والقوي المعادية. وتري ايضا ان الوقت مناسب لاعادة ترتيب اوضاع المنطقة والتحسب لاخطار مستقبلية، مثل ظهور ايران كقوة نووية قد تسعي للعب دور اقليمي مناهض للمصالح الامريكية.

هذا المنحي في السياسة الامريكية يعبر من جهة عن عقلية انتهازية براغماتية. فقوة الدفع التي اعطتها احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) للوازع ومبررات التدخل الخارجي واصطفاف الرأي العام الامريكي وراء اجندة الادارة في هذا الخصوص اعتبرت من قبل المحافظين الجدد فرصة ذهبية قد لا تتكرر لتطبيق اجندة الهيمنة ودعم مصالح اسرائيل. وقد وفرت اخطاء سورية القاتلة في لبنان فرصة اخري لضرب اكثر من عصفور بحجر، كما ان الرعب الذي ادخله غزو العراق في قلوب الانظمة العربية ساعد في جعل هذه الانظمة اسلس قيادا (مما كانت اصلا) واسرع للتعاون مع متطلبات اجندة الهيمنة.

من جهة اخري فان الولايات المتحدة تسعي لتدارك خطئها وخطاياها التي حولت العراق الي حليف طبيعي مستقبلي لكل من سورية وايران، وهو تحالف لو التأم تحت الظروف الحالية فانه سيحول كل المخططات الامريكية لتعزيز النفوذ في المنطقة هباء منثورا، ويعيدها الي ما قبل نقطة الصفر، لهذا فان تأمين الوضع الامريكي في العراق لن يتأتي الا بتغيير الانظمة في سورية وايران، او علي الاقل احتوائها وتقزيمها.

ولا يجدي في هذا المقام الحديث عن المعايير المزدوجة وسياسة الكيل بمكيالين، وغير ذلك من الصراخ والاستجداء حين يتعلق الامر بالموقف الغربي من البرنامج النووي الايراني.

فالساحة الدولية ليست جمعية خيرية ولا محكمة اخلاقية، بل غابة تتصارع فيها المصالح. والسؤال الذي ينبغي طرحه ليس هو لماذا تتغاضي الولايات المتحدة واوروبا عن سلاح اسرائيل النووي (او حتي سلاح باكستان النووي) الموجود فعلا بينما تقيم الدنيا ولا تقعدها حول احتمال بعيد لتسلح نووي ايراني؟

فهذا سؤال لا معني له، اجابته هو ان هذه الدول تري في سلاح ايران تهديدا ولا تري الامر نفسه فيما يتعلق باسرائيل وباكستان والهند. السؤال الذي ينبغي طرحه هو: لماذا تعتقد الولايات المتحدة ان بامكانها منع ايران من امتلاك السلاح النووي وليس لماذا تريد ان تفعل ذلك؟

القيم والقواعد التي تحكم العلاقات الدولية تطورت نظريا في القرون الاربع الماضية ومرت بعدة مراحل، من مبدأ توازن القوي الي الامن الجماعي الذي تمثله الامم المتحدة او بعض التحالفات مثل الناتو واتحاد غرب اوروبا (وهو غير الاتحاد الاوروبي). ولكنها عمليا لم تتغير الا في خطوط التقاطع والتماس بين كتل الحلفاء. وقد ظل احد المباديء المهيمنة علي الوضع الدولي هو ما سمي بـ معضلة الامن ، وملخصها ان سعي الدول لتعزيز امنها عبر زيادة التسلح يثير بالضرورة مخاوف الدول الاخري التي تسعي بدورها الي تعزيز تسلحها، وقد تكون النتيجة هي ان السعي الي الامن يولد انعدام الامن، والسعي الي تجنب الحرب يؤدي في الغالب الي السقوط في فخ الحرب.

هذه التعقيدات كانت سببا في حروب اوروبية لم يردها او يخطط لها احد، ابرزها الحرب التي سميت الحرب العالمية الاولي، وقد كانت هذه الديناميات مسؤولة ايضا عما سمي بالحرب الباردة، التي يعزو الكثيرون عدم تحولها الي ساخنة الي توازن الرعب النووي، وان كان العالم قد اقترب مرة واحدة علي الاقل من حافة الهاوية النووية خلال المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حول الصواريخ المنصوبة في كوبا في مطلع الستينات.

تلك الازمة كشفت الي حد كبير عبثية نظريات الامن في الاستراتيجيات المعاصرة. فقد كانت الولايات المتحدة علي ما يبدو علي استعداد لخوض حرب نووية مدمرة لمجرد منع نصب صواريخ نووية سوفيتية علي مقربة من حدودها. وبخلاف حماقة جلب الدمار الفعلي لتجنب خطر مستقبلي، فان التطورات التقنية المتلاحقة سرعان ما جعلت هذه المسألة غير ذات موضوع. فقد طورت اطراف الحرب الباردة الصواريخ العابرة للقارات متعددة الرؤوس التي تجعل ايصال الصواريخ الي قلب المدن الامريكية من اراضي الاتحاد السوفييتي لا يستغرق اكثر من خمس عشرة دقيقة (اقل من ذلك في حالة الغواصات النووية التي تجوب البحار وهي تحمل شحناتها القاتلة).

هذا لم يمنع الولايات المتحدة وغيرها من متابعة سراب الامن عبر اجراءات متزايدة التعقيد، وقد سعت الولايات المتحدة في اول الامر الي احتكار السلاح النووي وحجبه عن حلفائها واعدائها علي السواء. ولكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفنها، حيث ساهم بعض كبار مهندسي السلاح النووي الامريكي في تسريب اسراره الي السوفييت الذين فاجأوا امريكا بسرعة امتلاك القنبلة الذرية ثم الهيدروجينية. وقد تم اعدام احد ابرز الخبراء النووين الامريكيين مع زوجته بتهمة تسريب اسرار القنبلة الي موسكو ـ بعد روسيا الصين حصلت ايضا علي القنبلة، ثم تبعتها اسرائيل وجنوب افريقيا ثم الهند وباكستان وكوريا الشمالية، وهذا بالرغم من اتفاقية حظر انتشار الاسلحة النووية.

الشاهد في كل هذا هو ان الولايات المتحدة وحلفاءها يجتهدون ما وسعهم في احتكار اسرار التسليح الذري، بل وحتي بعض الاسرار الاخري من تقنية وصناعية وتسليحية ـ وهم يستخدمون التفوق التقني كسلاح متعدد الاغراض لتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية، ومكافأة الحلفاء ومعاقبة الاعداء، وضمان التفوق العسكري المستمر.

من هذا المنطلق فان اعتزام الولايات المتحدة وحلفائها استخدام تفوقهم العسكري والاقتصادي للحفاظ علي هذا التفوق وتعزيزه لا يجب ان يكون موضع تساؤل، فهذا من طبيعة الاشياء. موضوع التساؤل يجب ان يكون هو هشاشة موقف الاخرين ازاء قوة دفع الهيمنة الامريكية ـ الغربية. وكما اسلفنا فان استهداف سورية وايران وحزب الله في هذه المرحلة سببه ان الظروف اصبحت مواتية، ذلك ان الولايات المتحدة وحلفاءها لم يكفوا ابدا عن استهداف هذه القوي، ولكن مخططاتهم لم تحقق اهدافها في الماضي، كما انهم انشغلوا كاولويات اخري، اما الان فان الامور تغيرت، حيث يعتقد هؤلاء الحلفاء انهم تخلصوا من الاعداء والمشغوليات الاهم وآن لهم الأوان للتفرغ الي الباقين الذين ظهر ضعفهم.

بالنسبة لايران فان هشاشة وضعها تنبع من تأخرها في بناء برنامج نووي، وعدم لجوئها الي السرية في ذلك، معظم الدول التي تملكت السلاح الذري لجأت الي استراتيجيات معقدة، ابرزها اتباع برنامج سري اضافة الي عدم الدخول في اي صراعات وتوتر خاصة مع الولايات المتحدة، خلال تلك الفترة، الباكستان مثلا نفذت برنامجها النووي تحت غطاء التحالف الامريكي، واستفادت هي ومنافستها الهند من غطاء الحرب الباردة.

ايران كان بامكانها ايضا تحقيق تقدم في برنامجها النووي تحت غطاء التهدئة ومع تقدم برنامجها الاصلاحي، ولكن اتجاهها الجديد المتشدد وتصـــريحات رئيسها النارية لن تخلق الجو الملائم لذلك. الحل الوحـــيد الان هو ان تفعل ايران ما فعلته كوريا الشــمالية وتقوم بتسريع برنامجها النووي ثم اعلان امتلاك القنبلة لتضع الغرب امام الامر الواقع.

هشاشة وضع حزب الله تنبع كذلك من وضعه المعقد كميليشيا تستمد قوتها من ضعف الدولة وضعف جيشها، ومن تحالفات متداخلة خارج لبنان وداخله. وجود ميليشيا اسلامية متشددة في اطار دولة علمانية حوالي نصف سكانها غير مسلمين، وكانت تخضع لدولة علمانية مجاورة وتهددها دولة ثالثة هو وضع غاية في الهشاشة والتعقيد. واذا كانت هذه الميليشيا استمرت في الوجود حتي الان فان هذا يعود للمهارة السياسية المدهشة لزعيمها الحالي حسن نصر الله، الذي جمع بين الحنكة السياسية، والمهارة الدبلوماسية والانجاز العسكري، ولو كانت الامور مختلفة لكان هذا اهله لتولي رئاسة لبنان وقيادة جيشها، ولكن وضعه الحالي يجعله في مأزق اقرب الي مأزق البدون في الكويت الذين كانوا يمثلون عماد الجيش دون ان تكون لهم ادني حقوق المواطنة، وقد قال عنهم احد الوزراء عقب حرب الكويت حين سئل عن المبرر لحرمان رجال دافعوا عن وطنهم من الجنسية فقال: اما انهم دافعوا عن الكويت فنعم اما انهم دافعوا عن وطنهم فلا.

حزب الله دافع عن سيادة لبنان نيابة عن كل اللبنانيين وبمباركتهم، ولكن ثوابه هو مطالبته بنزع سلاحه بعد ادي المهمة مشكورا، ولا يمكن ان يتصور تحت الظروف الحالية ان يكون هناك اي عرض اخر يقدم للحزب.

حزب الله وايران ومعهما سورية اصبح كل منها بسبب هشاشة وضعه في مكان من يتحول سعيه لاحتلال القوة هو مكمن ضعفه. ففي حالة سورية كان السعي للهيمنة علي لبنان بدعوي تعزيز امن النظام السوري هو مقتل ذلك النظام، بالنسبة لحزب الله فان السعي للاحتفاظ بسلاحه وبوضعه كميليشيا مسلحة ودولة داخل الدولة اصبح عبئا عليه لا رصيدا له وبالنسبة لايران فان السعي لامتلاك تقنية نووية لن تدفع عنها الخطر في المستقبل المنظور اصبح هو مصدر الخطر الاكبر عليها.

الامر اذن يحتاج الي اعادة نظر جذرية عند كل فريق، واعادة صياغة الاستراتيجيات والاولويات لتعزيز مواطن القوة والتخلص من نقاط الضعف، واعمال العقل في ذلك حتي لا تتكرر مآسي العراق وغيرها.



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل -3.11 من 5التصويتات 9تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع