قناة الإخبارية: إيران تنشئ مفاعلها النووي الثاني بمساعدة روسية *** قناة الإخبارية: مقتل 319 من المتظاهرين بالعراق منذ بدء الاحتجاجات بالعراق في أكتوبر *** قناة الإخبارية: واشنطن تحض على إجراء انتخابات مبكرة في العراق ووقف العنف ضد المحتجين *** العربية: واشنطن: التدخل الإيراني وأذرعه لن تسمح بعودة العراق إلى وضعه الطبيعي *** العربية: البيت الأبيض: ندعو المجتمع الدولي للمساهمة في تحقيق مستقبل أفضل للشعب العراقي
  • الثلاثاء 12 نوفمبر 2019م
  • الثلاثاء 15 ربيع الأول 1441هـ
المقالات التمدد الشيعي الشيعة في العراقالراديكالية الشيعية والاحتلال الأمريكي للعراق (3)
فاضل الربيعي

القدس العربي 1/2/2006م

مع سقوط بغداد صعدت صورة الشيخ في مخيلة مناصريه كزعيم يجمع شرعية التمثيل الديني والمقاومة.

في هذه الدراسة الجديدة يعرض الباحث والمفكر العراقي فاضل الربيعي تصوره لمستقبل التيار الصدري في العراق، ويتناول الأسس والمنطلقات الفقهية والفكرية والسياسية التي قام عليها بعد التاسع من نيسان (إبريل) 2003. وإذ يلاحظ الباحث أن هذا التيار يجمع بين مقاومة الاحتلال ومواصلة سياسات تصفية حزب البعث في الآن ذاته؛ فإنه يتكهن بإمكانية حدوث انقسام خطير قد يدمر الأسس التي قام عليها. كما أن عجزه عن حسم التناقض الجوهري ضد الاحتلال، قــــد يفضي به إلي التحالف مع القوي والجماعات التي ارتطم بها في سياق تطوره.

مقاربة أولي:

يبدو تيار الصدر بالنسبة لمعظم العراقيين، وحتي المخاصمين منهم لأفكاره وشعاراته والتكتيكات التي ينتهجها؛ متأرجحا بين ثلاث استراتيجيات تتجاذب أفراده وقادته الدينيين والسياسيين في الميدان:

مقاومة الاحتلال الأمريكي من جهة، ومواصلة الصراع ضد حزب البعث من جهة أخري، وأخيرا الصراع ضد المؤسسة الدينية (الحوزة).

اثنتان من هذه الاستراتيجيات الثلاث، كانتا من بقايا حرب قديمة ومن مخلفاتها، سبق لمؤسس التيار وقائده الروحي الصدر الثاني (محمد صادق الصدر والد الشيخ مقتدي) أن خاضها بضراوة ضد عدوين لدودين، وتركت في أسرته ومريديه وطلابه وأنصاره تأثيرا مذهلا، وإلي الدرجة التي حملت الصدر الابن نفسه، وعلي الرغم من صغر سنه ونقص تجربته الحياتية وتبدل الظروف وتغير مسرح المعارك؛ علي مواصلتها والاندفاع في قلب أوارها الملتهب دون هوادة؛ وكأن قدره هو أن يواصل إضرام النيران أو أن ينفخ في الرماد، أو أن يواصل علي خطي والده الشهيد، التفتيش عن العدوين القديمين حتي مع تلاشي أحدهما عن المسرح، وحتي مع انزواء وارتباك الخصم الآخر وربما إحجامه عن الرد علي التحدي.

هاتان الاستراتيجيتان اللتان ورثهما الصدر الابن، وواصلَ العمل ُبهما حتي بعد وقوع الاحتلال بفترة وجيزة، أي الصراع ضد المؤسسة الدينية الاستبدادية (المرجعية التقليدية في النجف) ومناهضة البعث، كادتا في الكثير من الأحيان أن تحجبا المحتوي الحقيقي لمواقف التيار من الاحتلال الأمريكي. ولذلك تبلورت استراتيجية الصدر منذ التاسع من نيسان (إبريل) 2003 ومع بزوغ عدو جديد غير متوقع، علي أساس الربط (وربما الخلط) بين:

1. مقاومة الاحتلال الأمريكي سياسيا وعسكريا (من خلال تشكيل جيش المهدي كذراع عسكرية للتيار).

2. مواصلة النزاع ضد شرعية المؤسسة الدينية (الحوزة) في النجف، وذلك عبر الدفع بالتنافس الفقهي إلي الواجهة، ومن خلال حملة التشكيك الهائلة التي قادها رجال دين شباب، بشرعية القيادة الدينية التقليدية وأهليتها (ما يعرف بالتنافس بين الحوزة الصامتة والحوزة الناطقة).

3. الاستمرار في مناهضة البعث، وهذه قادت الصدريين ومن دون أن ينتبهوا، إلي الانخراط ـ عمليا ـ مع الاحتلال وعملائه في مشروع تصفية البعثيين، في إطار القانون المريع (اجتثاث البعث) الذي سنته إدارة الحاكم المدني بول بريمر، وشكل أحمد الجلبي هيئته الحكومية المعروفة حتي اليوم باسم (هيئة اجتثاث البعث).

هذا الخلط المريع في الأهداف، والفشل في التمييز بين المهام المطروحة، والتعامي عن رؤية المخاطر الناجمة عن السياسات الهوجاء وغير المتبصرة، هي الدعامة الكبري للرؤية الزائفة التي ستؤدي، تاليا، إلي ظهور سلسلة من الالتباسات والشكوك، وتضع التيار برمته أمام جملة من المشكلات والأسئلة؛ إذ لم يكن مفهوما، مثلا، حتي بالنسبة لنقاد البعث، الكيفية التي جمع فيها الصدريون بين معاداة الاحتلال والاشتراك معه، في الوقت ذاته، في عملية تصفية البعث؟ فهل كان تيار الصدر يمثل من هذا المنظور، نوعا من تواصل أو استطراد، ولكن بوسائل وأدوات جديدة، مع إرث سياسي وفقهي تجاوزته الأحداث؛ بل وتآكلت بفعل ظروف معقدة، قوة زخمه خصوصا بعد استشهاد الأب وافتقار الوريث لقوة الحضور الديني؟ وربما افتقاره لمبررات الاستمرار في حربٍ، كانت تتجلي يوما إثر يوم، كحرب مزدوجة فقهية وسياسية باهظة الأثمان، لأنها تدور علي جبهتين متعارضتين أصلا: جبهة المؤسسة الدينية و جبهة النظام؟ أم أن ظهور عدو آخر، من خارج الحدود هذه المرة، أي الغزو الأمريكي، هو العامل الخفي ولكن الحقيقي الذي أحيا آمال الوريث بإمكانية تنشيط تيار والده وإعادة إحيائه في شروط جديدة ؟ وهل كان ممكنا لهذا التيار أن يظهر علي السطح، أو أن يكسب جمهورا واسعا ومتعاطفا من خارج الطائفة الشيعية أو أن يحافظ علي وجوده الرمزي لولا وقوع الغزو الأمريكي ؟

وفي هذا السياق ثمة سؤال آخر موازٍ يتضمن الفرضية الخيالية التالية:

ماذا لو أن الأمريكيين امتنعوا عن غزو العراق في آخر لحظة، وبالتالي لم تسقط بغداد في قبضتهم ؟ لو افترضنا مسارا آخر للأحداث التي وقعت، وتخيلنا وقوع المعجزة في آخر لحظة حيث تخلي الأمريكيون عن مشروع الغزو، فهل كان الصدريون سيظهرون في الشارع علي النحو ذاته من القوة؟ وهل ستكون لموضوعات الصراع الصدري مع المؤسسة الدينية ومناهضة البعث أي قيمة فعلية ؟ هل يعني هذا أن التيار الصدري كان ثمرة مباشرة لمعركة داخلية مزدوجة ضد المؤسسة الدينية والدولة، وأن هذه المعركة لم تعد محتدمة، أو لنقل لم يعد لها من وقودٍ كافٍ خصوصا بعد أن فقدت مبرراتها وأسباب استمرارها في ظل حرب كبري من الخارج؟

لقد فرض ظهور عدو هائل الجبروت في أرض العراق، علي العراقيين المنهكين واليائسين من عدالة العالم، خوض معركة كبري غير متوقعة مع أهدافه ومخططاته، ثم أرغمتهم نتائج الغزو علي مواجهة أوضاع وظروف حياتية شديدة البؤس، ولا سابق لها في تاريخ الحملات الكولنيالية الكلاسيكية. ولكنه فرض علي الصدريين ظروف قتال ومواجهة لا يملكون من فنونها سوي القليل. وهكذا؛ قام الأمريكيون في سياق الغزو وأهدافه، بمحو واحد من العدوين اللدودين لتيار الصدر من الوجود كليا (الدولة) بينما فرضوا علي العدو الثاني أي المؤسسة الدينية (الحوزة) الصمت والتصرف بجبن؟ وبالتالي؛ فإن تيار الصدر وجد في الاحتلال لا عدوا عظيما يقارعه وحسب؛ وإنما عدوا، يقوم بالنيابة عنه ولمصلحته المباشرة بما كان يعجز عن القيام به بمفرده، وهذا حقيقي تماما من منظور المصالح المباشرة. ومن المحتمل أن هذا الأمر لم يكن بإرادة المخططين للغزو العسكري؛ الذين لم يكونوا يدركون ـ بكل تأكيد- تعقيدات الموديل العراقي. كان من نتائج محو الدولة وتخاذل المرجعية في النجف أمام الغزو والاحتلال، أن نشأت أمام الصدريين بيئة نضالية ملائمة ومثالية، خلت للتو من أشباح خصومهم التقليديين وأطيافهم، ليترعرع تيارهم عندئذ (دون خوف من الدولة ودون تنافس محموم مع المؤسسة الدينية هذه المرة) وليغدو بسرعة غير متوقعة قوة جماهيرية بلا منافسين حقيقيين تقريبا في الميدان. لقد جاء العدو ليقوم بما عجز عنه التيار أو حلم به: تحطيم دولة البعث وحزبها الحديدي، وفي الوقت ذاته، إرغام رجال الدين التقليديين في النجف علي الانكفاء والتراجع وربما الصمت. وتلك كانت ضالة الصدر الابن وفرصته الذهبية لإحياء ميراث والده.

السؤال الآنف قد يبدو خياليا؛ فالأمريكيون قاموا بالغزو أخيرا، ومجري التاريخ كان من القوة بحيث أنه جرف من أمامه كل فرضية من هذا النوع. لقد جرت في النهر مياه كثيرة اختلطت بالدم. ومع ذلك فإن السؤال يتضمن حاجة ملحة للكشف عن الدوافع والظروف التي وقفت خلف انطلاق التيار بقوة؛ وما إذا كان الغزو أدي، في بعض نتائجه المباشرة، إلي تنشيط قوي في المجتمع العراقي ما كان لها أن تنشط بهذا القدر من الزخم الشعبي، لولا أن الظروف التي خلقها الغزو هي التي هيأت، ويا للمفارقة، متطلبات مواجهته في ميدان مفتوح. في الواقع؛ نجم عن اختفاء الصدر الثاني ( الأب ) عن المسرح [1]، تلاشي مبررات الصراع دفعة واحدة، لا ضد الركيزة الكبري الأولي التي قامت عليها فكرة الصراع ، نعني نقد المؤسسة الدينية في النجف والطعن في شرعيتها، وبالطبع علي قاعدة النزاع الفقهي علي جملة من المسائل التي تخص العلاقة بين جمهور الشيعة والقيادة الدينية؛ بل وكذلك ضد الركيزة الكبري الثانية، نعني نقد البعث ومعارضة حكمه؛ فعلي الجبهة الأولي لم يكن بمقدور الصدر (الابن) الاستمرار في حربٍ فجرها والده وكانت تدور في إطار الفقه الديني، لأنه ببساطة لا يتمتع بالمكانة نفسها التي تمتع بها والده الشهيد ، فهو ليس من آيات الله كما أنه لا يستطيع حشد قوي دينية حقيقية من خلفه، مؤثرة وحاسمة في الصراع ضد المؤسسة (الديكتاتورية) . إن القصيدة التي ألقاها أحد طلاب العلم وامتدح فيها الشيخ الصدر وعده من بين العلماء، وأثارت حفيظة أحد المجتهدين وإلي الحد الذي كال فيه الشتائم للشيخ وأسرته كما تقول صحيفة (الحوزة الناطقة) [2] تكشف عن البُعد الذي اتخذه الصراع ضد المرجعية، التي لم تكن لتعترف بمكانة الشيخ وبمنزلته الدينية، فهو صغير السن وقليل العلم بالنسبة لها. هذا العيب يمكن أن يُري بوصفه موضوعا جديا للطعن. بينما علي الجبهة الثانية أي جبهة النظام؛ فقد تبين، بعد وقت قصير من استشهاد الصدر الأب أن الركيزة الاستراتيجية التي قام عليها مشروعه السياسي، والتي استمدت عقيدتها المبسطة من النقد اليومي اللاذع لسلوك السلطة، إنما باتت، بالفعل، أقل قابلية علي النهوض بعبء معركة غير متكافئة ومحفوفة بالمخاطر، بالنسبة لشابٍ لم تكن له لا الخبرة السياسية ولا الحنكة ولا الأنصار. كما أن قصة استشهاد والده شابتها منذئذٍ، كثير من الالتباسات وذلك مع ظهور أدلة علي أن لا مصلحة للسلطة في مصرعه وأن ثمة أياديَ خفية، ربما جاءت من وراء الحدود قد تكون هي صاحبة المصلحة الفعلية في اختفائه وتغييب دوره. علي هذا النحو، وقبيل وقوع الغزو الأمريكي بقليل، بدا أن الصدر الابن إنما يفتقد إمكانية استخدام هاتين الاستراتيجيتين القديمتين، وأنهما كانتا في حالة تآكل وتفسخ حقيقيين، فلا هو قادر علي مواصلة الحرب الفقهية ضد أعتي مؤسسة دينية في العراق، ولا هو قادر علي إبطال فتاواها أو تفنيد اجتهادها، وبالطبع ما كان بوسعه مواصلة الصراع مع نظام قوي ودولة كانت تبسط نفوذها في كل شارع وزقاق.

لكن؛ ومع بزوغ عدو جديد وظهوره فوق خشبة المسرح صبيحة التاسع من نيسان (إبريل)، بدا أن ثمة ظروفا مواتية، أكثر مما كان عليه الحال قبل أشهر أو سنوات؛ سوف تؤدي إلي توفير فرص مثالية وجديدة أمام الصدر للاستمرار علي خطي والده في الاشتباك مع الخصمين اللدودين (اللذين كانا متناقضين في المصالح والأفكار علي أية حال وبحيث يستحيل أن يجتمعا ضده). أي ضد الدولة من جهة، وضد شرعية المؤسسة الدينية من جهة أخري. بهذا المعني فقط، وليس بأي معني آخر، جاء الاحتلال الأمريكي للعراق ليضع الصدريين الشباب وجها لوجه، أمام مهمة الاستمرار في هاتين الاستراتيجيتين، وكأن صراعهم الجديد ليس أكثر من استطراد وتواصل بوسائل جديدة لحرب كبري رسمها القدر وحدد تخومها علي ثلاث جبهات. بيد أن مواصلة الحرب القديمة المستعرة مرة أخري، ولأجل أن تكون مفهومة ومقبولة وجماهيرية في الظروف المغايرة، التي أصبح فيها الاحتلال قوة مسيطرة ومهيمنة علي كل مظاهر الحياة؛ ولأجل أن تفضي إلي نتائج فاعلة علي صعيد اجتذاب فئات اجتماعية أخري؛ تطلبت لا إطلاق شعارات أو تسيير تظاهرات احتجاجية هنا وهناك وحسب؛ بل إطلاق مبادرة واضحة من الصدر نفسه، يعلن فيها بأن معركته الكبري باتت الآن مع الاحتلال. لقد كان هذا التوجه المُلهم واضحا منذ الأيام الأولي، عندما بدا أن صعود تيار الصدريين يرتبط بنزعة ثورية وطنية لمقاومة الاحتلال، وتأجيل أي معارك جانبية خيضت في الماضي.

في أعقاب هذا الإعلان، أصبح من المؤكد أن الصدريين سوف يشتبكون مع جماعات شيعية منافسة ومسلحة ارتبطت بالاحتلال أو جاء فرسانها علي ظهور دبابات إبرامز ( إبراهيم ). وابتداء من نهاية أيار (مايو) 2003 بدأت حملة تشهير لا سابق لها، مصحوبة بأقذع أنواع الشتائم، دبرها وقادها تحالف مركب قوامه جهاز المخابرات الإيرانية (اطلاعات) وفيلق بدر وجماعات شيعية منافسة أخري انصبت علي الزعم القائل إن التيار الصدري ليس سوي حزب البعث نفسه الذي تخفي أعضاؤه خلف واجهات دينية؟ ومما فاقم من شدة الضغط أن الشيخ مقتدي الصدر سارع إلي صد التهمة عن نفسه ومن دون مسوغات مقبولة إلي إطلاق سلسلة شعارات مناهضة للبعث، بالتلازم مع الإعلان بان تياره سيقف وعلي طول الخط ضد القوات الغازية؛ ولكن من غير أن يتوقف لحظة واحدة عن التأكيد، علي أنه، وهو يخوض هذه المعركة؛ سيواصل حرب (والده الشهيد) ضد المؤسسة الدينية. وعندئذ اختلطت المهام الثلاث بصورة يصعب تفكيكها. فهل يصح القول إن تيار الصدر، ونظرا لانشداده بقوة إلي ماضي العلاقة السلبية مع السلطة، وانغماسه في النزاع ضد المرجعية في النجف، لم يكن يتمثل تمثيلا كافيا، ولم يعبر بدقة كافية أيضا، عن التطلع والحاجة إلي رسم هدف مركزي أكثر ثباتا، أي مواجهة الاحتلال؟ وأن هذه المواجهة لم تكن سوي الغطاء الضروري واللازم للاستمرار في الحرب القديمة مزدوجة الطابع؟ وهل كان تيار الصدر، في الأصل، نتاج صراع داخلي سيظل أسيرا له، ضد الدولة وضد المؤسسة الدينية، وأن وقوع الاحتلال الأمريكي أرغمه وحسب، علي توسيع نطاق معركته ؟ أم أن المعركة ضد الاحتلال هي معركة جذرية وحقيقية، وهي الأساس في تبلور خيارات هذا التيار، وأن الاستمرار في النزاع، لا يمثل، من هذه الناحية، سوي محاولة لاجتذاب فئات جديدة إلي المعركة الكبري، وذلك عبر التجاوب مع خصومتها التي لا تهدأ ضد العدوين القديمين علي حد سواء؟ هذه الأسئلة، الجارحة بعض الشيء، تدور في أذهان كثيرين قد لا يرغبون في طرحها، أو أنها لم تتبلور بعد في نظراتهم النقدية، وفي تصوراتهم لمهام ومستقبل التيار، وكل ما يفعله المرء، في هذه الحالة، إنما هو إعادة طرحها في إطار دراسي جديد، لا غرض له بكل يقين سوي المساهمة في تقديم مقاربة إضافية أكثر تطلبا. كانت خصومة الصدريين مع المؤسسة الدينية (الديكتاتورية) ومع النظام الديكتاتوري ـ حسب تعبيراتهم ـ ذات طابع جذري لا يني يتجذر أكثر فأكثر، في تربة نزاع مستتر ضد قوي الطرد والتهميش في المجتمع؛ فكما أن المؤسسة الدينية من وجهة نظر الصدريين كانت مؤسسة طاردة، وذات نزوع متأصل لتهميشهم وإبعادهم وحرمانهم حتي من حق الاستفادة من المال الشيعي؛ وهو مال متراكم تقدره كثير من المصادر المستقلة بمليارات الدولارات [3]؛ فإن الدولة ـ علي الطرف الآخر من النزاع ـ كانت قوة إقصاء وتهميش مواز من وجهة نظرهم، لأنها حرمتهم أيضا من فرص المشاركة السياسية ومن الثروة الهائلة وحكمت عليهم بالبقاء إلي الأبد داخل أحزمة الفقر المحيطة ببغداد وبعض محافظات الجنوب. لم يكن بوسع الصدر الابن تجاهل هذه الحقائق، التي تخص وفي الصميم طبيعة القوي والطبقات والفئات الاجتماعية التي تشكل منها تياره، كما لم يكن بوسعه في أي وقت، التقليل من حدة الغضب الذي كان يعتمل في نفوس القسم الأكبر من القوي والطبقات والفئات الاجتماعية المحرومة، التي ظلت قابعة - دون أمل في التغيير ـ في أسفل السلم الاجتماعي عندما وقع الغزو . ولذلك؛ يبدو مفهوما أن الصدر الابن، بدا في حالات غير نادرة، منساقا خلف جمهور متزايد لا يلبث أن يقود نفسه بنفسه وخارج كل سيطرة تقريبا علي سلوكه، لا من جانب القادة المباشرين في الميدان ولا من جانب قادته الدينيين. ثمة دليل صارخ علي افتقاد السيطرة، وعلي الطابع المتناقض لاستراتيجية التيار الصدري في مقاومة الاحتلال الأمريكي، فعدد البعثيين الذين سقطوا برصاص أعضاء هذا التيار، منذ التاسع من نيسان (إبريل) 2003 حتي شهري آب (اغسطس) وأيلول (سبتمبر)، بلغ حسب إحصائية خاصة [4] تمكن المؤلف من الحصول عليها وقام بتدقيق معطياتها؛ نحو 850 شخصا سقطوا صرعي رصاص الصدريين في مدينة الصدر وحدها، ونحو 316 آخرين في البصرة (جنوب العراق). بينما حصدت عمليات مقاومة الاحتلال التي قام بها الصدريون ضد القوات الأمريكية والبريطانية، وهي أعمال بطولية وشجاعة بكل تأكيد، أقل بكثير من هذه الأرقام. هذه الإشكالية التي تصدر عن تلازم استراتيجيتين متناقضتين ضد الاحتلال الأمريكي وضد البعث في آن واحدٍ؛ مصدرها الطبيعة المعقدة والمتناقضة للتراكب في القوي المؤلفة للتيار، والتي توافقت علي مهام ووظائف كان يصعب التوافق عليها أو تحديدها تحديدا دقيقا.إن الخلط بين الوظائف والمهمات، والدمج القسري وغير المبرر لصور الخصوم السياسيين بصور الأعداء من جانب، والعجز عن رؤية الطابع التحرري للثورة الشعبية ضد الاحتلال، ساهمت جميعا في خلق نمط من التوترات داخل التيار نفسه، الذي كان يجد نفسه وفي كل يوم، وكأنه أضحي عرضة للتمزق الوجداني والسياسي، وقد يجد نفسه، تاليا ، في قلب إعصار الانقسام والانشقاق.

مقاربة ثانية:

في وقتٍ ما، وبكل يقين ليس الآن؛ بل بعد عقود من زوال الاحتلال ورحيل الأمريكيين عن العراق، سوف يتوقف دارسو التاريخ، وبالطبع المؤرخون وعلماء الاجتماع والباحثون، طويلا وبلا تردد أمام أكثر ظاهرات الحياة السياسية والاجتماعية والدينية في تاريخ العراق المعاصر، إثارة للدهشة وللأسئلة المحيرة وذات الطابع السجالي، المفجر للشكوك والظنون والتفسيرات حتي غير المترابطة منها، نعني ظاهرة التيار السياسي المرتبط باسم الشيخ مقتدي الصدر، والذي تلازم صعود أدواره في الحياة العامة واليومية للعراقيين مع وقوع أكبر حدث هلعي في تاريخ العرب، منذ سقوط الخلافة العباسية في قبضة المغول عام 1258، وحروب الفرنجة (ما يدعي الحروب الصليبية ) ثم ضياع فلسطين في عام 1948 وحتي اليوم. كان الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني للعراق وسقوط بغداد في التاسع من نيسان (إبريل) 2003، من منظور الأحداث الهلعية في تاريخ العرب والعراقيين، وبحق، هو الحدث الهلعي الأكبر؛ إذ لم يحدث أن تشقق بلد، طولا وعرضا، أو بكلام آخر، تمزق نسيجه الاجتماعي ومحيت كل مظاهر الدولة فيه، كما انعدمت تقريبا ملامح وجود هوية وطنية جامعة أو مجتمع موحد، مثلما حدث مع العراق المعاصر الذي يحلو للأمريكيين تسميته (بالعراق الجديد).

إن مؤرخا حصيفا تغمر عينيه دموع الأسي و يعتصر الألمُ قلبه وهو يقلب صفحات مثقلة بالأحداث المأسوية من تاريخ الاحتلال الأمريكي الرهيب حيث يمتلئ كل سطر من سطور هذا التاريخ الفجائعي بأخبار وصور الجثث المجهولة المرمية في قارعة الطريق أو في الأنهار والسواقي، أو بصور القتلي مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين وقد أطلق الرصاص عليها من الخلف ـ سوف يجد نفسه وقد وقف متسائلا بمرارة عما إذا كانت الأقدار وحدها، وليس الطموح الشخصي أو الأهواء الدفينة، هي التي دفعت إلي واجهة الأحداث الدامية بذلك الشاب صغير السن، والذي لم يشبع طموح مناصريه ومؤيديه بارتفاع منزلته وبمكانته علي مستوي العلم الشرعي، أي الديني، وبكل ما يتضمنه هذا السمو من قدرة وأحقية في الإفتاء بأمور الدين والدنيا، وفوق ذلك تنقصه الخبرة السياسية؛ ليلعب بالنيابة عنهم وعن قطاع عريض من المجتمع العراقي دور البطل أو المخلص؟ وعما إذا كان وجوده في تلك الساعات العصيبة من التاريخ في قلب ميدان ملتهب، دليلا من بين أدلة أخري علي أن الأبطال الحقيقيين يولدون سوية، مع أبطال مزيفين لا حصر لهم، وأن شطرا من القدر المرسوم لحياتهم هو أن يظلوا يقظين ومستعدين علي الدوام لمصارعة هؤلاء ودحرهم؛ بل وأن يواصلوا تقديم أنفسهم كأبطال جديرين بالإعجاب والمحبة والتأييد، فوق خشبة مسرح يعج بأشباه الرجال وبالأدعياء وحتي بالمجرمين والقتلة؟

ثمة صورة أخري، لم يجرب أحد بعد إمعان النظر فيها بقدرٍ نزيه من الحيادية، تخصَ الشيخ مقتدي الصدر- زعيم ما بات يُعرف اليوم في العالم كله بالتيار الصدري ـ وتبدو مشبعة بنمط غريب من المفارقات الساخرة، التي لا تكاد تفارق مخيلة الخصوم والمناصرين علي حد سواء حتي هذه اللحظة. إنها صورة شاب اقترن ظهوره الأول، وسطوع نجمه في الحياة السياسية، بكونه رجل دين صغير وحسب لا يملك من قوة التمثيل الديني إلا النزر اليسير، بينما اقترن ـ علي العكس من ذلك ـ ظهوره في الحياة الدينية بكونه رجل سياسة قليل الخبرة وحسب، لا يملك من فنونها سوي أقل القليل أيضا. منذ الأيام الأولي للاحتلال، سطع نجم الشيخ كرمزٍ جديد من رموز الوطنية العراقية، التي بدا أنها كانت أمام امتحان عسير قد يجلب المهانة للشعب بأسره ، وذلك مع شيوع أعمال النهب والسلب والقتل العشوائي والتصفيات العبثية واللامبالاة إزاء الحدث الهلعي؛ حيث ُتركت البلاد تحت رحمة الصدمة والذهول تصارع قدرها المجهول. لقد قيض لصورة الشيخ هذه أن تصعد ـ في مخيلة وهتافات مناصريه ـ كصورة منمقة لزعيم سيجمع بين يديه، وبفضل مكانة أسرته دينيا واجتماعيا في الوسط الديني، شرعيتين متلازمتين مع ذلك:

الشرعية الأولي:

تمثيلية، أو ذات طابع تمثيلي بدرجة ما في نطاق الدين، وإنْ كانت من حيث درجة قوتها الساطعة، أقل تجسيدا لمبدأ الكفاية في العلم الشرعي . بكلام آخر هي شرعية يشوبها عيب شديد الأذي بالنسبة للقائد الديني، نعني النقص الفادح في المكانة العلمية ـ الدينية ودرجة الأعلمية. وهذا التعبير الشيعي الخاص والدقيق والذي نجده في كتب الفقه، هو التعبير الأكثر تجسيدا لفكرة أن درجة العلم الشرعي وحدها، وليس أي شيء آخر، ستلعب في النهاية الدور الحاسم في تقرير منزلة الفرد في عالم القيادة الدينية للجماهير، وهي وحدها التي تؤهل الفرد للعب دور الفقيه والمفتي في عالم المرجعيات الشيعية الصارم.

الشرعية الثانية:

هي شرعية الدور السياسي في لحظة وطنية تاريخية نادرة، والتي يتمكن فيها فرد، وبصرف النظر عن تجربته وماضيه، من تعريف نفسه كقائد جديد في مسرح بدا أنه يخلو من القادة. هذه الشرعية التي امتلكها الصدر ( الثالث من حيث ترتيبه داخل الأسرة الصدرية ) امتازت، مع ذلك، بالقدر ذاته من النقص الفادح الذي لازم شرعيته الدينية؛ كفاية أقل في العلم أيضا، وهذه المرة في علم السياسة وفنونها.

بيد أن الصدر انتزع، مع ذلك، هاتين الشرعيتين المتلازمتين بسرعة مذهلة وذكاء؛ من قلب شرعية أخري أكبر وأقوي، كانت تتشكل في سماء الأحداث الدامية المتسارعة من حوله، شرعية مقاومة الاحتلال. ففي الشارع العراقي المتفجر بالغضب، المشوش والمذعور من جسامة الحدث الهلعي الرهيب، التف الملايين من الشباب الفقراء في كل مكان من حول الشيخ مقتدي الصدر، مخاطبين فيه قدره الشخصي لا علمه القليل في الدين والفقه، ومصيره كإنسان لا تجربته السياسية الفتية. كانت الجماهير الشبابية الشيعية في مدينة الثورة (أو مدينة صدام التي أصبح اسمها مدينة الصدر) وفي أحزمة الفقر المنتشرة في الجنوب والفرات الأوسط وفي النجف تحديدا، تخاطب في الشيخ أطيافه التي تلوح في الأفق وتدعوه إلي أن يقودها في معركة لا ُيعرف، بالضبط، كيف ومتي وإلي أين ستنتهي؟ لقد كان شطر هائل من أبناء الشيعة في قلب لحظة خصام وتزاحم وتناقض مع أخوة لهم في المذهب؛ وكان هؤلاء يوجهون بعضا من مشاعر الغضب صوب المرجعية التقليدية في النجف وصوب أحزاب شيعية ومليشيات اندفعت مع المحتلين لتستولي علي الحكم، لا لشيء إلا لأن تعاون (بعض الشيعة) مع المحتلين كان يضرب في الصميم معتقدا راسخا من معتقداتهم عن التاريخ النضالي للشيعة: العداء للاستعمار. ولذلك؛ وبسبب هذا التشابك المأسوي، وجد الصدر الثالث نفسه وقد تقاذفته موجة جماهيرية عاتية كانت تحارب بضراوة علي جبهتين: جبهة مفتوحة للتو ضد المرجعية التقليدية (التي أطلق عليها منذ الآن اسم بالحوزة الصامتة تهكما وسخرية) وتم فيها ضم أعداء أو خصوم دينيين جدد (مع دخول باقر الحكيم في المجمع الفقهي بوصفه خامس الكبار في الحوزة) وجبهة موازية ضد الاحتلال الأمريكي من خلال التظاهرات الحاشدة وكل أشكال الاحتجاج المبتكرة.

وفي إطار هذه الاستراتيجية جري دمج قسري للصراع مع البعث، وبحيث اختلط القتال ضد الأمريكيين بوقوع تصفيات إجرامية ضد البعثيين من دون توقف.

علي هذا النحو جمع الصدر الثالث بين يديه سلاحين ثقيلين، بدا أن طاقته الفعلية ومهاراته العملية علي استخدامهما بكفاءة وفي آنٍ واحد؛ إنما يتطلب ظروفا أخري وأدوات أخري وربما أبطالا آخرين لم تلدهم الحياة بعد. كان الصراع المبكر الذي خاضه الصدر ضد مرجعية آية الله السيستاني في النجف، بعد أيام فقط من الاحتلال، مماثلا من حيث المظهر الخارجي، للصراع الذي خاضه من قبل آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي ضد آية الله العظمي والمرجع الأعلي للشيعة كاظم اليزدي، عندما كان الأول في معقله بسامراء ـ نصف الشيعية ـ يكابد من أجل منع انزلاق شطر من الشيعة إلي التعاون مع المحتلين البريطانيين مع سقوط بغداد في 11 آذار (مارس) 191

. فماذا لو أن الأقدار جعلت من مقتدي الصدر الشاب، رجلا كهلا ـ في اللحظة التي استولي فيها الأمريكيون علي بغداد ـ وكان لديه بدلا من لقب الشيخ، كفاية في العلم الشرعي تؤهله للحصول علي لقب آخر مثلا: آية الله أو حجة الإسلام؟ هل كان صراعه ضد المرجعية السيستانية سيتخذ، آنئذ، مسارا آخر شبيها بالمسار الذي قاد الشيرازي ليصبح ألمع قادة الثورة ضد الإنكليز ثم المرجع الأعلي للشيعة؟ من هذه الناحية لا ينبغي التقليل من قيمة التساؤل، إذ أن الصراع من الخارج ضد المؤسسة الدينية التقليدية، كان يرتبط تاريخيا، بوجود شرعية دينية موازية ومنافسة في الداخل. وبطبيعة الحال فقد استمد الشيرازي جزءاً من شرعية صراعه الداخلي ضد اليزدي، لا من كونه أحد الطامحين ـ من خارج المؤسسة الدينية ـ بل من حقيقة وجوده كمرجع ديني كبير خارج المجمع اللاهوتي. أما علي جبهة السياسة المحتدمة والمتفجرة، فقد وجد الصدر نفسه في مواجهة مكشوفة مع الاحتلال، وكان عليه، لأجل المضي قدما في الصراع ضد المؤسسة الدينية التقليدية وضد الاحتلال معا، أن يفتش من داخل هذه الموجة الجماهيرية العاتية التي أخذت تتقاذفه بالفعل، وربما تقوده بدلا من أن يقودها، عن قوي جديدة تصلح للاشتباك العسكري الميداني ضد العدوين.

ولذا سارع إلي الإعلان عن بناء جيش المهدي والشروع به عمليا في منتصف تشرين الثاني (فبراير) 2003، بينما كانت صحيفته التي أخذت اسم الحوزة الناطقة ، إمعانا في معاداة مرجعية النجف والتنازع معها علي الشرعية ودرجة تمثيل الشيعة في هذه اللحظة من التاريخ؛ تصدح بأناشيد القدح والذم بحق رجال الدين الخونة [5] و المعممين المزيفين. من هذه الناحية أيضا وجد الصدر الثالث نفسه وقد تشبه بالميرزا الشيرازي، حين توجه إلي طلب معونة العشائر في الجنوب من أجل المعركة ضد الاحتلال؛ ولكنه بدلا من التوجه إلي رؤساء العشائر وشيوخها ويكتب إليهم طالبا المدد- كما فعل الشيرازي ـ اتجه بكل ثقله صوب الشباب ـ في هذه العشائرـ الذين انضموا إليه بسرعة وأعداد هائلة. ومع هذا كله تبدو محنة الصدر الثالث ( الشيخ مقتدي بن محمد صادق الصدر ) أكبر بكثير من محنة أبيه وعمه [6]. مصدر هذه المحنة وأساسها، أن الشيخ وجد نفسه أسير مهمة متراكبة ومعقدة لا يملك مفاتيح الفكاك منها، ولنقل أمام معركة مزدوجة فرضتها الأقدار: ضد الاحتلال وضد المرجعية الشيعية التقليدية ( المؤسسة الدينية الديكتاتورية) في الآن ذاته.

وكما أن المؤرخ الحصيف الذي يدرس تجربة التيار الصدري مستقبلا، سيقف حائرا ومشوشا ربما أمام الطبيعة المعقدة في تركيبة التيار ومهامه ووظائفه، فإن المرء ليشعر اليوم ـ كما هو الحال مع الكثير من المراقبين في العالم العربي وفي الغرب كذلك- بالحيرة نفسها إزاء الطريقة التي يتوجب فيها رؤية الدور الذي لعبه.

--------------------------

[1] حشد الصدر الثاني من حوله أنصارا لا عد لهم ، وخاض ضد المرجعية في النجف نضالا ضاريا ، وكانت لديه الإمكانية باستمرار لخلق موضوعات للصراع ، مثلا فتواه بإقامة صلاة الجمعة التي ظلت النجف ترفضها ولا تقيمها جماعيا، أو إباحة التدخين للصائم، أو إشهار تحديه للسلطة من خلال ارتداء الكفن أثناء الخطب.

[2] أنظر مطالع البحث، المصدر مذكور.

[3] لا تزال أموال المرجعية التي وقعت في أيدي أبناء أبو القاسم الخوئي (المرجع الأعلي للشيعة حتي عام 1992) موضوعا مثيرا للنقد والشبهات. وتتحدث كثرة من المصادر عن مليارات الدولارات التي استثمرت في مؤسسات خيرية يذهب ريعها بالكامل إلي أسرة الخوئي. ولعل قصة استيلاء احد أبناء الخوئي (السيد مجيد الخوئي الذي قتله الصدريون حسب بعض المزاعم داخل ضريح الإمام علي بن أبي طالب بعد ساعات من دخول الدبابات الأمريكية علي النجف في السادس من نيسان ـ ابريل) تشير بدقة مذهلة إلي المعني الفعلي لكلمة حرمان أو تهميش، فبدلا من مؤسسات لرعاية الفقراء طارت الأموال إلي البنوك الأجنبية (لندن بشكل خاص) حيث استثمرت هناك في مشاريع شخصية تفوح منها رائحة الفساد المالي..

[4] إحصائية خاصة حصل عليها الكاتب من مصادر متطابقة ويحتفظ بصورة منها تتضمن أسماء الشهداء ومدنهم وبلداتهم.

[5] وجه الصدر الثالث (مقتدي) اتهامات قاسية للكثير من رجال الدين المساهمين في الغزو، وكانت شجاعته، وقدرته علي توظيف النقد اللاذع، محط اهتمام وإعجاب حتي خصومه.

[6] كان آية الله العظمي محمد باقر الصدر (عم الشيخ مقتدي) فيلسوفا ومؤسسا لحزب الدعوة، وكانت محنته، في أيامه الأخيرة خصوصا، تتمثل في شعوره بأنه بات محاصرا من المؤسسة الدينية وحزبها الذي أسسه ومن السلطة في آن واحد، ولذا وجد نفسه يتفرغ إلي التأليف والكتابة وليسقط في النهاية صريع الرصاص. أما شقيقه (والد الشيخ مقتدي) محمد محمد صادق الصدر فقد واجه تقريبا المصير نفسه. تكمن القيمة العلمية لنشاط الصدر الأول علي صعيد الفقه الشيعي، في النجاح منقطع النظير الذي حققه علي مستوي كسر جمود الخطاب التقليدي ونقله ، علي مستوي اللغة ، من طور الطلاسم التي يمكن رؤيتها ببساطة من جانب كل قارئ للنصوص الفقهية الشيعية، إلي طور الخطاب الشعبي التعبوي، أي عبر تجريده من ألغازه الفقهية ولغته القديمة. بينما تتمثل مساهمة شقيقه الصدر الثاني، وعلي أكمل وجه، في نقده لتخلف الفقيه وعجزه عن إنشاء وتأسيس وعي اجتماعي عند متلقي نصوصه. في النهاية أيضا سقط صريع الرصاص مع ولديه في حادث لا يزال يلفه الغموض.



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل -11.67 من 5التصويتات 3تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع