العربية: المتظاهرون الأحوازيون يقطعون الطرق الرئيسية في المدينة *** العربية: زعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي: على المجتمع الدولي دعم مطالب الإيرانيين *** العربية: السفير الأميركي في برلين: واشنطن تستطيع مساعدة الشعب الإيراني في التغلب على قطع الإنترنت *** العربية: وكالة مهر للأنباء: الاحتجاجات في إيران هى الأعنف مقارنة باحتجاجات عام 2017 *** قناة الإخبارية: إطلاق النار في شوارع مدينة الفلاحية بالأحواز
  • الثلاثاء 19 نوفمبر 2019م
  • الثلاثاء 22 ربيع الأول 1441هـ
المقالات التمدد الشيعي الشيعة في العراقالراديكالية الشيعية والاحتلال الأمريكي للعراق [4]
فاضل الربيعي

القدس العربي 2-2/2006م

معركة النجف في 2004 كانت صراعا بين المرجعية الناطقة والصامتة.. وعلاوي وامريكا ارادا تحجيم الصدريين...

في هذه الدراسة الجديدة يعرض الباحث والمفكر العراقي فاضل الربيعي تصوره لمستقبل التيار الصدري في العراق، ويتناول الأسس والمنطلقات الفقهية والفكرية والسياسية التي قام عليها بعد التاسع من نيسان (إبريل) 2003. وإذ يلاحظ الباحث أن هذا التيار يجمع بين مقاومة الاحتلال ومواصلة سياسات تصفية حزب البعث في الآن ذاته؛ فإنه يتكهن بإمكانية حدوث انقسام خطير قد يدمر الأسس التي قام عليها. كما أن عجزه عن حسم التناقض الجوهري ضد الاحتلال، قــــد يفضي به إلي التحالف مع القوي والجماعات التي ارتطم بها في سياق تطوره.

من فقه الدين إلي فقه السياسة:

أولا: شرعية ضد شرعية:

لأجل فهم معمق لهذا الدور، لا بد من رؤيته ضمن سياقه الجديد الذي تبلور فيه. لقد برز الدور بقوة في أعقاب وقوع بغداد في قبضة الاحتلال الأمريكي (الأجنبي) ثم ما لبث أن تصاعد بصورة لافتة ومثيرة للاهتمام، في أعقاب معركة النجف الشهيرة صيف عام 2004. إن التأمل في الأدوار التي تلعبها القوي والجماعات وحتي الأفراد في الأحداث الهلعية الكبري (الاحتلال الأجنبي، الثورات، الأزمات الوطنية...الخ) وليس النتائج، يؤكد انها غالبا ما تكون هي الأساس الموضوعي لأي دراسة سوسيولوجية لا بالنسبة لعلماء الاجتماع وحسب؛ وإنما كذلك للمؤرخين والباحثين والمحللين. إن الأدوار تظل أهم من النتائج في الكثير من الحالات، فسواء انتهي البطل إلي الهزيمة أم إلي النصر؛ فإن دوره سيظل هو موضوع النقاش. والأمر المؤكد؛ أن الأدوار السياسية والاجتماعية التي يلعبها القادة لا القادة بأنفسهم، هي التي تجعل من هذا الفرد أو ذاك، موضوعا دراسيا مثيرا. ما يلفت الانتباه في صعود التيار الصدري اقترانه بجملة من المتغيرات العامة والخاصة.

أول هذه المتغيرات انهيار فكرة وجود جهة تمثيلية واحدة للشيعة في العراق. وبالفعل؛ فإن التاريخ الاجتماعي والسياسي في العراق منذ الحقبة الصفوية 1513 حتي اليوم، لم يعرف أو يشهد تشققا وتهتكا في صورة المرجعية (المؤسسة الدينية) كما هو الحال مع الصورة المريعة الراهنة للشيعة، وإلي الدرجة التي أصبحت فيها مسألة تمثيلهم السياسي مسألة مشكوكا فيها بقوة. كان أتباع المذهب الجعفري في العراق يتبعون من الناحية التاريخية و ـ تقليديا ـ حتي مع وقوع الاحتلال بأشهر معدودات، مرجعية دينية واحدة متماسكة نسبيا، عبرت عن هويتها في صورة مؤسسة دينية هي الحوزة العلمية في النجف؛ ويلعب فيها رجال دين كبار دور المرجعيات التي يتبعها أبناء المذهب ويقلدونها (أي يتبعون فتاواها).

ولكن، وفي أعقاب الاحتلال مباشرة، وقع ما يمكن اعتباره أول تشظٍ فعلي (أو توزع للسلطة الدينية بكلامٍ آخر) وأمكن في غضون وقتٍ قصير من ذلك، رؤية شكلين بارزين راحا يتجاذبان في الشارع؛ شكل سياسي و آخر فقهي وسوية مع تعبيرات لا حصر لها من الولاء والالتفاف حول هذا المرجع أو ذاك. ثم سرعان ما تبلورت أشكال أخري إضافية من أشكال التشظي مع صعود أدوار المليشيات الشيعية في الحياة السياسية العراقية.

إن أولي النتائج التي أسفر عنها هذا التمزق في التمثيل؛ ويمكن حصرها ووضعها في إطار دراسي من أجل فحص الآثار التي خلفها الاحتلال، تتحدد في التالي:

لقد كشف التمزق عن حقيقة أن ما كان يبدو (طائفة شيعية) شبيهة بالسبيكة الصلبة؛ ليس سوي خيال استشراقي كرسته أوهام وتصورات زائفة تنتمي، في الغالب، إلي حقبة الكولونيالية البريطانية التي شجعت معتقدا سياسيا مخادعا في أوساط الشيعة، وإبان المواجهة مع السلطنة العثمانية، مفاده أنهم يؤلفون أغلبية المجتمع، وأنهم طائفة شبيهة، من حيث درجة تماسكها الداخلي، بالسبيكة، وكان ذلك بلا مراء ذروة الخداع سرعان ما تبين انه نوع من إيديولوجيا. مع الاحتلال الأمريكي للعراق جري، وعلي نطاق واسع الترويج لهذه الفكرة وراحت نشرات الأخبار اليومية في الفضائيات؛ تكرس بأكثر مما هو متوقع، حقيقة مصنعة من حقائق الحالة العراقية عن طائفة شيعية بينما يقول الواقع إن من المستحيل التوفيق بين فكرتين متناقضتين؛ فإما أن يعتبر الشيعة أنفسهم أغلبية في المجتمع وإما أن يروجوا لهويتهم كطائفة؟ كما كشف هذا التمزق، في وجه آخر من وجوهه، أن وجود جهة تمثيلية قادرة بعصا سحرية أن تأمر الشيعة بالطاعة والخضوع، إنما بات هو الآخر نوعا من ما بعد استشراق مع تصاعد نوع من النفور الشعبي من استمرار صمت السيستاني وتخاذله. لقد أصبح الشيعة شيعا والمرجعية مرجعيات.

في هذا السياق يكون الصدر الثالث قد استولي ـ علي جبهة معركته ضد المؤسسة الدينية ـ علي أكثر من موقع استراتيجي، وتمكن من الفوز بمكانة مرموقة في أنظار الشيعة، فهو علي الأقل أعاد لهم شرفهم النضالي والوطني وضمد كرامتهم المجروحة بفعل خيانة قوي وأفراد وجماعات شيعية شاركت في الغزو، أو قدمت له الدعم (ولم يتردد الصدر عن توجيه تهمة الخيانة للكثير من المعممين من رجال الدين الشيعة). من بين أهم هذه المواقع التي استولي عليها الصدر الثالث، أحزمة الفقر في المدن الكبري (بغداد والبصرة والكوت والناصرية) وذلك عندما بسط نفوذه الروحي والسياسي بسرعة وفعالية داخل الخزان الشبابي الهائل الذي يغلي بالخصومة للمؤسسة الدينية؛ هذه التي حرمته من أي شكل من أشكال الرعاية. وبذلك، تمكن الصدر الثالث وبسرعة فائقة من قطع الطريق علي المؤسسة الدينية، وعلي مليشيات الأحزاب الشيعية العميلة ـ كما باتت تسمي في العراق ـ ونجح في حرمان هؤلاء من أي إمكانية للاقتراب من أنصاره ومؤيديه داخل هذا الخزان. يعني هذا أن الصدر الثالث، تمكن، وبوسائل وأدوات غير دينية أو غير فقهية؛ ولكن بوسائل وأدوات وشعارات سياسية ذات طابع عمومي ممزوج بالدعاوي الدينية، من اجتذاب قوي جديدة وفتية إلي تياره الصاعد، وأصبح قوة يصعب قهرها. ولكن فجأة؛ تُرك الباب مفتوحا أمام ظهور شعارات كريهة طغت علي تحرك الصدريين في الشارع، وإلي الدرجة التي أصبح فيها شعار (وحياة الزهرة المظلومة كل بعثي نقطع زردومة) [1] هتافا مدويا في الأيام الأولي للاحتلال.

ثانيا: معركة النجف كنقطة تحول:

إن إعادة بناء الرواية التاريخية السائدة عن معركة النجف (صيف 2004) والتي خاضها الصدريون ببسالة من خلال جيش المهدي سوف تكشف عن الوجه الحقيقي للصدام بين مرجعيتين، كانتا تتصارعان علي الأرض من أجل انتزاع الشرعية: المرجعية الناطقة والمرجعية الصامتة، وأن تدخل الأمريكيين عسكريا في اللحظات الأولي للمعركة وظروف الإعداد لها من جانب قوات الحكومة المؤقتة بقيادة إياد علاوي، إنما كان مصمما لحسم الصراع لصالح المؤسسة الدينية التقليدية ومن أجل إضعاف الصدريين وإخراجهم من النجف. بدأت المعركة في نهاية تموز/ يوليو واستمرت حتي منتصف آب / أغسطس 2004، وخلال هذا الوقت (نحو أسبوعين) كانت المرجعية الدينية تفر من ميدان المعركة تاركة النجف لقدرها المحتوم. كما تكشف وقائع المعركة عن النتائج الفعلية التي ترتب عليها هذا الارتطام العنيف والمنفلت في الشارع الشيعي ضد المؤسسة الدينية، والذي كان قابلا للاختبار بوصفه تجسيدا بليغا لتطلع ملايين الشباب المحرومين والمُهملين، ممن نظرت إليهم المرجعيات الدينية البارزة وبالتعاقب وجيلا إثر جيل، من داخل المؤسسة أو من خلف أسوار المدرسة الدينية، علي أنهم يستحقون الرثاء لا العطف، بسبب ترددهم عن وضع أنفسهم تحت تصرف المجتهدين؛ ولأنهم اختاروا بدلا من تقديم الولاء الصريح، توجيه النقد اللاذع و حتي اتهامها بالفساد المالي والأخلاقي. وبينما كان إعصار المجابهة، بين الراديكاليين الصدريين الذين انتشوا، آنئذٍ، بتعريف أنفسهم كأتباع للمرجعية الناطقة التي يقودها الشيخ الصدر، وبين المرجعية التقليدية (المؤسسة الدينية) التي يقودها السيستاني وهو يزمجر بقوة في سماء النجف، أيقن العراقيون وقد سمعوا، علي غير توقع والدهشة تعقد ألسنتهم، أن رجال الدين الكبار (المراجع) غادروا جميعا المدينة خلسة إلي جهة مجهولة، أن هؤلاء فروا كجبناء تاركين المدينة لقدرها. وهكذا قام العراقيون الغاضبون، في كل مكان، وفي رد فعل عفوي نادر، بتحريف أغنية شعبية للأطفال يغنيها مطرب مشهور، وبحيث أصبحت كلماتها تقول (دلع، عيني دلع، عاف الحوزة وشلع) أي يا دلع ـ اسم طفلة ـ لقد هرب رجال الدين تاركين الحوزة. عبر هذا التحريف الذكي والساخر لكلمات الأغنية عن درجة السخط الذي غمر كل ركن وزاوية في المدينة المقدسة ضد رجال الحوزة، عندما بدا أنها أضحت مسرحا داميا ومستباحا. بيد أن التوقعات الحكومية (حكومة رئيس الوزراء المؤقت إياد علاوي) كانت تروج لنمط زائف من تهدئة الخواطر والمخاوف، وتؤكد ان إخراج الصدريين من النجف وطردهم بات مسألة أيام لا أكثر. كان خروج رجال المؤسسة الدينية من النجف (إسحق الفياض، بشير النجفي، محمد سعيد الحكيم، وأخيرا: المرجع الأعلي آية الله العظمي السيستاني الذي زُعم أنه بحاجة إلي عملية جراحية في القلب وأنه سيغادر إلي لندن) أكبر صدمة وجهت لوجدان الشيعة. لقد تُركت المدينة تواجه مصيرها المحتوم تحت دوي القنابل. في الواقع بدأ الصدام في النجف، في الأصل، بين الصدريين والمؤسسة الدينية حول مسألة إدارة الضريح المقدس (مرقد الإمام علي) الذي تُرك، عمليا، تحت سيطرة أتباع عبد العزيز الحكيم وبشكل أخص تحت رحمة صدر الدين القبانجي، أكثر قياديي المجلس الأعلي للثورة الإسلامية نفوذا في النجف. كان القبانجي وقت وقوع الأحداث عضوا قياديا بارزا في المجلس الإسلامي، وخطيبا في مسجد الإمام علي، ولكنه وبفضل حظوته عند آل الحكيم، تمكن من فرض سيطرته شبه المطلقة علي المدينة، التي أصبحت مرتعا لمليشيات فيلق بدر. في هذا الوقت وقبيل اشتعال فتيل الأزمة وتفجر الأوضاع هناك بقليل، سعي الصدر من مكتبه الخاص داخل المرقد، إلي الضغط علي المرجعية بشكل مباشر للتدخل من أجل وضع حد لسطوة هؤلاء وتلاعبهم (كانت هناك شبهات بتجاوزات مالية وتلاعب بممتلكات المرقد وسرقات علنية وترويع للسكان). بيد أن الجبن والتخاذل ظلا السمة البارزة في سلوك رجال المرجعية في هذه النقطة الحساسة من النزاع، الذي ظل سلميا ويدور في الشوارع بطريقة مقبولة، كنزاع ُيسمح بالإعلان عنه ولكن لا يُسمح فيه باستخدام العنف.

فجأة تغير المشهد برمته عندما أظهرت المؤسسة الدينية تخاذلها علنا، وراحت تصور الأمر كما لو أنه نزاع بين الصدريين وجماعة الحكيم علي إدارة الضريح، وأنها طرف مغلوب علي أمره. لكن؛ وحين تحركت القوات الحكومية مدعومة من الأمريكيين ومليشيات عبد العزيز الحكيم (المجلس الإسلامي الأعلي للثورة العراقية وفيلق بدر) وقوات وزارة الداخلية (مغاوير الداخلية والشرطة) والجيش العراقي الجديد (المؤلف في الغالب مما يدعي الحرس الوطني) تبين أن الصدام مع الصدريين سيكون داميا وطويلا، وأنه سوف يتجاوز مسألة مفاتيح الصحن الحيدري [2]. في هذه المعركة وفي قلب ميدانها الملتهب تبين بجلاء أن الصمود داخل المدينة القديمة وأزقتها الضيقة أو التحصن داخل الضريح، كان تكتيكا خاطئا سوف يكبد الصدريين خسائر فادحة؛ ولذلك سارعت المقاومة الوطنية (وبشكل أخص البعثيين الذين هم في الغالب من الكفاءات العسكرية النادرة) إلي التدخل بسرعة فائقة لنجدة الصدريين المحاصرين داخل مرقد الإمام علي، وخلال ساعات كان هناك ما يزيد عن ألف مقاتل [3] يغيرون، ومن خلال استراتيجية عسكرية متقنة، اتجاه المعركة كليا ويرغمون الأمريكيين وقوات فيلق بدر الشيعية المتعاونة معهم، فضلا عن الجيش الجديد وقوات الشرطة والحرس الوطني، علي الانكفاء والقتال داخل مقبرة النجف. لقد تم استدراج المهاجمين إلي مواضع يستحيل فيها صد الهجمات المضادة أو الصمود من دون دفع أثمان مكلفة.

أظهرت معركة النجف البطولية التي صمد فيها الصدريون وقاتلوا قتال الأسود، وبشكل غير مسبوق، وجود إمكانية سياسية حقيقية لفك الارتباط ـ داخل استراتيجيات التيارـ بين العداء لحزب البعث ومقاومة الاحتلال. بيد أن تطورا مفاجئا كان بانتظار هذا المنعطف الهام في العلاقة بين البعثيين والصدريين؛ إذ دخلت المؤسسة الدينية (المرجعية) فجأة، وبقوة وبشكل غير متوقع، لتعرض وساطتها وتدعو إلي وقف إطلاق نار فوري بين الأمريكيين والأحزاب الشيعية المتحالفة معهم من جانب، وقوات جيش المهدي من جانب ثانٍ. ومع العودة المفاجئة للسيستاني من لندن، من دون علاج (لأنه كما تبين لم يكن بحاجة إلي علاج من أي نوع كان) [4] فقد تكثفت المناورات السياسية والوساطات الحكومية، وجري الإعلان عن لقاء نادر بين الشيخ مقتدي الصدر وآية الله السيستاني. وعلي مائدة العشاء التي دُعي إليها الصدر، أعلن مكتب السيستاني أن الاتفاق تم علي خروج جيش المهدي من المدينة وتسليم مفاتيح الصحن الحيدري للمرجعية.

في هذا الوقت كان عشرات الآلاف من الشبان من مختلف مدن العراق يتجمعون، مذعورين ومصدومين، عند تخوم النجف مطالبين بالسماح لهم بزيارة المرقد، لتفقد آثار القصف الإجرامي الذي تعرض له؛ وحيث شاعت أنباء متضاربة عن إلحاق أضرار جسيمة بالباب الرئيس للصحن وفي ضريح الإمام علي بن أبي طالب.اشتعلت الجموع الهائجة بالغضب وهي تنتظر لساعات بعد أن قطع الأمريكيون كل الطرق المؤدية إلي المدينة. كانت التسوية التي اقترحها السيستاني تفترض، بشئ من الدهاء، أن الصدريين لن يخرجوا مهزومين من المدينة، وأن حل جيش المهدي لن يكون ممكنا داخل ميدان معركة لا تزال نيرانها تُضرم مع كل اعتداء من قوات الاحتلال، وأن من الضروري إنشاء ممر آمن يتمكن فيه الصدريون من الخروج بأسلحتهم الفردية. وهكذا سارت الأمور تقريبا وتماما كما في فيلم الكوميدي المصري الشهير عادل إمام (الإرهاب والكباب) حين سُمح فجأة لعشرات الآلاف من الزوار بدخول المدينة والمرقد علي أن يعودوا أدراجهم فور انتهاء مراسم الزيارة، ومع هؤلاء الذين سيغادرون تم ترتيب الخروج السلمي للمقاتلين الذين سُمح لهم، من خلال هذه التسوية، بالاختلاط مع الجموع المغادرة. ومهما يكن من أمر؛ فإن المصالحة المفاجئة التي تمت بين المرجعية الصامتة والمرجعية الناطقة، وتحت ظلال المنازل المهدمة والبنايات المحترقة، بينما كانت هناك شواهد محزنة علي تدمير أبواب مرقد الإمام علي تلوح لأنظار المدعوين إلي العشاء؛ كشفت ودون لُبس، أن الأمريكيين والبريطانيين والإيرانيين كانوا هناك، علي مائدة العشاء ينسجون خيوط دور جديد يرغبون، بدعم من السيستاني، في تفصيله علي قياس الشيخ الصدر والصدريين منذ الآن وحتي إشعار آخر. وبينما كانت جموع الصدريين وأفراد جيش المهدي ورجال المقاومة تغادر النجف سوية مع الزوار، جري تسليم مفاتيح الصحن الحيدري من جانب مدير مكتب الصدر، أخيرا، وتم الاتفاق علي الخروج السلمي من النجف؛ ثم أُعلن في وقتٍ لاحق من ليلة الاتفاق علي حل جيش المهدي رسميا.

انتهت معركة الصدر الثالث الدامية والمروعة، لا إلي مجرد مصالحة شكلية بين الشيخ الصدر وآية الله السيستاني العائد من لندن عن طريق الكويت؛ يمكن أو يحتمل وقوعها في إطار أي تسوية محتملة بين خصمين عنيدين، ولا إلي وضع خاتمة حزينة لحرب ضروس وقديمة ما كان لها أصلا، أن تندلع لولا أن زخم الأحداث المتلاحقة هو الذي ظل يدفع بها إلي الواجهة؛ بل إلي تقرير حقيقة جديدة من حقائق واقع سياسي شديد التقلب، ربما كان يصعب تقبله حتي ساعات من وقف إطلاق النار. هذه الحقيقة هي ببساطة، أن الإيرانيين بالتواطؤ مع الأمريكيين و آية الله السيستاني (كما كان الحال مع القاجاريين وآية الله كاظم اليزدي في معركة النجف عام 1914) كانوا يشكلون جبهة واحدة. ومن سوء الحظ أن هذه الحقيقة تشظت بصورة عادلة بين الطرفين.

لقد اكتشفت المؤسسة الدينية قدرتها علي احتواء معارضيها الراديكاليين بسهولة؛ بينما اكتشف الصدريون أن التعالي والفوقية التي كانت تنظر بهما المرجعية التقليدية (المؤسسة) إليهم، هي في الجوهر، ومن حيث ترتيب وتصنيف نتائج المصالحة وتحليلها، أكبر من مجرد نظرة ازدراء لإمكانياتهم علي معارضتها.إنها نوع من احتقار ممزوج بالدهاء، وأن عليهم أن يكفوا عن معارضة المؤسسة الدينية إلي الأبد. وهذا ما عناه الشيخ الصدر بنفسه علي وجه التحديد، حين قال علي مائدة العشاء مخاطبا السيستاني، انه يضع نفسه تحت تصرف مرجعيتنا وبذلك أُعيد تأسيس استراتيجية الصدريين (منذ الآن: صيف وخريف 2004) علي أساس المجابهة مع عدوين: الاحتلال الأمريكي والبعث. لقد سقطت استراتيجية الصراع ضد المؤسسة الدينية فعليا بفضل تدخل الإيرانيين.

بكلام آخر؛ فإن إيران الخمينية لعبت الدور نفسه الذي لعبته إيران القاجارية من قبل (1914ـ 1917) حين أرغمت شيعة العراق من خلال مرجعية آية الله كاظم اليزدي علي التعاون الكامل مع البريطانيين وإلحاق الهزيمة بأنصار الثورة. وفي تلك اللحظات حين تحدث الشيخ الصدر مع آية الله السيستاني قائلا، بصوت رخيم إنه وأتباعه ذراع المرجعية الضاربة بدا واضحا أن الصدام مع المؤسسة الدينية قد ولي إلي الأبد. وعلي الأرجح؛ فإن ما عناه، في هذا التعبير الاستسلامي، يتخطي حدود المجاملات التي تتطلبها مصالحة من هذا النوع، وأنه ألمح إلي إمكانية إعادة نظر شاملة في نوع ودرجة الولاء المطلوب. لقد استردت المؤسسة الدينية الديكتاتورية في النجف وبدعمٍ وتدخل مباشرين من إيران، هيبتها الاستبدادية إثر هذه المصالحة بعد أن كانت للتو، فقط، تصبح موضع سخرية العراقيين الائتلاف الشيعي بسبب جبنها وتخاذلها وفرارها خارج العراق.إن قدرة المؤسسة الدينية التقليدية علي احتواء المخاصمين لها، كما جسده مثال المصالحة مع التيار الصدري (وتاليا النقد الذي وجهته لحكومة الجعفري وامتناعها عن تأييد قائمة الائتلاف الشيعي بقيادة الحكيم في انتخابات ما بعد تمرير الدستور) تبدو، بالنسبة للمراقب المحايد والنزيه، قدرة مفاجئة لا سياق لها. والأرجح أنها نتاج دعم خارجي (إيراني ـ بريطاني) كان يتحكم في الخفاء بتوجيه المرجعية ويقرر لها خياراتها السياسية ونمط تحالفاتها (من تدعم في هذه المرحلة ومن تخاصم في مرحلة لاحقة) [5].

سوف يكتب التاريخ ذات يوم، أن إيران الخمينية ربما تكون، من دون رغبة قادتها أو فقهائها، كررت علي أرض العراق، دون غيره من الجيران، التكتيك الانتهازي نفسه الذي اتبعته إيران القاجارية وحيال الأطماع الأوروبية نفسها في المنطقة، وذلك حين جربت مرة أخري، الإفلات من الوقوع تحت الاحتلال ومواجهة خطر التقسيم من خلال انتهاج سياسة تملق الغزاة أو محاباتهم في العراق المجاور؛ بل وحتي التعاون معهم إذا اقتضي الأمر (بينما تصخب في العلن بالعداء الزائف لهم). كما سيكتب التاريخ وبأقوي العبارات أن إيران ربما تكون قد وقعت في الخطأ نفسه ثانية، وكأنها لم تتعلم من دروسها أي درس ثمين. فكما أن إيران القاجارية أخفقت بالأمس في الحفاظ علي عرش ملوكها، حيث نصب البريطانيون، في النهاية، رضا خان (والد الشاه محمد رضا 1925)؛ فإن إيران الخمينية ستكون عاجلا أم آجلا أمام القدر المأسوي ذاته الذي تربص بالجار تعيس الحظ.

بينما يمكن، في الإطار ذاته للمصائر، التنبؤ بمستقبل التيار الصدري؛ حيث السبيل الوحيد المتروك أمامه للإفلات من قدره، ومن خطر تحوله إلي قوة رجعية منتجة للاستبداد، وكما سيكتب التاريخ ربما ساخرا من فشل البشر في تعلم الدروس الثمينة، إنما هو التمسك بوعد مقاومة الأعداء الحقيقيين والإقلاع نهائيا عن أوهام الحرب الدونكيشوتية ضد خصوم وهميين.

------------------

[1] أي قسما بالزهراء (فاطمة بنت النبي محمد ـ ص ـ) سنقطع عنق كل بعثي. وعلي غرار هذا الشعار الكريه كانت هناك شعارات مثل (كلا كلا يا هدام ـ أي الرئيس صدام ـ كلا كلا يا محتل)

[2] سعت المؤسسة الدينية من خلال سلسلة تكتيكات اتبعتها أثناء المعركة، إلي حرف الطابع الحقيقي للصراع بتصوير الأمر برمته كما لو كان صراعا حول مفاتيح المرقد المقدس. كانت قضية مفاتيح الصحن الحيدري (مرقد الإمام علي) مثيرة مع استمرار التجاذب حول مسؤولية الجهة التي سوف يتم تسليم المفاتيح لها، بعد جلاء الصدريين من داخل المرقد ومن حوله، بينما كان الصراع، في الجوهر، يدور بين المرجعيتين حول الأدوار السياسية.

[3] حسب معلومات استقاها الكاتب من شهادات مباشرة، فقد اتجهت مجموعات من المقاتلين يقدر عددها بنحو ألف مقاتل، ومن مناطق سنية مثل سامراء، إلي النجف لطرد الأمريكيين وفيلق بدر. لقد أظهرت معركة النجف، من هذه الزاوية إمكانية فك الارتباط بين اضطهاد البعث وتصفيته وبين مقاومة الاحتلال.

[4] في لقاء جمعني بصديق وكاتب صحفي معروف في دمشق (شتاء 2004) روي لي الواقعة التالية: أنه كان في الليلة السابقة علي وصوله إلي دمشق كان مدعوا للعشاء مع الطبيب البريطاني الذي أشرف بنفسه علي فحص آية الله السيستاني. يقول: إن الطبيب البريطاني أخبره بأن آية الله لم يكن يعاني من أي مشكلة في القلب، وأنه عندما قام بفحصه وجده في أتم صحة. كان قلبه أقوي من قلبي . يقول الطبيب البريطاني، الذي أضاف ولذا لم أطلب منه تناول أي نوع من الدواء واكتفيت بإبلاغه إمكانية مغادرة المستشفي بسرعة .

[5] يمكن مراجعة موقف آية الله اليزدي أثناء ما يعرف بثورة النجف عام 1914 لمعرفة معني التطابق المذهل في استراتيجية إيران إزاء العراق بالأمس واليوم.

ومن المحتمل في هذا الإطار أن إيران سوف تدعم منذ الآن تيار الصدر ربما علي حساب دعمها التقليدي لحزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلي، خصوصا وأنها تستعد كما تقول الكثير من المعطيات الدقيقة، لخلق مقاومة خاصة بها في مدن الجنوب لوضع البريطانيين داخل قفص.



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل -8.50 من 5التصويتات 4تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع